ارشيف من : 2005-2008
سفينة نوح... نحو بر الأمان الفرنسي!
قصة الممرضات البلغاريات عادت وفرضت نفسها بقوة في أجواء العملية الفاشلة التي حاولت من خلالها جمعية "سفينة زوح" الخيرية الفرنسية نقل أطفال من تشاد إلى فرنسا بعد أن كانت قد اختطفتهم من منطقة الحدود بين السودان وتشاد.
فمن جهة، يقول الكثيرون من الساخطين على الجمعية إن المتورطين في العملية سينتهي بهم الأمر إلى أن يطوّبوا كأبطال شأن ما حدث للممرضات البلغاريات اللواتي قمن عمداً بحقن مئات الأطفال الليبيين بفيروس الإيدز، قبل أن يطلق سراحهن بوساطة من سيسيليا التي كانت لا تزال يومها زوجة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي اهتم شخصياً بـ"تحرير الممرضات" وإعادتهم بمعيّته إلى بلغاريا.
ومن جهة أخرى، يقول مناصرو الجمعية في فرنسا وغيرها من بلدان الغرب، إن القضية برمتها هي سيناريو اصطنعته السلطات التشادية لأغراض سياسية على غرار ما فعلته السلطات الليبية في قضية الممرضات، ما يعني أن القائمين بالعملية هم أبرياء ومظلومون وجديرون بأن يصار إلى التعامل معهم كأبطال.
وبالفعل، بدأت تباشير ذلك التوجه تلوح في الأفق مع تدخل ساركوزي المباشر وسفره إلى تشاد التي عاد منها بصحبة قسم من ذوي العلاقة بالملف، وهم الصحافيون الفرنسيون الثلاثة ومضيفات الطائرة الإسبانية الأربع.
وقد لاحظت بعض الأوساط الفرنسية شدة اهتمام ساركوزي بالموضوع حيث استغله لاجتذاب الأضواء، واعتبر اهتمامه به كإشارة لانطلاق حملة واسعة في فرنسا لدعم من باتوا يسمون من الآن فصاعداً بالمعتقلين الأوروبيين في السجون التشادية. وفي هذا المجال، خرجت في باريس ومارسيليا ومدن فرنسية أخرى تظاهرات طالبت بالتضامن مع المعتقلين وبالعمل من أجل إطلاق سراحهم وإعادتهم إلى الوطن و، محاكمتهم، "إذا ما اقتضى الأمر"، على ما ورد في كلام للأمين العام للحزب الاشتراكي، فرانسوا هولاند.
وقد ضمت التظاهرات أفراداً من أسر الجناة ومن الأسر والجهات التي كانت بانتظار الأطفال لتبنيهم أو لتمكينهم، بطرق أخرى، من الحصول على "حياة حرة كريمة". وشدد المتظاهرون على ضرورة عدم ترك المعتقلين ورقة ضغط في يد النظام التشادي، وعلى عودة الجميع لا الصحافيين وحدهم.
كما ركزت بعض وسائل الإعلام على أن ما أوقع هؤلاء "المتطوعين" في هذه الورطة هو "طيبة قلوبهم" وشغفهم بخدمة القضايا الإنسانية، في إشارة إلى ما وقعوا فيه من أخطاء "قانونية".
وفي السياق ذاته، تحول الصحافيون الفرنسيون المحررون إلى نجوم تستضيفهم وسائل الإعلام حيث يسردون مطولاً ما أحاط بظروف اعتقالهم وكيف انهم شعروا بـ "شيء من البرد" وكيف أنهم ناموا، وهم ستة عشر شخصاً، في غرفة بمساحة عشرين مترا مربعا، وكيف أن المضيفات الإسبانيات أصابتهن "الصدمة" عندما وجدن أنهن قد أصبحن خلف القضبان، وكيف أن أحد الحراس وصفهم بالمستعمرين ومهربي الأطفال وتجار العبيد. "شيء قاس جداً لا يمكن تحمله"، على ما قاله أحد الصحافيين المحررين.
إذاً هنالك حملة شاملة ومنظمة للتضامن مع الجناة وتصويرهم كضحايا للنظام التشادي، وهو أمر يسهل تمريره من خلال الصورة الشائعة عن اضطهاد السجناء من قبل الأنظمة الديكتاتورية، وأيضاً عن الأوروبي أو الغربي المحسن الكريم الذي يقابل بالإساءة من قبل تلك الأنظمة.
وإذا كانت الحملة التي بدأها ساركوزي بنفسه قد أفلحت في "تحرير" قسم من الجناة، فإن الحديث يتركز على الباقين. هل سيحاكمون في فرنسا أم في تشاد؟ وزيرة العدل الفرنسية، رشيدة داتي، وهي على كل حال فتاة مبتدئة من أصل مغربي، تسرعت قليلاً عندما صرحت بأن محاكمتهم متعلقة بالعدالة التشادية، لأن تشاد بلد ذو سيادة وله الحق في تطبيق قوانينه فوق أراضيه. تسرعت، لأن ساركوزي لم يلبث أن كشف عن نيته في المطالبة باستردادهم لمحاكمتهم في فرنسا.
الرئيس التشادي بدا متجاوباً مع الفكرة عندما طلب عدم الذهاب بعيداً في إضفاء طابع مأساوي على قضية الاختطاف، ممهداً بالحديث عن الطيار البلجيكي المتقدم في السن والخوف من أن يطاله مكروه وهو في عهدة السلطات التشادية، وعن ضرورة التعامل مع الجناة برحمة لأن عمليتهم قد فشلت! قضاة تشاديون رأوا في ذلك، وخصوصاً في اللقاء الحار بين إدريس ديبي وساركوزي، دليلاً على ضغوطات يمارسها الثاني على الأول، وهو الأمر الذي نفاه ديبي بكل إباء وشمم. وللاختصار، يبدو أن الجناة سيفرج عنهم وسيتمكن ساركوزي من القيام برحلة "تحريرية" أخرى، الأمر الذي أشار إليه من طرف خفي عندما أكد أنه سيعود إلى تشاد في شباط/ فبراير القادم.
وإذا ما حدث وتم إغلاق هذا الملف، فإن ذلك سيضيف صفحة جديدة إلى آلاف الملفات المغلقة عن الجرائم المرتكبة بحق الشعوب المضطهدة، وفي طليعتها الشعوب العربية والإسلامية والإفريقية منذ بداية حروب التوسع الاستعماري وصولاً إلى فضائح المتاجرة بالأطفال والنساء في البوسنة والعراق وجنوب آسيا، وعمليات الإبادة المتلاحقة وغيرها من أشكال التعسف في فلسطين والجزائر والبلقان وبلدان كثيرة أخرى لا تحصى.
وإذا ما طويت هذه الصفحة في السجلات الرسمية فإن على الذاكرة أن تسجل الوقائع المحققة التالية: جمعية "سفينة زوح" بدأت عملها في أندونيسيا قبل ثلاثة أعوام مع التسونامي وما رافقه من فضائح إنسانية تجارية. انتقلت إلى تشاد مع تصاعد مشكلة دارفور. غالبية الأطفال تبين أنهم ليسوا يتامى. كذبت على الأطفال وذويهم عندما قالت إنها ستنقلهم إلى آبيشي دون ذكر فرنسا. زعمت أنها مؤسسة غير ربحية تهتم بإنقاذ اليتامى، علماً بأنها جمعت أكثر من مليون يورو من أشخاص وعدتهم بتأمين أطفال للتبني، وتقاضت مبالغ تتراوح بين 1500 و8 آلاف يورو عن كل طفل.
أسرة واحدة من مئات الأسر الموعودة بأطفال تقدمت بدعوى ضد الجمعية بتهمة الاحتيال، ما يدل على ضغوطات تتعرض لها تلك الأسر. نفذت عمليات مشابهة سابقة شملت ترحيل عشرة آلاف طفل. تعاونت مع الجيش الفرنسي وتم نقل أعضائها بين منطقة الحدود السودانية وآبيشي في تشاد على متن طائرات حربية فرنسية. السلطات الفرنسية تسترت على القضية منذ أشهر وتذرعت بضعف التنسيق بين الأجهزة في تبرير العجز عن كشف ما يجري، على ما أكدته صحيفة ليبراسيون الفرنسية. الجيش الفرنسي أسدى خدمات مماثلة لأكثر من 250 جمعية إنسانية غربية تعمل في تشاد ودارفور، ما يدفع إلى الاعتقاد بأن ما خفي أعظم بكثير مما ظهر.
سؤال: ما هو السر في هذا الإقبال الشديد على "استيراد المادة البشرية" من البلدان الفقيرة، بهذه الأعداد الضخمة؟ انخفاض نسبة المواليد وشيخوخة المجتمع في الغرب؟ استرقاق لتغذية تجارة البغاء؟ تغذية سوق العمل السري؟ تجارة أعضاء؟ كل ذلك ممكن وشائع في هذه الأيام.
والممكن أيضاً هو إعداد أجيال من المختطفين وتنشئتهم ليصبحوا فيما بعد قادة في بلدانهم لمصلحة بلدان الغرب. وطبعاً هنالك أيضاً الاستثمار القديم الجديد في جيوش المرتزقة تحت أسماء الشركات الأمنية.
سؤال أخير: إلى أي مدى تصل حدود الانفتاح عندنا أمام الجمعيات الإنسانية والمنظمات الحكومية وغير الحكومية؟
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/ العدد1240 ـ 9 تشرين الثاني/نوفمبر2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018