ارشيف من : 2005-2008

نصر الله: أرضنا للاستقلال والسيادة لا للعمالة والتبعية

نصر الله: أرضنا للاستقلال والسيادة لا للعمالة والتبعية

رحب الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله بـ"كل مسعى وحوار يؤدي إلى التوافق والوفاق بين اللبنانيين"، لافتاً إلى أنّ "مصلحة الأميركيين والإسرائيليين هي دفع اللبنانيين إلى الصِدام والمواجهة في ما بينهم". وإذ أعرب عن أسفه الشديد لـ"سكوت فريق السلطة الذي يدّعي أنه استقلالي وسيادي ويغار على لبنان، عن المناورات الإسرائيلية"، أكد سماحته أنّ "المقاومة أقوى مما كانت في السابق و"إسرائيل" أضعف مما كانت".
كلام الأمين العام جاء لمناسبة افتتاح معرض "أرضي" للمونة والأشغال الحرفية الذي أقامته مؤسسة "جهاد البناء" في مجمع سيد الشهداء (ع) ـ الرويس. وقد مثّل سماحته شخصياً في الحفل رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله سماحة السيد هاشم صفي الدين، بحضور حشد من الشخصيات السياسية والنيابية ومهتمين، يتقدمهم وزير الزراعة المستقيل طلال الساحلي.
تحدث في بداية الحفل مدير عام مؤسسة "جهاد البناء" المهندس قاسم عليق، ثم ألقى سماحة السيد نصر الله كلمة نُقلت عبر شاشة عملاقة توجه فيها الى المشاركين في الحفل استهلها بـ"الشكر الجزيل للإخوة والأخوات في مؤسسة "جهاد البناء" وإلى جميع العاملين في مختلف المؤسسات والهيئات والجمعيات والأطر, وكذلك جميع الأفراد الذين ساهموا وشاركوا في إقامة هذا المعرض تحت عنوان "أرضي"، مؤكداً أنه "سيكون معرضا تأسيسيا وبداية لجهد مركّز ورائع في هذا المجال".
مهنة الأنبياء
بعدها تحدث سماحته عن أهمية القطاع الزراعي منذ انطلاق البشرية وقال: "من أهم مميزات هذه المهنة أنها من أقدم المهن في تاريخ البشرية، يعني من أبينا آدم عليه السلام، والأهم من كون هذه المهنة هي مهنة قديمة قدم البشرية والإنسانية أنها مهنة شريفة بكل المقاييس والاعتبارات الإنسانية والدينية والأخلاقية والعرفية، حتى في أعراف الشعوب والمجتمعات السابقة، منذ نبينا آدم عليه السلام المزارع والحرفي الأول وكل من جاء بعده من أنبياء ورسل وأولياء وكبار وعظماء، أغلب هؤلاء كانوا يمارسون هذه المهنة، وهذا منصوص عنه وموجود في الكتب الدينية المختلفة. إنّ ممارسة الأنبياء العظام (ع) في أبعادها المختلفة سواء في بُعدها الزراعي أو الحيواني أو الحرفي يعطيها أيضا هذه الصبغة وهذه الكرامة وهذا الشرف. أضف إلى تأكيد رسالات السماء للعمل، وهذا الجهد هو من مصاديق العمل، لأنّ الله سبحانه وتعالى يحب العاملين ويبغض البطالين، يحب الكادحين في سبيل عيالهم وفي سبيل أهلهم وفي سبيل توسعة الرزق على من يعولون، حتى ورد في الحديث أنّ الكادح في سبيل عياله كالمجاهد في سبيل الله عز وجل".
واعتبر سماحته ان "القطاع الزراعي هو من أهم القطاعات الإنتاجية التي تعتني بها الشعوب والحكومات واعتنت بها طوال التاريخ، واليوم الحكومات التي تحترم نفسها وتفكر بشكل جدي بمصالح بلدانها تعطي أولوية وعناية كبيرة جدا لهذا القطاع"، مؤكداً ان "من أهم شروط الاستقلال السياسي هو الاستقلال الاقتصادي". وأورد سماحته خبراً مهما "عندما تصدى أحد كبار العملاء الكبار في وكالة المخابرات المركزية الأميركية CIA ويطلق عليه اسم القاتل الاقتصادي وشرح بإسهاب ـ وتفاصيل ما أدلى به وما كتبه وما تحدث عنه موجود في بعض مواقع الإنترنت ـ تحدث كيف أنّ الولايات المتحدة الأميركية والإدارة الأميركية تسيطر على هذا البلد وذاك البلد وعلى حكومة هذه الدولة وتلك الدولة من طريق سلب استقلالها الاقتصادي وإحداث تبعية اقتصادية، وتحدث في تفاصيل طويلة لا وقت الآن لذكرها".
وقال: "البلد الذي لديه قطاعات إنتاجية يمكن أن يكون مستقلا على المستوى الاقتصادي، أمّا البلد الاستهلاكي فلا يمكن أن يكون مستقلا على المستوى الاقتصادي. وبناءً عليه لا يمكن أن تأتي أي حركة أو حكومة أو تجمع سياسي ويدّعي أنّه حركة استقلال وسيادة ولا يعتني بالقطاعات الإنتاجية، وبالأخص القطاع الزراعي، فكيف يمكن بطريق أولى لحركة أو حكومة أو تجمع سياسي يدمر القطاعات الإنتاجية ويدمر القطاع الزراعي ويدّعي أنّه حركة استقلال وسيادة!".
أرضنا غالية
أضاف: "منذ سنوات القطاع الزراعي في لبنان يملك عناصر قوة مهمة جدا، وعلى سبيل المثال نحن نملك كل مقومات النجاح، نحن نملك الأرض المناسبة بل الأرض الغالية والثمينة التي أصبحت أغلى وأثمن بالتضحيات وبدماء الشهداء والجرحى وعرق المجاهدين وعذابات وآلام الصامدين في أرضهم خلال عقود طويلة من الزمن، نملك الأرض المناسبة ولدينا المياه التي للأسف تذهب هدرا، ولدينا المناخ المناسب ولدينا العلم وحسن التدبير ووفرة في المهندسين الزراعيين، وهنا أتحدث كشعب لبناني، ولدينا اليد العاملة التي تعمل بعزم واندفاع وبمحبة، تحب الأرض وتحب الحقل وتحب ما تنتجه، وتعتبر أنّ هذا جزء من ثقافتها وكيانها وشخصيّتها. الكثير من مقوّمات النجاح متوافرة وقائمة، لكن الخلل الكبير كان دائما في سياسات الحكومات المتعاقبة التي كانت تهمل هذا القطاع. ويمكن أن نقول بوضوح إنّ القطاع الزراعي كان دائما وأبدا من أكثر القطاعات إهمالا وحرمانا، كان هذا الإهمال متعمدا وما زال هذا الإهمال متعمدا، وهذه واحدة من مشكلاتنا مع الحكومة عندما كنّا في هذه الحكومة، وإحدى نقاط النزاع الحاد في داخل الحكومة بين الوزراء الذين يمثلون الفلاحين والمزارعين والمحرومين والفقراء والشرائح المستضعفة والعاملة، والفريق الذي لا يزال يمسك بالسلطة حتى الآن لأنّه لا مكان جديا لهذا القطاع الزراعي".
وقال: "هذا القطاع دائماً كان بحاجة إلى مساندة الدولة والسلطة على أكثر من صعيد، على صعيد دعم الإنتاج سواء بالقروض أو بالتسهيلات القانونية أو حتى على مستوى التنظيم والمؤسسات الجامعة، لأننا في هذا العصر لا نستطيع أن نتحدث أو أن نكتفي فقط بالجهود الفردية للمزارعين والفلاحين، وإنما هذا الأمر بحاجة إلى جهد جماعي، وكلما تعاظم هذا الجهد الجماعي وتأطّر كانت الإنجازات أفضل.. إذاً الحاجة إلى دعم في الإنتاج وأيضا الأهم الحاجة إلى دعم تسويق هذا الإنتاج".
وأشار سماحته إلى انه "في كل عام للأسف نشاهد في المناطق اللبنانية المختلفة كيف أنّ جزءا من الإنتاج الزراعي يبقى في مكانه ولا يتمكن أصحابه من قطف هذا الثمر أو حصد هذا الإنتاج، فيبقى كما هو ويتلف حيث هو! وأيضا نشاهد كيف أن بعض المزارعين وأصحاب المحاصيل الزراعية يقومون بإتلاف محاصيلهم ومنتجاتهم الزراعية في الطرق وأمام الكاميرات للتعبير عن احتجاجهم على سياسات السلطة، لأنّ السلطة في لبنان آخر من يعنيها المزارع، وهي التي يجب أن تمد يد المساعدة الى المزارعين من أجل تسويق وبيع منتجاتهم الزراعية، سواء في داخل لبنان أو في خارج لبنان. بل نجد أنّ الكثير من السياسات المتبعة تعطّل وتعقد حتى إمكانيات التسويق لو بادر إليها المجتمع المدني، وهذه كانت دائما نقطة خلاف".
وأشار سماحته الى أننا "في الموضوع الاقتصادي والسياسات الاقتصادية كنّا ننظر بقلق إلى السياسات المتبعة، وعندما عرضت بعض جوانب ما سُمّي بخطة الإصلاح في الحكومة ـ عندما كنّا في الحكومة ـ كان هناك جدال كبير حول هذا الأمر، وللأسف الشديد بعد استقالة الوزراء قامت هذه الحكومة بدقائق قليلة بإقرار خطة إصلاح، وفي الحقيقة قامت بتهريبها، وأنا أشك في أنّ الوزراء الذين شاركوا في إقرار هذه الخطة قد قرأوها أو تمعنوا فيها أو ناقشوها مع اختصاصيين، وكل ذلك بحجة الإسراع في إقرارها لتسهيل أعمال مؤتمر "باريس 3". وما زلنا ننظر بقلق بل بريبة إلى سياسات هذا الفريق في السلطة وخصوصا تجاه القطاعات الإنتاجية، وبالأخص القطاع الزراعي والقطاع الصناعي، وهذا يحتاج في الحقيقة إلى صرخة كبيرة. من اللافت في لبنان أنّ هناك فريقا في السلطة يستهدف القطاع الزراعي، ومع ذلك نجد أنّ بعض المتضررين من هذا الاستهداف يتمسك بهذا الفريق السلطوي، ما يؤكد أنّه أحيانا بعض العصبيات تغلب حتى المصالح، فضلا عن أنها تغلب بعض القيم التي قام عليها لبنان ومجتمعنا، فنجد أن القيم تضيع، وأحيانا المصالح تضيع لمصلحة العصبيات التي تلتف حول أطر سياسية معينة برغم أنّ سلوك هذه الأطر السياسية يمارس ما يناقض هؤلاء الناس وخصوصا الشرائح، ولا أقول الطبقات، فأنا لا أحب هذا المصطلح، الشرائح الفقيرة والعاملة والكادحة والمزارعة والمحرومة التي تعاني من شظف العيش".
غياب الدولة
وأوضح سماحته أن "هذا المعرض هو في الحقيقة مساهمة من مؤسسات المجتمع المدني والأهلي ومحاولة لملء بعض الفراغ ـ ولو بشكل بسيط ومتواضع ـ الذي تتركه السلطة والدولة والفريق الحاكم في لبنان، وليس الآن بل منذ عقود من الزمن في هذا المجال. وللأسف أيضا هذا أمر نحن جميعا مضطرون إليه، وفي كل مجال من المجالات هناك حاجة ملحة للناس وهناك ضرورة للتعاون الاجتماعي والجماعي والمؤسساتي، عندما تغيب الدولة يجب أن يتحمل الناس مسؤولياتهم، ونحن مِن الذين يتحملون هذه المسؤولية حتى لو كانت تؤدي إلى توجيه الاتهامات إلينا، وهذا ما يجري في لبنان للأسف الشديد، حتى في المقالة التي قرأناها للسفير الأميركي جيفري فيلتمان قبل أيام.. اليوم مثلا تُدان مؤسسة "جهاد البناء" أو شركة "وعد" وهما مؤسستان مدنيتان.. لماذا؟ لأنهما تعمران بيوت الناس! الأميركيون لا يريدون لأحد أن يعمر بيوت الناس، يريدون لبيوتنا التي دُمّرت بقرار أميركي وبتنفيذ إسرائيلي وبصواريخ أميركية أن تبقى مدمّرة، وأن تبقى عائلاتنا وأهلنا في الشوارع، لأنّ هذا هو الذي يخدم المشروع الأميركي الإسرائيلي في لبنان والمنطقة. أمّا أن تأتي مؤسسة لتبني بيوت الناس أو تساعد الناس في إعادة إعمار ما تهدم، فمن الطبيعي في الخلفية والذهنية الأميركية أن تتهم هذه المؤسسة بالإرهاب لأنّها جزء من تعطيل مفاعيل العدوان الذي يخدم المشروع الأميركي الإسرائيلي، وكذلك عندما تكون هناك منطقة محرومة على المستوى الصحي فتقدم أي جهة على إقامة مستوصفات أو مراكز صحية أو مستشفيات ستُتهم بأنها تقيم دولة في داخل الدولة، وإذا كانت هذه المراكز الصحية وهذه المستشفيات في المناطق التي تتعرض للعدوان وترتبط بها أطماع العدو التي يسكن فيها شرائح مجاهدة ومقاومة وتحتضن المجاهدين والمقاومين فسوف يصبح هذا العمل الصحي إرهابا، وتصبح هذه المؤسسة الصحية مؤسسة إرهابية".
"جهاد البناء" ماضية في مشروعها
وأكد سماحته "انّ جهاد البناء ماضية في مهامها ومسؤولياتها وليقولوا ما يشاؤون، "عمل إرهابي"، "دولة داخل الدولة"، هذا أمر لا يضيرنا على الإطلاق". لافتا الى ان "سيل الاتهامات وتنوعها وتركيزها هذا العام لم يسبق له مثيل، ولكن هذا لا يمكن أن يقدم أو يؤخر شيئا، بل هذا يزيدنا عزما وإصرارا على مواصلة ما نقوم به، ويقينا بصحة الخيار وصحة وسلامة ما نقوم به". داعياً إلى "أوسع تعاون بين مؤسسة جهاد البناء والمؤسسات الزراعية والتعاونيات والجمعيات والأطر الأهلية، سواء التي تعتني بالجانب الزراعي أو بجانب الصناعات اليدوية والحرفية".
وقال: "ما نستطيع أن نقوم به في دعم الإنتاج يجب أن نقوم به، وما يمكن أن نقوم به في دعم التسويق لهذه المحاصيل ولهذه المنتجات يجب أن نقوم به دون أي تردد، وأنا أعدكم ـ إن شاء الله ـ أنّ هذا المعرض لن يكون خطوة مجتزأة، ولن يكون خطوة يتيمة، وإنما هو بداية لخطة ولجهد متواصل ومستمر، سوف نحاول أن نتعاون فيه مع الجميع، خصوصا في مجال التسويق. ونحن خلال السنوات الماضية في مجال دعم الإنتاج ومن خلال مؤسسة "جهاد البناء" وبالتعاون مع وزارة الزراعة ومع الوزراء السابقين الذين كانوا يتولون هذه المسؤولية ويتعاونون بشكل جيد، كنّا نحاول سواء من خلال الإرشاد الزراعي أو تقديم بعض القروض أو بعض العمل التعاوني أن نساهم في هذا المجال، لكن نعتقد أنّ الهدف الأهم الذي يجب أن يلتفت إليه في هذه المرحلة وفي المراحل المقبلة هو جهد التسويق".
تابع: "هذا المعرض هو معرض تعريفي للمنتجات الزراعية، نعرّف اللبنانيين من خلال وسائل الإعلام ومن خلال الذين يزورون المعرض، وهو أيضا معرض تثقيفي من خلال الندوات التي ستقام في برامجه المختلفة، وهو أيضا جهد تسويقي لبيع وتسويق هذا الإنتاج ومحاولة تخفيف الحلقات والفواصل بين الجهة المنتجة والجهة المستهلكة، واخترنا أن يكون هذا المعرض في هذا المكان في مجمع سيد الشهداء في الضاحية الجنوبية.. اخترنا هذا المكان لنقول نحن نقيم معرضا للمنتجات الزراعية والحرفية في نفس المكان الذي نقيم فيه معرضا للكتاب للعلم والثقافة، في نفس المكان الذي نشيّع منه شهداءنا ونحتفي فيه بشهدائنا، في نفس المكان الذي نستقبل فيه أسرانا المحررين، في نفس المكان الذي نعبّر فيه عن مواقفنا السياسية، في نفس المكان الذي نقيم فيه شعائرنا الدينية ونحيي فيه ليالي القدر، لنؤكد انّ كل هذه الحلقات هي سلسلة واحدة متواصلة: العبادة والعمل والعلم والمعرفة والجهد والإنتاج والزراعة والدماء والدموع والتضحيات والحضور الشعبي وتحمل المسؤولية والسياسة والجهاد، كلها حركة واحدة متواصلة متكاملة على المستوى الفكري والإيماني والإنساني والأخلاقي في خدمة هدف واضح ومحدد هو عيال الله وعباد الله، لأنّ هذا هو سبيل الله الذي يصح فيه الجهاد ويصح في طريقه العمل ويصح في طريقه التضحيات".
نراهن على الوفاق
 ثم تطرق سماحته الى الموضوع السياسي فقال: "إننا ما زلنا نراهن على الوفاق وعلى التوافق بمعزل عن كل أصوات الموتورين والمصعِّدين والذين يريدون ان يأخذوا البلد إلى الفتنة وإلى الصِدام وإلى المواجهة، ويجاهرون بذلك ويتحدثون عن هذا الأمر بكل بوضوح وبكل صراحة. نحن ما زلنا نراهن على التوافق وعلى الوفاق وما زلنا نسعى في هذا الاتجاه وما زال هو أملنا الكبير".
أضاف: "في هذا السياق أيضا نحن أيدنا مبادرة دولة الرئيس نبيه بري ولاحقا أيدنا مبادرة بكركي، واليوم أود ان أعلن أمامكم بكل وضوح وصراحة أننا سعداء لكل اللقاءات التي تحصل ثنائية او ثلاثية بين قادة في المعارضة وقادة في فريق السلطة، هذا من دواعي الأمل والرجاء، وتذكرون دائما خلال الأشهر الماضية خصوصا بعد انتهاء الحرب عندما كنا نتحفظ على الأطر الواسعة للحوار وكنا نقول هذا إطار يطغى عليه البروتوكول والشكليات والعلاقات العامة والمجاملات والتعارفات، والحوار الجدي يحصل بشكل ثنائي او ثلاثي، وكنا ندعو دائما الى قيام حوار من هذا النوع".
التفاهم والتوافق قوة لبنان
وأعرب سماحته عن ارتياحه العميق للحوارات القائمة وقال: "اليوم الحوارات المتنقلة بين لبنان وخارج لبنان نحن نؤيدها وندعمها ومرتاحون لها ونأمل ان تصل الى نتائج، بل أقول لكم بالخط العريض: كل مسعى وكل لقاء وحوار وجهد يمكن ان يؤدي الى التوافق والوفاق بين اللبنانيين نحن نؤيده وندعمه وندعو الله لأن ينجح ويعطي النتيجة المطلوبة، لأننا حريصون على هذا البلد وعلى هذا الشعب وعلى هذه الدولة، ونعرف أنّ مصلحة الأميركيين ومصلحة الإسرائيليين هي دفع اللبنانيين إلى الصِدام وإلى المواجهة في ما بينهم، وأن النزاع يؤدي إلى الفشل بينما التوافق والتعاون والتفاهم والوحدة هي من أهم عناصر القوة.
السكوت العجيب
كما أعرب سماحته عن أسفه الشديد لـ"سكوت فريق في السلطة الذي يدّعي أنه فريق استقلال وسيادة وحرية ويغار على لبنان وأرضه وسمائه وأمنه واستقراره، عن المناورات الإسرائيلية التي تجري في شمال فلسطين المحتلة وعلى مقربة من الحدود اللبنانية، ويشارك فيها ما يزيد عن خمسين ألف ضابط وجندي وفرق مدرعة ومؤللة في مناورات لعدة أيام، ويعلنون ما هو هدف هذه المناورات، وأن هدفها هو لبنان، وأنهم يستفيدون من أخطائهم وعيوبهم وثغراتهم، ويعتبرون أنّ هذه المناورات هي لأخذ العِبر أو لتطبيق العِبر والدروس المستخلصة من الهزيمة الإسرائيلية في لبنان".
وبشأن الغارات الإسرائيلية الوهمية اليومية ردها سماحته إلى انها "جزء من المناورات، وهي جزء من الخطة الحربية المفترضة للعدو التي يناور عليها، سواء في سمائنا أو في شمال فلسطين المحتلة". منتقدا موقف السلطة الحاكمة "التي لم نسمع منها موقفا، وكأن هذا الأمر لا يعني الحكومة اللبنانية التي تدّعي أنها حكومة، ولا يعني الفريق الذي يدّعي أنّه سيادي واستقلالي، لم يحركوا ساكنا، لا احتجاج ولا اتصال حتى مع سادتهم أو ـ إذا أردنا التخفيف عنهم ـ مع حلفائهم الأميركيين، أي تعبير عن سخط أنّ هناك ما يهدد لبنان وما ينتهك سيادة لبنان وأجواءه، وأنّ الغارات الوهمية في نهاية المطاف قد ترعب الناس المدنيين والأطفال والنساء خصوصا إذا كانت الغارات منخفضة جدا.. لم يحركوا ساكنا. هذا السكوت مريب وعجيب خصوصا أيضا من أولئك الذين دائما يجادلونك في الليل والنهار بموضوع قرار السلم والحرب.. حسنا أنتم ماذا تفعلون؟ قبل أيام تحدث نائب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي المهزوم الذي كان في القيادة عندما لحقت بجيشه الهزيمة (الجنرال) كابلينسكي عن خطة إسرائيلية من هذا النوع.. لا كلام (عند فريق السلطة). إذا أنتم مسؤولون عن الحرب والسلم فتحملوا مسؤوليتكم، في كل شيء أنتم تتخلون عن المسؤولية".
ولفت سماحته الى ان "هذا السكوت مُدان، وهذا السكوت موضع تساؤل، بل اسمحوا لي أن أذهب بعيدا في سوء الظن وأقول هذا السكوت مريب، وكأنّ ما يقوم به الإسرائيليون في نظر البعض يخدم مشروعهم للسيادة والاستقلال كما يفهمونه، والذي هو مشروع تبعية للمشروع الأميركي وخضوع للمشروع الأميركي والتحول إلى جزء من المشروع الأميركي. للأسف الأمور باتت على هذه الشاكلة. لكن في كل الأحوال أنا أثير هذه النقطة لأقول إنّ هذا الفريق الذي يدّعي ما يدّعي يجب عليه أيضا، وأنا هنا لا أريد فقط أن أُدين وإنما أن أُطالب بموقف واضح وجلي من هذا الذي يقوم به الإسرائيليون، وخصوصا في مجال الانتهاكات الكثيفة اليومية للسيادة اللبنانية. طبعا بالنسبة إلينا نحن نثير هذه الملاحظة، وأود أن أؤكد لكم جميعا وللبنانيين جميعا ولكل الذين يتابعون الأوضاع اللبنانية وخصوصا الإسرائيليين، أن كل هذه المناورات والغارات الوهمية وكل هذه الطبول التي تقرع وكل هذا التهديد والتهويل الإسرائيلي الذي نسمعه بين الحين والآخر لا يؤثر فينا على الإطلاق، ولا يمكن أن يهز من ثقتنا بأنفسنا وبالله سبحانه وتعالى أولاً وأخيراً، وأنّ المقاومة التي دافعت عن لبنان ستدافع عن لبنان وهي أقوى من أي يوم.
وشدد سماحته على أنّ "المقاومة أقوى مما كانت في السابق و"إسرائيل" أضعف مما كانت في السابق، وأنا أتحدث على المستوى النسبي، وأنا لا أقول إنّ "إسرائيل" ضعيفة، وإنما إذا ما قسنا "إسرائيل" اليوم بـ"إسرائيل" عشية 12 تموز هي أضعف، وإذا ما قسنا المقاومة اليوم بالمقاومة عشية 12 تموز هي أقوى. اليوم نحن أقوى في الإرادة والعزم وفي الإيمان وفي الثقة وفي التوكل وفي المعنويات وفي الماديات وفي العقل وفي التدبير وفي الحضور الميداني وفي الاستعداد للمواجهة.. كل هذا لا يخيفنا، نحن لا نريد حربا مع أحد، ولكن لن نسمح بأن يُعتدى على قرانا وعلى شعبنا وعلى أهلنا وعلى بلدنا. إذا كان البعض يفهم السيادة خضوعا فنحن نفهم السيادة سيادة، هكذا كنا طوال التاريخ. إذا كان البعض يفهم الاستقلال استسلاما فنحن نفهم الاستقلال استقلالا، نقدّم من أجله الدماء الزكية، وسوف تبقى راية لبنان مرتفعة كجبال لبنان، وسوف تبقى أرض لبنان أرضا طاهرة من أي دنس ومن أي احتلال، لأنها طُهِّرت بأزكى دم وبأغلى دم قدمتموه أنتم وقدمه شعبنا".
وختم سماحته بالقول: "هذه هي أرضي، هذه هي أرضكم، الأرض الغالية بجبالها وسهولها ووديانها، هذه الأرض الغالية التي لا يمكن أن نفرط فيها ولا يمكن أن نتخلى عنها ولا يمكن أن نسمح بتدنيسها ولا يمكن ان تكون أرضا لا للاحتلال الإسرائيلي ولا أرضا للقواعد العسكرية الأميركية ولا أرضا للعمالة ولا أرضا للتبعية، وإنما سوف تبقى أرضا للاستقلال وللسيادة وللحرية وللكرامة وللوطنية وللعزة وللرؤوس الشامخة وللأيدي المضحية والعاملة والمجاهدة.. هكذا أنتم وهكذا كنا، وهكذا سنبقى وهكذا ستكون "أرضي"، أرضا للإنتاج في كل مجال، وأرضا للعطاء في كل مجال، وأرضا للعزة الدائمة".
وفي ختام الحفل قام السيد صفي الدين بفتح بوابة تراثية كبيرة وجال والمشاركين على أقسام المعرض.
الانتقاد/ العدد1240 ـ 9 تشرين الثاني/نوفمبر2007

2007-11-09