ارشيف من : 2005-2008
أين الأولوية؟
وهذا الجواب بليغ إلى أبعد الحدود، بمعنى أن المواطن يضع المصير الوطني على رأس سلّم أولوياته مع أنه يشقى ويُعاني الأمرّين من الوضع الاقتصادي المعيشي المتدهوِر في ما يتبدّى من شلل في حركة الإنتاج وتفاقُم البطالة وتعاظُم مدّ الهجرة إلى الخارج واشتِداد حال التضخّم التي تنعكس غلاءً في أسعار السلع الحياتية ومعها الخدمات.
وإذا استذكرنا بديهياتنا الوطنية، والتي تتصدّرها حقيقة أن لبنان يكون واحداً أو لا يكون، وحقيقة أنّ الوحدة الوطنية بين الفئات اللبنانية هي ضمانة وحدة الوطن وبالتالي وجوده، لكان من الطبيعي أن نتساءل: ماذا حلّ بالوحدة الوطنية هذه الأيام. هل سقطت ضحيّة الخلافات المستحكمة حول الاستحقاق الرئاسي؟ وهل يعني ذلك أن وحدة الوطن وبالتالي وجوده باتت مهدّدة ومعها المصير الوطني لشعب بأسره؟
بِئس ما نحن فيه من حال، العصبيات هي سيّدة الموقف: العصبيّات الفئوية، المذهبية والطائفية تحتدِم في النفوس على نحو يجيز لنا القول إنّنا نعيش حالاً من الحرب الأهلية وإنما داخل الصدور، في النفوس. ونحمد الله أن الكُل بات حريصاً على حبسها في النفوس والحؤول دون تفجّرها في الشارع. والعصبيات آلت إلى نشوب أزمة عصيّة في الانقسامات الحادّة حول الاستحقاق الرئاسي. كل مرشح يجِد في نفسه اختصاراً للوطن ومصيره، فإذا لم تكن الرئاسة من نصيبه فلا كان شعب ولا كان وطن. وساسة لبنان الميامين سخّروا أنفسهم ليكونوا روّاد هذا الجُموح نحو الهاويَة. فإذا بالساحة السياسية مسرح لتحرّكات واسعة، هذا يَلتقي مع ذاك، ومسؤول يحاوِر زعيماً، ومناقشات تدور في الصرح البطريركي الماروني وفي مقرّ الرئاسة الثانية، والسجالات بين أطراف الساحة تحتدِم بأشكال متفاوِتة عبر الأثير وعبر الشاشة، ولكن ذلك كلّه من غير طائل.
مع بُزوغ الشمس صبيحة كل يوم نقترِب من نهاية المهلَة الدستورية لانتخاب رئيس للجمهورية يخلف الرئيس الحالي في نهاية عهده. والشعور السائد أنّنا نقترِب، ليس من موعد دستوري، وإنما من سُوء المصير. فالتوافُق على رئيس مُقبل لا يبدو أنّه مطلب الجِهات النافِذة على الساحة السياسية. ولم يسجّل أي تقدُّم ملموس على صعيد تحقيق التوافُق المنشود. وبات من الأسرار المكشوفة أمام كل ذي عَينٍ ترى أن قرار التوافُق على هوية الرئيس المقبل ليس في أيدي قادة لبنان الأشاوِس، بل هو في أيدي جِهات خارجية مُتصادِمة في الشرق الأوسط وليس في الأُفق ما يُبشّر بقُرب التلاقي فيما بينها حول المنطقة عموماً ولبنان خصوصاً.
ومخاوِف الناس تتعاظم إزاء ما ينتظرنا بنهاية فترة الاستحقاق الرئاسي. هناك خوف من أن يُقدم فريق على انتخاب رئيس للبلاد بمَن حضر. فلا اعتِبار لنصاب مُعيّن، فلا أكثرية الثلثين تهمّهم ولا الأكثرية المُطلقة تعنيهم. والخائف يتساءل: كيف ستكون ردّة فِعل الفريق الآخر على خطوَة من هذا النوع؟ هل ستكون بالمسارعة إلى انتخاب رئيس آخر بمن حضر؟ وكيف ستكون حال البلاد أمنياً إذا ما وقع المحظور؟
هناك مَن يقطع بأنّ المهلة الدستورية سوف تنقضي من دون انتخاب رئيس، وانّ رِهان الأكثرية معقود على الحكومة البتراء القائمة لتسلّم صلاحيات رئيس الجمهورية في نهاية العهد الحالي بحسب الدستور. ولكن الناس سمِعت رئيس البلاد، العماد إميل لحود، يقول غير مرّة إنّه لن يسلّم سلطاته بنهاية ولايته إلى حكومة هو يعتبرها غير موجودة شرعياً أو دستورياً، وإنّه سوف يتّخذ القرار المناسِب في الوقت المناسِب لتدارُك الفراغ. ماذا عساه سيفعل؟ الناس لا ترى خياراً سِوى ذاك الذي لجأ إليه الرئيس الشيخ أمين الجميل في اللحظَة الأخيرة من ولايته عام ,1988 إذ أصدر مرسوماً بإنشاء حكومة انتقالية برئاسة قائد الجيش العماد ميشال عون. أنا شخصياً رفضت هذا الإجراء، مدعوماً من فريق من الوزراء. فكانت مرحلة عصيبَة جداً عاشتها البلاد في صِراع بين سلطتين. هل ستتكرّر هذه التجربة المريرَة في مُقبِل الأيام؟ معاذ الله.
حاولت شخصياً تدارُك هذا الخطر فتوجّهت منذ بِضعة أشهر إلى رئيس الجمهورية مُقترِحاً تشكيل حكومة وحدة وطنية بإحياء الحكومة البتراء بكاملها إذا كان ذلك مُمكِناً وإضافة عدد من الوزراء الجُدد إليها بحيث تصبِح ثلاثينيّة (إذ كانت عند تشكيلها تضُم 24 وزيراً) على أن يوزّع الوزراء الجُدد بين الفريقين المتنازِعين بحيث يَغدو تكوين الحكومة بنسبة 17 للأكثرية و13 للمعارضة، كما هو الواقع في مجلس النواب حالياً.
اتّخذت بعض الخطوات في هذا الاتّجاه ولكن التحرّك لإقامة هذه الحكومة لم يكتمِل، فإذا بِنا اليوم أمام مأزَق.
حكومة الوحدة الوطنية كانت مطلوبة لأمرين: أولاً ، إيجاد مرجعيّة يلتقي في إطارها مُختلف الأطراف حول طاولة مجلس الوزراء فيتمّ الاتّفاق فيما بينهم على هويّة الرئيس المنشود. ثانياً، في حال تعذُّر التوافق على رئيس مُقبل تتسلّم حكومة الوحدة الوطنية مهام رئاسة الجمهورية بنهاية الولاية الحالية ريثما يتمّ التوافق على هوية الرئيس العتيد فينتخب بحسب الأصول في مجلس النواب. وهذا لقطع الطريق أمام قِيام حكومتين متنافستين سيؤدّي وجودهما إلى مزيدٍ من الانهيار في الوضع الأمني والمعيشي.
هذه المخاوِف والمخاطِر والاحتمالات الرهيبَة، ألا يدركها القيّمون على المصير الوطني من ساسة لبنان الميامين؟ إن لم يكونوا واعين الحقيقة فالمصيبة عظيمة، وإذا كانوا واعين الحقيقة ولا يُقدِمون على خطوَة تدرَأ عن البلد الخطر الذي يهدّد المصير الوطني فالخطب أعظم.
المواطن يصرخ في وجه ساسة لبنان: لقد أَضعتُم البوصلة. لبنان في وحدته وتالياً في وجوده، هو الذي يشغل حيّز الأولِيّة في ضمير الناس من دون منازِع على الرغم من احتِدام الأزمة الاقتصادية المعيشية، والمواطن لا يقدّر لساسة لبنان إهدار المصير الوطني على مذبح تسجيل انتصارات سياسية وهميّة وتافِهة، كما لا يقدّر لهم انصِياعهم لإرادة خارجية في تقرير المصير.
ننهي بالقول: التوافُق على رئيس مُقبل مطلوب إنقاذاً لشعب ووطن. ولو تمّ التوافُق على أحد من ذَوِي السِمعة الطيبة، كائناً مَن كان، لحَظِي بتأييد شِبه إجماعي من اللبنانيين.
المصدر : صحيفة السفير اللبنانية
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018