ارشيف من :أخبار لبنانية

النووي الإسرائيلي ... تساؤلات مشروعة تنتظر الأجوبة..!

النووي الإسرائيلي ... تساؤلات مشروعة تنتظر الأجوبة..!
"الثورة" - محمد خير الجمالي

بعد أكثر من نصف قرن على سياسة الغموض المتعمدة التي انتهجتها إسرائيل حيال برنامجها النووي ارتكزت على عنصري الإيحاء وعدم التصريح الرسمي تفادياً لرد الفعل الدولي عندما يتبين باعتراف صريح منها أنها كيان نووي,وبعد فضح طبيعته العسكرية بشهادات موثقة من الخبير النووي الإسرائيلي فعنونو، وتقارير أميركية ودولية وكشف من مسؤولين إقليميين ودوليين, قررت الوكالة الدولية للطاقة الذرية مناقشة الملف النووي الإسرائيلي في اجتماعها المقبل بتاريخ السابع من حزيران القادم.‏


ولأن الوكالة الدولية مثلها مثل سائر المنظمات الدولية, تواجه سياسة احتواء من القوى الكبرى وخصوصاً أميركا ودول الغرب, لم تتخذ هذا القرار بمبادرة خاصة منها إلا بعد جهود وضغوط متواصلة لسنين عدة مارستها دول عربية وإسلامية وفي مقدمتها سورية ومصر وتركيا وإيران, وكانت آخر هذه الجهود تقدم سورية ومصر بورقتي عمل أمام مؤتمر مراجعة حظر الانتشار النووي في نيويورك تتقاطعان عند نقاط عدة، أهمها مطالبة إسرائيل بالانضمام لمعاهدة الحظر النووي وإخضاع منشآتها النووية للتفتيش الدولي, وتطبيق القرار الخاص للمؤتمر السابق بشأن إخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية بما في ذلك انضمام إسرائيل إلى المعاهدة المذكورة, وتطبيق أحكام المادة الرابعة من معاهدة عدم الانتشار التي تعطي جميع الدول الأطراف حقاً ثابتاً وغير قابل للتصرف في الحصول على التكنولوجيا النووية لاستخدامها في الأغراض السلمية.‏


وفي إطار الجهود نفسها, كان التحرك التركي الداعي إلى المطالبة بتوقيع إسرائيل على اتفاقية الحد من الأسلحة النووية وقد أعلن عنه رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان أكثر من مرة كان آخرها عشية انعقاد مؤتمر مراجعة حظر الانتشار في نيويورك قبل أيام, وكان أيضاً خطاب الرئيس الإيراني أحمدي نجاد الذي كشف فيه تهديد إسرائيل الدائم لبلدان الشرق الأوسط عبر امتلاكها ترسانة نووية, ودعا كافة الدول المالكة للسلاح النووي إلى نزعه والتخلي عنه لأنه يشكل خطراً عليها وعلى العالم.‏


والملاحظ على هذه الجهود أنها اقتصرت على الدول العربية والإسلامية ولم تشمل دولاَ أخرى في أوروبا وسواها, بل إن ما يسجل على الغرب وأميركا في هذا السياق هو أنهما يلوذان بالصمت ولا يحركان ساكناً إزاء أي كلمة تقال عن مخاطر النووي الإسرائيلي, حتى ليظن بأنهما راضيان عن وضع إسرائيل وسلاحها النووي، بدليل أن وزير الحرب الإسرائيلي ايهود باراك قال مؤخراً وبكل استفزاز وتحدٍ ((إن إسرائيل لن تنضم إلى معاهدة الحظر النووي)) ورغم هذا لم يصدر تعليق واحد من أميركا والغرب على هذا التحدي في وقت لا يدخران فيه جهداً لتصوير طموحات إيران النووية وهي طموحات سلمية ولا دليل يثبت خلاف ذلك, بأنها خطر على العالم كما يحلو لوزيرة الخارجية هيلاري كلينتون قوله, الأمر الذي يكشف عن مفارقة غريبة من نوعها بين هذا الصمت المريب عن النووي الإسرائيلي وهو نووي عسكري صرف وبين الضجة المفتعلة حول الملف الإيراني وهو ملف سلمي بحت.‏


والأشد غرابة في هذا الموقف أن الرئيس أوباما يبدي الكثير من الاهتمام لإخلاء العالم من الأسلحة النووية, لكنه لا يشير بكلمة واحدة إلى أن اهتمامه يشمل إسرائيل أو يعنيها, بل إن حكومة نتنياهو قالت إنها حصلت من أوباما على وعد بعدم إثارة موضوعها النووي, وأكدت في مناسبة أخرى بأن سياسة الإدارة الأميركية حيال ملفها النووي تتطابق مع سياستها الغامضة.‏


وعلى هذا ثمة أسئلة كثيرة مشروعة نضعها بين يدي الوكالة وتنتظر أجوبة واضحة أهمها: هل تنجح المناقشة المنتظرة للوكالة الدولية للطاقة الذرية للملف النووي الإسرائيلي في كشف مخاطره المحدقة بأمن المنطقة والأمن الدولي؟ وهل تنجح المناقشة في وضع حد لسياسة الغموض الإسرائيلية والأميركية والغربية؟ فنرى أميركا والغرب يخرجان عن صمتهما فيكشفان عما يمتلكانه من أسرار هذا الملف ويعترفان بمخاطره على العالم والمنطقة, ونرى إسرائيل تجبر على الاعتراف بما تخزنه من أسلحة نووية وتفتح منشآتها أمام الرقابة الدولية ولا تجد بداً من الانضمام إلى عضوية الوكالة ومعاهدة الحظر ونزع الثلاثمئة رأس نووي التي تمتلكها وتهدد بها العرب والعالم, إذا أرادت تفادي العزلة الدولية في حال أصرت على مواقفها وسياستها الراهنة..؟‏


ما يستدعي هذه الأسئلة وغيرها الكثير هو أن امتلاك إسرائيل للأسلحة النووية يعني أمرين اثنين: الأول أنها مصدر خطر كبير يهدد الاستقرار الإقليمي وتالياً الأمن الدولي, والثاني أن بقاءها على هذا الوضع من شأنه أن يدفع المنطقة باتجاه سباق تسلح نووي, لأن الدول العربية والإسلامية لا تقبل بأن تظل تحت تهديده وستسعى بكل الوسائل إلى تغيير هذا الوضع, إما بنزع هذه الأسلحة وهذه مسؤولية المجتمع الدولي وعلى رأسه الغرب بوصفه مصدر تطوير الترسانة الإسرائيلية, وإما بالسعي لامتلاك أسلحة مماثلة توازن التهديد الإسرائيلي في حال فشل المجتمع الدولي في إنجاز الخيار الأول.‏


إن الدول العربية والإسلامية إذ تتحرك باتجاه جعل الوكالة الدولية للطاقة الذرية تتحمل مسؤوليتها في مناقشة الملف النووي الإسرائيلي ومعالجته, فلكي تنبه العالم إلى المخاطر الكبرى لهذا الملف وترفع تهديده الدائم عنها, وتحقق هدف إخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية كخطوة نحو عالم بلا أسلحة نووية.‏


بعد أكثر من خمسة عقود على التسلح الإسرائيلي النووي وإحاطته بسياسة غموض هدفها إرهاب دول المنطقة, وبصمت غربي ينم عن رضا الغرب على ما يمثله من تهديد لأمن العرب والمنطقة, حان الوقت لتداول الملف النووي الإسرائيلي وكشف أسراره غير المعلنة ووضع حد للغموض الذي أحاطته إسرائيل به والعمل على إزالة الأسلحة التي انتجها لوضع نهاية للخطر الذي يشكله على الشرق الأوسط الذي يعد أهم مناطق العالم حساسية واحتكاكاً وتقاطعاً للمصالح الاستراتيجية العالمية.‏

ووحدها المناقشة البعيدة عن التأثر بالضغوط الإسرائيلية والأميركية والغربية, والمستندة إلى المسؤولية الدولية في صون الأمن العالمي, تستطيع تبصير العالم بالمخاطر الكبرى لهذا الملف واتخاذ ما يلزم لمواجهة ما ينطوي عليه من تحد وإعطاء الأجوبة على كل الأسئلة التي يطرحها.‏

2010-05-18