ارشيف من :أخبار لبنانية

الانتخابات البلدية في صيدا: الأحد ليس مضمونا لأحد...

الانتخابات البلدية في صيدا: الأحد ليس مضمونا لأحد...

هيلدا المعدراني

بخلاف ما ينبىء به تزاحم صور المرشحين على جدران مدينة صيدا وأزقتها وساحاتها، تخفي هذه المدينة أمام زائرها للوهلة الأولى كل ما يدلل على انغماساتها الانتخابية. المراقب هناك لحركة ناسها واهتماماتهم يشعر بأن مسافة زمنية طويلة تتعدى بكثير الأيام القليلة التي تفصلهم عن الأحد المقبل موعد توجههم إلى صناديق الاقتراع، لذا غابت عن شوارع المدينة المظاهر الانتخابية المعروفة من مواكب وتجمعات وغيرها من وسائل تعبئة الناخبين.

هذه اللامبالاة الظاهرية، لا تعني إطلاقا قلة اهتمام الصيداويين باستحقاق ينعقد عليه من سيمسك بقرار مدينتهم الإنمائي والتنظيمي والإداري، كما أنها ليست تقية انتخابية يستخدمها الأهالي للمناورة أو لغايات أخرى، فقد يكون المراد من هذه اللامبالاة هو منع تدفق المنافسة الانتخابية وما ينجم عنها من سجالات ومشاحنات إلى الشوارع والأسواق وأماكن التجمعات العامة، ودرءا لأية ذيول قد تهدد التواصل الأهلي.

شيء من هذا الحذر يتداوله الناس هناك، ويردون السبب إلى ما أعربت عنه النائبة بهية الحريري من مخاوف من حصول إشكالات يوم الانتخاب، ومطالبتها الجيش والقوى الأمنية بتشديد الإجراءات الأمنية، كما ينعكس هذا الحذر في امتناع بعض الصيداويين ممن حاولت "الانتقاد نت" استطلاع آرائهم عن التعبير عن مواقفهم حيال الانتخابات البلدية والاختيارية.

لكن بالمقابل، كان حديث البعض الآخر على المكشوف، وكانت التوقعات متباينة تبعا لأهواء صاحبها، واللافت أن صيدا من خلال مواقف أهلها ليست طبقا لما يشيعه الإعلام، فهي ليست في جيب أحد "مهما علا كعبه"، وعلى الجميع انتظار كلمتها التي ستودعها صناديق الاقتراع الأحد المقبل.

فادي (صاحب مقهى) لا يرى أن نتائج الانتخابات النيابية ستنسحب على الانتخابات البلدية، ويتوقع تحولا على صعيد القواعد الناخبة لنائبي صيدا الحاليين (بهية الحريري وفؤاد السنيورة)، ويؤكد أن الكثيرين من الصيداويين سيحاسبون نوابهم على الوعود التي أطلقوها العام الماضي ولم ينفذوا منها شيئا، ويسأل "اين الوظائف .. وأين الخدمات"، ثم يشير إلى أحد الجالسين في المقهي "هذا الشاب كان موعودا بوظيفة، اسأليه من سينتخب، لن يصدق وعودا جديدة ، وسيقترع لمصلحة خط معروف سعد".

محمد (صاحب محل عصير) مؤيد لللائحة المدعومة من تيار المستقبل، ينزع الصفة السياسية عن رئيس هذه اللائحة محمد السعودي، ويقول "الحريري كان على مستوى لبنان كله، والسعودي على مستوى صيدا"، اما عن سبب تأييد له فيقول "السعودي رجل شبعان لا يسرق الأموال، ولديه مشاريع كثيرة وفرص عمل للشباب الصيداوي"، ولدى السؤال عن نيته إنشاء سوليدير في صيدا، أجاب محمد "لا مانع ما دامت تشغل الصيداويين".

يحمل أنصار اللائحة المدعومة من النائب السابق أسامة سعد، مسؤولية فشل التوافق إلى محمد السعودي ومن خلفه فؤاد السنيورة وبهية الحريري، وإذ لا يستبعد أحد الإعلاميين في الماكينة الانتخابية للائحة المدعومة من سعد من أن يكون تقديم السعودي كرئيس توافقي مكيدة دبرها السنيورة وليتلاعب به (لقلة خبرة الأخير بالألعاب السياسية) وزرع الفرقة بينه وبين صديقه القديم أسامة سعد. ويؤكد أمين سر التيار الوطني الديمقراطي الدكتور عصمت القواص "أن السعودي لم يلتزم بالمعايير الموضوعة والمتفق عليها للتوافق، فالشرط السياسي كان أن يسمي مرشحي لائحة التوافق من المستقلين، وإذ بها تشتمل على أسماء حزبية موالية علنا ودون لبس لآل الحريري، ولها مواقعها في تيار المستقبل، والشرط الآخر أن تراعي في التمثيل مختلف الشرائح التي يتكون منها المجتمع الصيداوي، فإذ بالسعودي يستبعد عنها ممثلين للطبقات الفقيرة والنخب المثقفة، ويجعلها حكرا على رجال الأعمال وابناء الطبقات الفاحشة الثراء".

ويضيف القواص "بعد سقوط التوافق الأول، تراجع السعودي أيضا عن القواعد التي تأسست عليها وساطة الرئيس نبيه بري، والتي قامت على المحاصصة بين الطرفين، وكانت حصة التيار الوطني الديمقراطي تسمية 4 مرشحين، وبعد موافقته الأولية على اللائحة التي قدمناها له (3 مستقلين وواحد حزبي)، عاد وتراجع عن هذه الموافقة بحجة الفيتو الذي وضعته النائبة الحريري على كل من يوسف حنينة والزميل أحمد الغربي بحجة أن الأول حرفي والآخر مقعد نتيجة حادث".

وتابع "بعد فشل المحاولة الثانية للتوافق، تقدم الرئيس سعد الحريري من الرئيس بري باقتراح أن نرسل له 8 أسماء وهو يختار منها 4 أسماء، طبعا هنا رفضنا، ففي ظل مثل هذه الشروط لا يمكن التحدث عن توافق إنما عن عملية استعلاء واستئثار وهيمنة، خصوصا أننا نحن لم نتدخل بأسماء مرشحيهم على الرغم من وجود الكثير من الملاحظات والمآخذ عليهم".

لا شك أن أسباب عدم التوافق هذه ليست سوى واجهة تخفي ما هو أعمق من هذه التباينات، فكلا الطرفين كان يجد صعوبة في إمرار التوافق على قواعده، فقد كان ظاهرا أن حماسة المستقبل للتوافق قد فترت بشكل ظاهر بعد نسبة المشاركة الضئيلة لجمهوره في انتخابات بيروت وخسائره الجسيمة في بلديات البقاع الغربي، فكان صعبا عليه احتمال توافق مع أسامة سعد في صيدا يظهر وكأنه يتحاشى المواجهة، الأمر الذي يفاقم من تراخي عصبية جمهوره، وبالمقابل يبدو الجمهور المؤيد لخط الشهيد معروف سعد تواقا بعد الانتخابات النيابية وما شابها من عيوب ومخالفات أغمضت الأجهزة الرسمية عيونها عنها (منها الرُّشى الانتخابية وانحياز أجهزة الدولة)، لتصحيح ما لحق بمدينتهم من تزوير بتمثيلها السياسي.

يقول القواص "معركتنا الانتخابية الأحد المقبل ستكون لتظهير موقف المدينة من جملة عناوين، وهي أي إنماء وتنمية نريد، لأن نظرة الطرفين حيال هذه المسألة متباينة، والمعركة على من يملك رؤية توسع قاعدة المستفيدين من التنمية، والعنوان الثاني محاربة الاستئثار بقرار المدينة، أضف إلى هذا نحن تيار وطني ديمقراطي متجذر في مدينتنا وهم تيار مذهبي، نحن تيار مقاوم منذ ثلاثينيات القرن الماضي، شاركنا في حروب الـ48 والـ58 وقاتلنا الإسرائيلين، كما أننا تيار منحاز لمصالح الطبقات الفقيرة من صيادين وحرفيين وعمال وكادحين، بينما هم في موقع مضاد ومختلف وتعرفه الناس".

التنافر الحاد في العناوين التي تتحرك تحت ظلها انتخابات الأحد المقبل في صيدا، يشترط ليس تنبه ويقظة القوى الأمنية المولجة بحماية هذا الاستحقاق وحسب، وإنما أيضا الحفاظ على سلامة العملية الانتخابية ونظافتها من أية شوائب وعيوب تطعن بصحة نتائجها، لأن التهاون من جانب السلطات الرسمية حيال هذه القضية قد يترك تداعيات غير محسوبة، وخصوصا أن هناك من يعدد مآخذ كثيرة على أداء الدولة في الانتخابات النيابية الأخيرة.

وفي هذا المجال يحذر القواص:"(...) هذه المرة لن نسكت على الراشي والمرتشي، لن نقبل بانحياز السلطة والسكوت"، وكشف أن النائب السابق أسامة سعد قد تحدث إلى وزير الداخلية زياد بارود ناقلا إليه شكوى من تجاوزات تيار المستقبل لجهة شرائه أصوات الناخبين المغتربين بشراء تذاكر السفر ومصاريف الإقامة في لبنان، واستهجن رد بارود بمطالبته تقديم دلائل على هذه التجاوزات التي لا تحتاج إلى أدلة إنما إلى تنشيط الأجهزة التابعة لوزارته للتحقق منها. قبل أن تغادر صيدا، تغادر زائرها الصورة التي كان يحملها عن معركتها الانتخابية المقبلة، فما كان يعتقده محسوما، ليس هناك ما يؤكده على الأرض، وإذا كان التحريض المذهبي الناخب الأول في انتخابات 2009 النيابية، فليس مبالغة القول ان المحاسبة هذه المرة حلت محله، وفي تلك الانتخابات كان التجييش سهلا باتهام سوريا أو تخويف الناس من حلفائها، لكن مياها كثيرة جرت منذ ذلك الوقت، قد تحفر مجرى آخر ومختلفا للصيداويين.


2010-05-19