ارشيف من : 2005-2008

أزمة حزب العمال تسرق الأضواء في اسطنبول!

أزمة حزب العمال تسرق الأضواء في اسطنبول!

بغداد ـ عادل الجبوري 

برغم ان مؤتمر اسطنبول الذي انعقد يوم الجمعة الماضي (2/11/2007)، كان مقررا عقده في ذلك الوقت قبل اندلاع ازمة حزب العمال الكردستاني التركي، وهو مفترض ان يكون مكرسا لبحث جملة قضايا تعنى بالشأن العراقي، ويمثل استكمالا لما تم بحثه في مؤتمرات اخرى سابقة عقدت في مصر والعراق ودول اخرى، الا ان ازمة حزب العمال ألقت بظلالها على اجواء ومناخات المؤتمر حتى بدا وكأن المؤتمر مخصص لبحث تلك الازمة دون سواها.
ولكن مع ذلك لم يبتعد المؤتمر بمختلف المستويات التي عقدت فيها اجتماعاته عن الموضوع العراقي، باعتبار ان ازمة حزب العمال(PKK) متداخلة الى حد كبير مع جانب من الوضع العراقي، وان حسمها امر يهم العراقيين بنفس الدرجة التي يهم الاتراك.
الموضوعات التي طرحت على بساط البحث والنقاش الى جانب قضية ـ او ازمة ـ حزب العمال، هي قضية اللاجئين العراقيين، ومساعدة العراق في التصدي للإرهاب، واتخاذ اجراءات عملية حازمة من قبل دول الجوار والاطراف المعنية بالشأن العراقي، ودعم العراق في الجانب الاقتصادي ومساعدته على تخطي المشكلات والازمات الاقتصادية التي يعاني منها. وقد تضمن البيان الختامي للمؤتمر الذي جاء في ثلاث وعشرين فقرة، اشارات واضحة الى تلك القضايا وغيرها، وعكس وجود قدر كبير من التوافقات عليها من قبل الاطراف المشاركة في المؤتمر، وحرص على تبني مواقف سياسية متوازنة.
في ذات الوقت فإن ما لفت الانتباه هو ان البيان الختامي للمؤتمر لم يتضمن اية اشارة صريحة لأزمة حزب العمال الكردستاني، وربما هذا ما سعى اليه الوفد العراقي برئاسة رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي، ودول اخرى مشاركة، حتى لا يبدو وكأن المؤتمر انحرف وابتعد عن موضوعه الرئيسي.
ولعل الفقرات (18-19-20) من البيان يمكن ان تفهم انها تعبير عن موقف ضمني عام حيال الأزمة، حيث أنها أجمعت على ادانة كل اعمال الارهاب بكل اشكالها في العراق ووقف كل هذة الاعمال ومساعدة حكومة العراق لمضاعفة الجهود لمحاربة الإرهاب، ومن ضمنها الجهود لمنع استخدام الاراضي العراقية قاعدة للارهاب ضد الدول المجاورة، وملاحظة الترتيبات الثنائية بين العراق والدول المجاورة الخاصة  بالحرب ضد الارهاب.
وكان لإقرار مقترح العراق بتشكيل سكرتارية دائمة لمؤتمر دول الجوار العراقي تحت اشراف منظمة الامم المتحدة يكون مقرها العاصمة العراقية بغداد، اهمية كبيرة في اعطاء العراق محورية اساسية في هذا المؤتمر من حيث التوجيه والتنسيق ووضع جداول الاعمال وتحديد الاولويات، الى جانب تفعيل اكبر لدور المنظمة الدولية ارتباطا بقرار مجلس الامن الدولي الرقم 1771 الذي ركز على توسيع مهام المنظمة في العراق من حيث المساعدة والاستشارة والاشراف والتوجيه في قضايا الانتخابات واللاجئين وتعزيز المشاركة السياسية ودفع العملية السياسية الى الامام.
الى جانب ذلك فإن حضور العراق ومشاركته على المستويات متمثلا برئيس الوزراء السيد نوري المالكي ساهم في عرض رؤى وتصورات ووجهات نظر بغداد بطريقة مفصلة وصريحة وواضحة اخذت بنظر الاعتبار مصلحة العراق ومصلحة تركيا على حد سواء، وكذلك طبيعة الواقع السياسي المعقد والحساس الذي يتطلب تجنب الانزلاق الى انتهاج حلول ومعالجات قد تفضي الى آثار ونتائج سلبية غير محمودة العواقب.
ولعل الشيء المهم والمشجع في مؤتمر اسطنبول هو انه ارتكز وانطلق من النتائج الايجابية التي خرجت بها المؤتمرات السابقة، وخصوصا مؤتمر بغداد، وجانب من تلك النتائج الايجابية قد انعكس على ارض الواقع، فالانفراج في الاوضاع الامنية في العراق والتحولات في مواقف بعض القوى السياسية من العملية السياسية ساهمت به جملة عوامل منها حصول تبدل وتغير في تعاطي اطراف عربية وغير عربية مع الواقع العراقي، من هنا كانت ردود الافعال والمواقف في عموم الساحة العراقية ايجابية ومرحبة، وعكست ارتياحا لأداء الوفد العراقي.
 وبعيدا عن ازمة حزب العمال الكردستاني يمكن القول ان مؤتمر اسطنبول حافظ على زخم ومسار البحث والنقاش الاقليمي والدولي المثمر والبناء حول العراق.
وقريبا من ازمة الـ(PKK)، فإن جلوس الاطراف المعنية، ممثلة بأعلى المستويات، رئيس الوزراء التركي رجب طيب اوردغان، ورئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، واطراف دولية واقليمية اخرى، مثلت اكثر من خمس عشرة دولة، هذا الى جانب مباحثات مفصلة على مستويات ادنى، ربما تكون قد ساهمت الى حد كبير في تفكيك عناصر وأسباب المشكلة، وطرح خيارات الحل والمعالجة الممكنة بأقل قدر من الخسائر والاستحقاقات والتبعات، او بأدنى تقدير تعليق خيار اللجوء الى القوة العسكرية الى ما بعد استنفاد كل الوسائل والسبل الاخرى.
واذا كان المؤتمر قد نجح في تهدئة الاجواء والمناخات وتخفيف حدة الاحتقان فهذا لا يعني ان المعنيين بالازمة افلحوا في طي صفحاتها، فهذا الامر يبدو غير ممكن بيسر وسهولة، ولا سيما ان انقرة تريد قبل الإقدام على أي عمل عسكري في شمال العراق الحصول على الضوء الاخضر من واشنطن، إذ ان حقيقة الازمة وتوقيتها تتعدى قضية حزب العمال الكردستاني التركي الى قضايا اخرى اكثر حساسية وخطورة.. وهذا ما يتحدث به الساسة العراقيون في داخل الكواليس والاروقة السياسية في بغداد وأربيل بعيدا عن ضجيج وصخب وسائل الاعلام، وهو ما يتخوف منه البعض، وما يرتاح له البعض الاخر مع حرص على عدم اظهار ذلك الارتياح!.
الانتقاد/ العدد1240 ـ 9 تشرين الثاني/نوفمبر2007

2007-11-09