ارشيف من :أخبار لبنانية
من النكبة إلى الاستيطان
بعيداً عن السرية المطلقة التي أحاطت بطبيعة الضمانات الأميركية التي قدمت كي تستأنف المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وحكومة نتنياهو... وبعيداً عن حقيقة أن هذه الضمانات من المفترض أنها قدمت أساساً بعد إثارة مسألة المستوطنات وتصوير هذه المسألة وكأنها جوهر الصراع بمفردها.. وكذلك بعيداً عن فشل الأميركيين في حمل إسرائيل على إعلان وقف تام لبناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967. وبعيداً عن كل ما تذرّعت به الولايات المتحدة الأميركية عبر جولات موفديها وتصريحات مسؤوليها وتلك التفاصيل الكثيرة حول مسألة الاستيطان والتمييز بين القدس والمدن الأخرى لخلق مساحة واسعة في وعي الناس حول اعتبار قضية الاستيطان وكأنها بالفعل هي المسألة الوحيدة المختلف عليها بين الفلسطينيين والعدو الصهيوني، أو حتى بين العرب والمسلمين من طرف وإسرائيل المحتلة من طرف آخر.. بعيداً عن كل ما سبق، ووفق ضمانات مغيبة تماماً، تم استئناف المفاوضات في وقت ذهبت فيه الحكومة الإسرائيلية إلى تأكيدات يومية وعلى لسان رئيسها وكل الوزراء وحتى القادة العسكريين مفادها أنه لا ضمانات أميركية ولا أي شيء يتعلق بوقف الاستيطان أو بتوقيفه من قبل إسرائيل احتراماً أو حفظاً لماء وجه أي من أصدقائها، أو التزاماً بأي وعد أو شبه وعد لبدء المفاوضات التي لم يخرج أحد ليقول حتى اللحظة للعرب وللفلسطينيين وللمسلمين في كل أنحاء العالم: ما هذه الضمانات ومن أعطاها ولمن؟ حتى كأن القصة بكاملها كذبة كبرى كما هو الكثير من الأكاذيب التي مرت لتزيد قوة العدو من حساب الفلسطينيين والعرب والمسلمين.
وإذ تحل ذكرى النكبة بكل تداعياتها كأنها دفعة جديدة في الرصيد الصهيوني السياسي تقدم له في ذكرى نكبتنا (قيام إسرائيل)، وإذا كان هناك ثمة أمور في حياتنا لا يمكن تفسيرها باعتبارها من عالم الغيب، فإننا في السياسة على الأقل نحتاج إلى تفسير الكثير وتعليل وتبرير ما يحدث من إصرار على اعتبار أدوار بعض الدول الكبرى كأنها أدوار جدية وحقيقية وعادلة ونزيهة.
لقد أكدت الولايات المتحدة الأميركية التزامها المطلق بأمن إسرائيل، ومع ذلك فإن أكثر التفسيرات الدرامية لهذا الالتزام هو أن بعضنا يعتبر هذا التفسير كأنه لا يعني الأمن القومي العربي من قريب ولا من بعيد، متجاهلاً الجزء الثاني من التعهد الأميركي الذي قال بضمان تفوق إسرائيل. والأسئلة: على من تتفوق إسرائيل؟ وعلى أي أمن يتقدم أمن إسرائيل؟ وكيف نفهم الضمانات الأميركية للسلطة الفلسطينية في ظل إصرار صاحب الضمانات على تفوق إسرائيل ليس على السلطة فحسب ولا على الشعب الفلسطيني بمفرده وإنما في مواجهة كل العرب والمسلمين؟!.
في ذكرى النكبة تبقى المراجعة التاريخية ضرورة، ولكن على أن تكون مراجعة نقدية تتجاوز مفهوم التاريخ وعبره وكل تلك الأفخاخ التي نصبت للعرب على مداره وكل ذلك الاستسهال الذي جرى التعامل وفقه مع القضايا الكبرى، لتكون مراجعة بقصد تجاوز الضغوط السياسية اليومية والأحداث الصعبة للوصول الى استراتيجية عربية شاملة لكل الخيارات، من خيار السلام وحقوقه الى كل احتمال نقيض..
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018