ارشيف من :أخبار لبنانية
الهيمنة الأميركية تحت مجهر موسكو- دمشق
«إسرائيل» بدت كمن لسعه عقرب: تبرمت، احتجت، امتشقت سلاح التنميط لوصم المقاومة بالإرهاب. أخبرت العارفين في موسكو بما ملوا سماعه ، وهو أن حركة حماس إرهابية، مثلها مثل الإرهابيين الإسلاميين في الشيشان!
خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، سبق له أن زار موسكو، وأنقرة، وطهران، انطلاقاً من مقر إقامته في دمشق، لكن «إسرائيل» قرأت لقاءه بالرئيس الروسي باعتباره نقلة مديدة على طريق عودة موسكو إلى الحضور النشط في التعاطي مع ملف الصراع العربي- الصهيوني من زاوية السياسة السورية، وليس من باب العلاقات العامة التي اتسمت بها عضوية روسيا في «الرباعية».
وهذه القراءة الإسرائيلية تنطوي على توجس من تطور لاحق ولذلك هي دقيقة. والشاهد أن النقلة المديدة في الخطاب الروسي تحققت في اليوم التالي على اللقاء في دمشق، وذلك أثناء المؤتمر الصحفي المشترك للرئيسين التركي عبد الله غل والروسي ديمتري ميدفيديف يوم 12/5/2010 في أنقرة. الرئيس التركي أعاد إلى الأذهان أن حركة حماس فازت في الانتخابات الفلسطينية، ولا أحد يستطيع تجاهلها، وكرر الرئيس الروسي المعنى نفسه، مضيفاً أن قطاع غزة «يتعرض لمأساة إنسانية يجب إيجاد حلول لها» .
وفي التحليل المقارن ، فإن استخدام روسيا، من أعلى المستويات لخطاب عدم تجاهل حماس، ردّ سياسي عاصف على استراتيجية واشنطن القاضية بخنق نهج المقاومة الفلسطيني والذي يجري اختزاله بعنوان حماس. وهي الاستراتيجية التي صاغتها الوزيرة كلينتون في مؤتمر شرم الشيخ 2009 للمانحين من أجل إعادة إعمار غزة بعد العدوان الوحشي الإسرائيلي ، بقولها: «شريطة ألا يصل دولار واحد إلى يد حركة حماس».
والذي حدث أنه لم يصل دولار واحد إلى قطاع غزة المنكوب بالحصار بعد العدوان! وهذا قرينة إثبات على مدى استفحال الهيمنة الأمريكية علي إدارة المسألة الفلسطينية من جانب واحد، ومن وراء ظهر « المانحين» والأمم المتحدة، والرباعية!
هنا مكمن المتغير الدراماتيكي في لقاء الرئيس ميدفيديف بالسيد خالد مشعل . فاللقاء يؤسس لبيئة سياسية جديدة في التعاطي الدولي مع الشأن الفلسطيني، يكسر احتكار أمريكا ووكالاتها لهذا التعاطي.
وبطبيعة التداعيات في هذا المتغير، فإن تأثيره المباشر سيتخطى التجاذبات في شأن الأسباب المسكوت عنها في إعاقة المصالحة الوطنية الفلسطينية على أساس خيار مقاومة الاحتلال بكل الوسائل، إلى ولوج فسحة من الإجراءات تعيد قدراً من التوازن إلى العمل الوطني الفلسطيني المختل سياسياً في اتجاه تغليب خيار التفاوض دون بديل .
وفي المدى المنظور، فإن الإضافة السياسية في الخطاب الروسي المتمثلة بوجوب عدم تجاهل حماس، تعني أن موسكو ستلحظ مطرحاً لفصائل المقاومة الفلسطينية في المؤتمر الذي تبذل الدبلوماسية الروسية منذ 2007 ، جهداً لعقده، وإن على غرار أنابوليس، لمقاربة الصراع في الشرق الأوسط.
ومن المفترض أن تحاول موسكو النجاح فيما أخفقت فيه واشنطن، وهذا من شأنه أن يضفي حيوية على الخطاب السوري الراعي إلى اعتماد تعريف صارم للإرهاب، للتفريق بينه وبين مقاومة الاحتلال ، الموجب بذاته للمقاومة طبقاً لنصوص الشرعية الدولية وروحها.
فلقد أدى حؤول أمريكا دون اعتماد تعريف للإرهاب إلى اختلاطات سياسية ومفاهمية ألحقت أضراراً جسيمة بالعمل الوطني الفلسطيني ، وبالجهود الدولية المخلصة للسلام.
1- على الصعيد الفلسطيني : شاعت الشرذمة محل الوحدة في مواجهة الاحتلال. ووجد الفريق الذي مضى إلى اتفاق أوسلو مخرجاً سياسياً من اختلال ميزان القوى مع «إسرائيل» بتوقيع اتفاقيات مع فريق إسرائيلي، جرى توصيفه بأنه «شريك سلام»، وعلى نحو نعية اسحق رابين من قبل مهندسي أوسلو، وعلى النحو الأفدح الذي واكب توقيع «وثيقة جنيف» 2003، وثيقة التفريط الفلسطيني بحق العودة، في تجميل القبح العنصري للشريك الإسرائيلي في الوثيقة، بزعم أنه «يساري»!
وقد دخلت «إسرائيل» على خط شرذمة القوى الفلسطينية بإلقاء تبعات العنصرية الأصيلة وحدها في تكوين «مجتمع» المستجلبين اليهود للاستعمار، على ما يسمى «اليمين» الإسرائيلي. وهذا خطاب جرى احتضانه لدى مثقفي فريق أوسلو بإلقاء مسؤولية المقاومة الفلسطينية، «الإرهابية» كما باتت تسمى على الإسلاميين الفلسطينيين، في تماه صريح مع خطاب واشنطن الخاص بالحرب على الإرهاب الإسلامي، وفي تماه أشد مع خطاب إسرائيلي متأبلس يوازن بين المتدينين الصهاينة وبين الإسلاميين الفلسطينيين !!
وقد حصدت «إسرائيل» من هذا التلفيق تنميطاً لمقاومي الاحتلال يشوه صورتهم في العالم الواسع، وفي عيون بعض العرب الذين راحوا يأخذون على قادة المقاومة زيارة قادة إيران الإسلامية!
2- على الصعيد الدولي: تلاشت جهود الرجال الشجعان والمبادرات الدولية المخلصة من أجل صنع سلام في الشرق الأوسط، بقوة الانفراد الأمريكي بالعملية السياسية التي انطلقت بثبات في مؤتمر مدريد 1991، لاسيما بعد تفكيك الاتحاد السوفييتي ، والاستقالة التلقائية لموسكو من دور راعي عملية السلام .
وفي هذا المناخ، وبغياب تعريف للإرهاب، حلت تشريعات الكونغرس الأمريكي، والكنيست الإسرائيلي، محل القانون الدولي! وصار الاستفتاء في صفوف الصهاينة سيفاً يتهدد أي نتيجة إيجابية للمفاوضات مع سورية في شأن الانسحاب التام من الجولان المحتل، وبديلاً لمرجعية مدريد التي ذهبت سورية إلى مؤتمرها على أساس الأرض مقابل السلام.
البيان المشترك السوري- الروسي، دمشق 11/5/2010 أعاد الاعتبار لمرجعية مدريد ولقاء ميدفيديف - مشعل استحضر شرعية المقاومة .
وهذا تطور هام في المشهد الراهن، تستطيع أوروبا أن تبني عليه دون وجل من تهمة التعاون مع «الإرهاب الإسلامي»، العنوان الذي تختاره الهيمنة الأمريكية لمحاصرة نهج المقاومة الفلسطيني، ودول محور الشر، أي سورية وإيران، الذي لن تلبث «إسرائيل» عن ضم قطر وتركيا وفنزويلا وجنوب إفريقيا وماليزيا إليه. والقائمة مرشحة لأن تطول بعد العودة الروسية إلى مشهد المنطقة من بوابة دمشق .
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018