ارشيف من :أخبار لبنانية
الوزير الياس سابا: الموازنة أقل من عادية في زمن استثنائي
بثينة عليق
يكشف الحوار مع وزير المالية السابق الياس سابا مدى خطورة استمرار الوضع الاقتصادي القائم. اسهاب في الارقام والمؤشرات والتفاصيل الواردة في مشروع الموازنة للتأكيد على ان النهج الاقتصادي الذي حكم لبنان منذ بداية التسعينات لا يزال مستمرا بنفس الاصرار والعناد. اما غياب البديل فيعني كارثة وطنية يدفع ثمنها الفقراء واصحاب المداخيل المحدودة الذين يزدادون فقرا.
ـ كيف تقوّم الوضع الاقتصادي في لبنان في ظل تراجع الاهتمام الرسمي والاعلامي وحتى الشعبي به لمصلحة الاهتمام بالانتخابات البلدية؟
*يعاني البلد من انفصام في الشخصية يتمثل بوجود نموذجين داخل المجتمع اللبناني: الاول نموذج المتحكمين بالسلطتين السياسية والاقتصادية، والذين يشعرون برضى غير مسبوق عن النفس ويقولون كلاما في الداخل والخارج مفاده أن البلد يمر بأحسن احواله، ويرددون ما يشبه الزجل حول بعض الانجازات.
اما النموذج الثاني فهو المواطن اللبناني الذي يمثل الاكثرية الساحقة من الذين يركضون وراء لقمة العيش، والذين يخافون من المستقبل ويفتقدون للاحساس بالطمأنينة ولسان حالهم يقول: اين يذهب البلد؟ وكيف يمكن الاستمرار؟
ـ هل يحمل مشروع الموازنة المطروح على طاولة مجلس الوزراء الطمأنينة او اي ايجابيات للمواطن؟
*في الحقيقة اود مقاربة موضوع الموازنة من جوانب مختلفة، ولكن في البداية لا بد من طرح قضية لم يطرحها احد قبل الان، وهي ان مشروع الموازنة لم يأت على ذكر السنوات الخمس الماضية التي لم تقر فيها الموازنات وكأن البلد كان في احسن احواله بين العامين 2005ـ2010.
وهنا اسأل: ماذا نفعل بنفقات وواردات السنوات الماضية حسابيا واقتصاديا وسياسيا؟ ما هو رأي وزيرة المال؟ ماذا نفعل بسنوات مقطوعة من عمر المالية العامة وعمر اللبنانيين؟
صحيح ان هذه الحالة لا مثيل لها في اي دولة من الدول الا ان الحكومة لا بد لها من ابتكار حل في هذا المجال.
ـ لماذا برأيك تم اغفال وتجاهل هذا الامر؟
*عند البعض هناك نوع من القصور الذهني وعند البعض الاخر اعتقد ان هناك رغبة بعدم فتح مشكلة.
ـ ماذا عن قاعدة الصرف وفق القاعدة الاثني عشرية؟
* القاعدة الاثني عشرية منصوص عليها في الدستور وتحديدا في المادة 86 وهذا امر يغيب عن بال الكثيرين. اما مضمون المادة فيشير الى انه اذا لم يبت مجلس الوزراء الموازنة في المهل الدستورية يتم الصرف على اساس السنة السابقة ولشهر واحد فقط، وبما ان لا موازنة للسنة الماضية اي للعام 2009 فكل الوضع الحالي غير دستوري.
ـ لماذا تم تأخير الموازنة على الرغم من ان البيان الوزاري للحكومة تعهد بتقديمها في شهر شباط؟
*اولاً على الناس ان تعرف ان الديمقراطية نشأت لاجل تنظيم مسألة الجباية والانفاق ومهمة المجالس النيابية هي المحاسبة المالية للدولة. واذا كنا متفقين على اننا نعيش في ظرف استثنائي والدولة على وشك التلاشي، فان هذه الاوضاع تتطلب صفحة جديدة. وكان المنتظر من رئيس حكومة جديد يرث اسطورة سياسية واقتصادية ان لا يتأخر بتقديم الموازنة، الا اذا كان رئيس الحكومة راضيا عن هذا التأخير! الان باحسن الاحوال ستصدر الموازنة في منتصف الصيف ما يفقدها اي قيمة حقيقية باستثناء القيمة الاكاديمية.
ـ اذا توقفنا عند بنود الموازنة هل ترى ان النسبة المرصودة للنفقات الاستثمارية تفي بالغرض المطلوب؟
*في الحقيقة ان الانفاق الاستثماري لا فائدة له بسبب ضيق الوقت ولم تعد الارقام الواردة في هذا البند تعني اي شيء جدي.
ـ ماذا عمّا تضمنته الموازنة من طلب الاجازة للحكومة بالاقتراض من خلال اصدار سندات الخزينة؟
*تتضمن الموازنة نصوصا "مخيفة " في هذا المجال، فهي تطلب الحصول على صلاحيات هي في الاساس من اختصاص السلطة التشريعية، وهذه طبعا مخالفة دستورية. اما بالنسبة للتبعات المالية والاقتصادية فان الاصرار على حق الاقتراض يتناقض وشعار تخفيض الدين العام. وهنا لا بد من الالتفات الى ان بيانات مصرف لبنان تشير الى ان ودائع القطاع العام تبلغ قيمتها 11 الفاً و717 مليار ليرة، وتبلغ الفوائد التي تدفعها الدولة اللبنانية عليها قيمة الـ750 مليار ليرة سنويا.
بينما تبلغ النفقات الاجمالية حتى شباط/فبراير الفين و400 مليار ليرة، والمادة الخامسة من الموازنة (وهي مادة مأخوذة من موازنة 2005) تتحدث عن اجازة للحكومة باصدار سندات خزينة بالعملة اللبنانية لآجال طويلة ومتوسطة ومن خلال قرارات تصدر عن وزارات المالية بحدود العجز فقط. فلماذا هذه المخالفة لقانون الموازنة ولماذا الاقتراض فوق السقف الذي حدده المجلس النيابي؟
ـ ما هو السبب او القطبة المخفية وراء هذا الامر، وهل توافق على ان المصارف اللبنانية هي المستفيدة من هذا الوضع الشاذ؟
*لا يمكن فصل هذا الامر عن الازمة المالية العالمية وازمة دبي ايضا التي ادت الى دخول اموال بنسب كبيرة الى المصارف اللبنانية والتي وظفت جزءا منها في قروض للدولة اللبنانية وجزءا اخر ذهب قروضا للقطاع الخاص وتحديدا القروض الاستهلاكية، يبقى الجزء الاخير ولتوظيفه ستضطر المصارف لخفض الفوائد ما يؤثر على ربحيتها.
وحتى لا تنخفض ربحية المصارف اصدرت وزارة المال مؤخرا سندات خزينة بفوائد 6و7 % ما يعني ان اللبنانيين يعملون ويدفعون الضرائب لضمان ربحية المصارف المرتفعة.
ـ ماذا عن الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وهل ترى انها مناورة لإمرار مشاريع الخصخصة؟
*هناك تخوف حقيقي من ان تكون المصارف تريد شراء القطاع العام في لبنان. ولا يظنن احد ان ادارة المصارف افضل من ادارة القطاع العام. انني اعتقد ان القوة الاقتصادية في لبنان هي القوة المالية وارباب المال هم انفسهم ارباب السياسة، وهذا يعني اننا سنشهد نفس الاسلوب في ادارة الامور ان لم يكن اسوأ.
ـ كيف تقرأ بند الواردات الضريبية؟
*بالنسبة لزيادة الضريبة على فوائد الودائع من 5 الى7% كان يفترض ان تعفى منها الودائع التي تقل عن 100 مليون ليرة لضمان عدم تضرر اصحاب الإيداعات الصغيرة، اما الضريبة على تسجيل العقارات فتفتح السؤال عن اعفاء سوليدير من الضرائب.
ـ هل من مقاربة ايجابية تضمنتها الموازنة تجاه معالجة ازمة الدين العام؟
*هذه الموازنة تزيد الدين العام لانها كما ذكرنا تقترض اكثر مما تحتاج، كما اننا نسمع اليوم معزوفة انخفاض نسبة الدين العام الى الناتج المحلي، وهذا يتضمن مغالطات كبيرة لان الناتج المحلي هو انتاج المقيمين، واستنادا الى الارقام الرسمية التي تنشرها رئاسة مجلس الوزراء تم ادخال تحويلات المغتربين الى الناتج المحلي ما يؤدي الى زيادة الناتج المتاح وليس الناتج المحلي، اما اذا حسمنا التحويلات فسنعود الى نسبة هي من بين النسب الاعلى في العالم اي 211%.
ـ كلمة اخيرة معالي الوزير الياس سابا؟
*ان هذه الموازنة اقل من عادية لمرحلة اكثر من استثنائية. وزير المالية ليس محاسبا، بل يجب ان يتمتع بأعلى حس سياسي ممكن. واكثر من ذلك ما دام أن البلد حظي برعاية عربية للتوافق في الدوحة واخذ قرار ضبضبة ولملمة الوضع السياسي فيه، فلماذا لا تشمل المصالحة كافة الاصعدة، وتحديدا الوضع المالي والاقتصادي. ولماذا لا يرعى رئيس الجمهورية المصالحة المالية كما يرعى المصالحات السياسية؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018