ارشيف من :أخبار لبنانية

دمشق لا تتحفظ على رحلة الحريري الأميركية.. ولكنها تراقب مضمونها

دمشق لا تتحفظ على رحلة الحريري الأميركية.. ولكنها تراقب مضمونها
"السفير" - عماد مرمل

منذ الاعلان عن نية الرئيس سعد الحريري زيارة واشنطن، تحولت هذه الزيارة سريعا الى مادة ساخنة للأخذ والرد، بما يعكس عمق أزمة الثقة التي لا تزال قائمة بين الاطراف السياسية، على الرغم من محاولة إخفائها أحيانا تحت تلك القشرة الرقيقة من «الوحدة الوطنية» التي لا تحمل الحكومة منها سوى اسمها.
 
وهناك من يقول ان الظروف السياسية المحيطة ساعدت بدورها في إضفاء مناخ ملتبس على رحلة الحريري المرتقبة، بدءا من التعثر المستمر في زيارته الثانية الى دمشق وانتهاء بالنفي الحاد للكلام المنسوب الى رئيس الحكومة حول تأييده حصول المقاومة على كل ما من شأنه حماية لبنان من الاعتداءات الاسرائيلية، بما في ذلك صواريخ «سكود»، مرورا بما تكشف من اتفاقيات غير متوازنة عقدت مع الولايات المتحدة الاميركية في زمن وجود الرئيس الحالي لكتلة تيار المستقبل فؤاد السنيورة في السرايا الحكومية.
 
وعليه، فإن طبيعة العلاقة التي كانت قائمة بين واشنطن وجهات في الداخل خلال السنوات الماضية من جهة، والتجارب المريرة مع سلوك الادارة الاميركية من جهة أخرى، كانت كافية كي تدفع بعض اللبنانيين الى التعاطي بشيء من الحساسية مع ذهاب الحريري الى واشنطن للقاء هو الأول من نوعه بينه وبين الرئيس الأميركي بارك أوباما.
 
ويفترض هذا البعض المتحفظ أن نتائج اللقاء مع أوباما معروفة سلفا في ظل ثبات الدعم الاميركي لإسرائيل وتغليب مصلحتها على ما عداها، الأمر الذي ظهر جلياً من خلال قضية صواريخ الـ«سكود»، حين تماهت واشنطن بالكامل مع موقف تل أبيب في التهديد والوعيد، ولعلها زايدت أحيانا في إبداء الحرص على الامن الاسرائيلي، وحتى الحريري نفسه لم ينج من تداعيات الموقف الاميركي وعتاب جيفري فيلتمان الذي أوصل الى رئيس الحكومة رسالة واضحة تنتقد تشبيهه طريقة مقاربة صواريخ الـ«سكود» بأكذوبة سلاح الدمار الشامل في العراق.
 
ولكن المقتنعين بعدم جدوى زيارة الحريري الى واشنطن، يحرصون على التأكيد أن رأيهم «هو صناعة لبنانية مئة بالمئة» وان لا علاقة لدمشق به على الإطلاق، معتبرين أن من يفترضون أن هناك بصمات سورية تكمن خلف كلمة هنا أو هناك إنما يتوهمون، و«هذه مشكلتهم».
ويؤكد زوار العاصمة السورية انهم لم يلتقطوا في دمشق أي إشارات توحي بأنها تتحفظ على مبدأ زيارة الحريري الى الولايات المتحدة، وهي لم ولن تتدخل في التأثير عليها، لا سلبا ولا إيجابا، لا عبر حلفائها ولا عبر غيرهم، ولكن ذلك ليس معناه أن سوريا تتعامل بـ«لامبالاة» مع تلك الزيارة التي ستكون تحت النظر وستخضع الى رصد دقيق، سواء على مستوى ما سيقال خلالها أو على مستوى ما سيدور في كواليسها.
 
ويشير زوار دمشق الى أنه لا «أفكار مسبقة» في سوريا حيال الرحلة الاميركية لرئيس الحكومة وان الحكم النهائي عليها مرتبط بالحصيلة التي ستفضي اليها، بل ان هؤلاء يوحون بأن زيارة الحريري الى واشنطن - وخلافا لبعض الانطباعات والفرضيات - قد تكون فرصة إضافية لتعزيز العلاقة بينه وبين دمشق إذا تضمن خطابه السياسي تأكيدا للثوابت المتصلة بالصراع مع إسرائيل وحق المقاومة والعلاقة المميزة مع سوريا، لان مثل هذا الخطاب يكتسب قيمة مضافة إذا تم تظهيره في الولايات المتحدة.

وبرغم الانزعاج الذي يبديه زوار العاصمة السورية من الجرعة الزائدة التي تضمنها نفي الرئيس الحريري لما نسب اليه حول صواريخ «السكود»، إلا انهم يشددون على ان هذا النفي لم يُقرأ من زاوية أنه موقف عدائي تجاه المقاومة أو أنه يتناغم مع أجندة خارجية، وبالتالي فإن ما احتواه من مبالغة بعض الشيء في التبرؤ من الـ«سكود» وُضع في إطار استجابته لنصيحة خاطئة من بعض المستشارين.

وفي سياق متصل، تؤكد أوساط سياسية مطلعة أن ما نقل عن لسان الحريري حول حق المقاومة في امتلاك كل أنواع الاسلحة، بما فيها الـ«سكود»، كان صحيحا وهو أراد أن تصل هذه الرسالة عبر أقنية خاصة ومن دون ضجيج الى «حزب الله» وربما أبعد من ذلك، ولكن نشره على الملأ أدى الى إحراجه لأنه اعتبر أن مثل الكلام العلني لا يتناسب مع الخطاب الذي يجب أن يعتمده كرئيس للحكومة، عدا أنه بدا أن تسريبه من حيث التوقيت، يستهدف التشويش على زيارته الى الولايات المتحدة.
 
وإذ تشدد تلك الاوساط على وجوب عدم تحميل توضيح الحريري أكثر مما يحتمل في دلالاته السياسية، ترى أن ذلك لا يمنع أنه كان من الأفضل لو اكتفى رئيس الحكومة بصيغة فحواها ان «الكلام المنسوب اليه ليس دقيقا»، مشيرة الى أنه ليس مطلوبا من الحريري أن يدافع علنا عن امتلاك المقاومة «السكود»، خصوصا أن حزب الله ذاته تجنب تأكيد الامر أو تكذيبه، ولكن لم يكن ضروريا في الوقت ذاته أن يندفع في رد فعله الى حد القول إن ما نسب اليه يشكل تهديدا للبنان وزجا به في تجاذبات إقليمية خطيرة.
 
في المقابل، يقول أحد النواب البارزين في كتلة الحريري إن بعض حلفاء سوريا في لبنان يحاولون أن يبيضوا وجوههم معها من خلال المزايدات السياسية وإثارة الغبار حول زيارة رئيس الحكومة الى الولايات المتحدة، «فيما لم يبدر من دمشق حتى الآن، سواء سرا أو علنا، ما يؤشر الى اعتراضها على الزيارة ونحن لم نتبلغ منها أي شيء من هذا القبيل».
 
ويعتبر النائب المذكور أن التعاطي مع الحريري ينبغي أن يتم على قاعدة الثقة، «وإلا فليسحبوها منه ومن حكومته إذا كان مجرد لقاء بينه وبين أوباما يمكن أن يثير الهواجس»، لافتا الانتباه الى ان رئيس الحكومة يجب ألا يتصرف في علاقته مع الادارة الاميركية على قاعدة أن الولايات المتحدة هي شيطان أكبر، بل عليه أن ينفتح على مراكز القرار الدولي، ولعله من المفيد في هذا الوقت السعي الى اللعب على التناقض الاميركي - الاسرائيلي الذي قد يكون موجودا، وذلك من أجل خدمة مصالح لبنان.

2010-05-14