ارشيف من :أخبار لبنانية

إسرائيل بعد عشر سنوات: كان علينا أن (لا) ننسحب!

إسرائيل بعد عشر سنوات: كان علينا أن (لا) ننسحب!

محمد بدير - صحيفة الاخبار

الأعوام العشرة التي مرّت على انسحاب إسرائيل من لبنان لم تكن كافية على ما يبدو لإطفاء النقاش المتجدد داخلها بشأن هذه الخطوة بين معسكري المؤيدين والمعارضين. بالنسبة إلى هؤلاء، يكفي أن تطل الذكرى السنوية للحدث لتكون مناسبةً يعيدون فيها تظهير مواقفهم القديمة، متخذين من الواقع المستجد دليلاً على صحتها بمفاعيل رجعية.

المؤيدون يسلطون الضوء على الهدوء الذي ينعم به شمال إسرائيل بعد الانسحاب. والمعارضون يرون أن النقاش يجب أن يتمحور حول التداعيات السلبية التي خلّفها الانسحاب الأحادي على أكثر من صعيد استراتيجي بالنسبة إلى إسرائيل، بدءاً بتصدّع قدرتها الردعية وانتهاءً بتحوّل المقاومة في لبنان إلى تهديد متعاظم غير مسبوق.
المفارقة أن ثمة «لكن» يحرص الجانبان على إضافتها إلى مواقفهما لدى التعبير عنها: المؤيدون يؤكدون اعتراضهم على الطريقة التي جرى فيها الانسحاب ويصفونه بالفرار المهين. أما المعارضون ـــــ حتى أشدهم ـــــ فيهمّهم الإشارة إلى أن تخطيئهم لقرار الانسحاب لا يعني دعوةً للعودة إلى لبنان بأي شكل من الأشكال. ومن هذ المنطلق، يرى نائب وزير الدفاع الإسرائيلي إبان فترة الانسحاب، أفرايم سنيه، أن الانسحاب الذي كان من أبرز المعارضين له في حينه «يستحق تحليلاً معمقاً لأن الواقع في لبنان وعوامل الانسحاب ستعود لتشغلنا في المستقبل أيضاً». وفي مقالة بصحيفة هآرتس، تحت عنوان «الانسحاب الذي عزز قوة حزب الله»، يوجز سنيه الجدل الذي كان قائماً بين مؤيدي الانسحاب ومعارضيه في الأعوام الأخيرة التي سبقت حصوله. فالمؤيدون رأوا أنه سيؤدي إلى سحب ذريعة «محاربة الاحتلال الإسرائيلي» من حزب الله «وسوف يقود ذلك الى وقف نشاطه العسكري، ويحوله إلى منظمة سياسية». وفي الجهة المقابلة، «قال المعارضون إن الانسحاب الأحادي الجانب سيوجِد فراغاً في لبنان. وفي ظل عدم وجود اتفاق، فإن من سيحل مكان الجيش الإسرائيلي وجيش لبنان الجنوبي هو حزب الله الذي سينتشر على سياج المستوطنات الشمالية، وسيحظى بموقع هجومي مريح في اعتداءاته الجديدة. وستواصل إيران تفعيل حزب الله من الخط الذي انسحبنا إليه». ويرى سنيه، الذي يعمل حالياً رئيساً لمركز الحوار الاستراتيجي بكلّية نتانيا، أن «حرب لبنان الثانية حسمت الجدل بعد تأخير دام ستة أعوام». ويوضح ما يعنيه بالقول إن الهدوء المؤقت الذي عاشته الجبهة مع لبنان كان الثمن الذي تقاضته إسرائيل مقابل «خلق الظروف المريحة لحزب الله من أجل شن الحرب، وهي حرب كان عدد قتلانا فيها أكبر بستة أضعاف من متوسط عدد الضحايا التي كانت تسقط سنوياً في السنوات الأخيرة للقتال في لبنان». ويضيف «إن للانسحاب الأحادي من لبنان انعكاسين آخرين: الأول هو التخلي عن جيش لبنان الجنوبي وتسليم جنوده لحياة الفقر في إسرائيل أو حياة المهانة والمعاناة في لبنان، وهو الأمر الذي يمثّل وصمة عار على جبين إسرائيل كما أنه بمثابة إنذار لمن يفكر أن يربط مصيره بمصيرنا في المستقبل. والثاني هو رسالة الضعف التي بثثناها إلى المحيط: نحن نهرب من مكان ننزف فيه».

ويكشف سنيه كيف أن القيادي الفلسطيني، ياسر عبد ربه، قال له في 30 حزيران 2000، أي بعد نحو شهر على الانسحاب، «أنتم الإسرائيليين يجب أن يتم التحدث معكم فقط باللغة اللبنانية، فهي اللغة الوحيدة التي تفهمون بها»، ولا يستبعد أن تكون الانتفاضة الثانية التي اندلعت في أيلول من العام نفسه ناشئة عن رسالة الضعف هذه، التي «شجعت الفلسطينيين على العودة إلى طريق العنف». وفي ختام عرضه لمساوئ الانسحاب، يشير سنيه إلى تنامي قوة حزب الله التي «زادت أضعافاً عدة عما كانت عليه في 2006، وبالتأكيد عما كانت عليه في أيار 2000، وإن إيران سوف تواصل تفعيل هذه القوة ضد الجبهة الداخلية الإسرائيلية».
ويحذو وزير الدفاع الإسرائيلي السابق، موشيه آرنز، حذو سنيه في إجراء جردة حساب لقرار الانسحاب من لبنان على ضوء الواقع الذي تبلور في أعقابه. وفي هذا السياق، يشير آرنز إلى أن الانسحاب ارتكز إلى فرضيتين أساسيتين «الأولى أن حزب الله سوف يحصر نشاطه في الساحة السياسية اللبنانية بعد أن يحقق هدفه المتمثل بتحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، والثانية أنه في حال استمراره بنشاطه العسكري ضد إسرئيل فسوف تكون الأخيرة حرة في الرد عليه بقوة». ويرى آرنز أن الفرضيتين كانتا خاطئتين، «فمن جهة، امتلك حزب الله بعد الانسحاب ترسانة كبيرة من الصواريخ البعيدة المدى وتحوّل من منظمة عصابات إلى قوة عسكرية مدربة جيداً، ومن جهة أخرى لم يأت الرد الإسرائيلي الشديد على عملية الأسر التي نفذها حزب الله بعد الانسحاب بخمسة أشهر». ويتجاوز آرنز الخلفيات التي بُني عليها قرار الانسحاب، مفضلاً محاكمته في ضوء «ميزان (الوضع لـ) إسرائيل» بعد عشر سنوات من حصوله. ويحصي في هذا السياق عناصر عدة، أولها «خيانة حليفنا، جيش لبنان الجنوبي... وخيانة الحلفاء أمر خطير ستكون له آثار بعيدة المدى على إسرائيل»، وثانيها «تهشم قدرة الردع الإسرائيلية» التي أفرزت صورة عن إسرائيل هي صورة «بيت العنكبوت» ودفعت الفلسطينيين إلى محاولة استنساخ تجربة حزب الله «وكانت النتيجة ثلاث سنوات من الإرهاب الدامي». والعنصر الثالث والأهم في الميزان بحسب آرنز هو «استيلاء حزب الله على لبنان كله وامتلاكه صواريخ تهدد اليوم مواطني إسرائيل جميعاً». أما عن الإصابات التي وفرها الانسحاب في صفوف الجيش الإسرائيلي، وكانت بمعدل قتيلين في الشهر، فيرى آرنز أن نتيجة هذه الحسبة ستكون سلبية «إذا أخذنا في الاعتبار العدد الإجمالي للقتلى الإسرائيليين بعد الانسحاب من الذين سقطوا في الانتفاضة وحرب لبنان الثانية».

على الجانب الآخر من حلبة النقاش، تصدى الوزير السابق وأحد أوائل وأبرز المنظّرين لفكرة الانسحاب من لبنان، يوسي بيلين، للدفاع عن صوابية القرار الذي اتخذ قبل عشر سنوات. وأقرّ بيلين في مقالة بعنوان «لبنان، الحمد لمن خلّصنا من عقابه» ببعض المآخذ التي يسجلها المعارضون، لكنه رأى أن المحصلة النهائية تميل لمصلحة جدوى الانسحاب رغم كل شيء. وكتب بيلين «من الواضح أن الانسحاب في إطار اتفاق كان أفضل، وأن أي خطوة أحادية لا يمكن أن تضمن الهدوء المطلق... وأن الحرب الزائدة عام 2006 سببت خسائر كثيرة وسط المدنيين والجنود، إلا أن الجليل بعد عشر سنوات يتنفس الصعداء ويزدهر، وكذلك هي حال عوائل الجنود». ويضيف الرئيس السابق لحزب ميريتس اليساري «يصعب أن نصدّق أن أحداً من معارضي الانسحاب مستعد اليوم للعودة إلى لبنان. فحتى لو كان صحيحاً أننا لم نهتم كما ينبغي بجنود جيش لبنان الجنوبي، وحتى إن كان من غير الممكن إنكار أن الانسحاب أضرّ بنسبة معيّنة بصورة الجيش الذي لم يعتد الانسحابات، فإن كل من يوازن الإيجابيات الهائلة مع السلبيات التي لا يمكن تجاهلها، سيبارك القرار الجريء الذي اتخذته حكومة باراك في حينه».

وإذا كان للمسؤولين الرسميين الحاليين والسابقين في إسرائيل موقفهم من الانسحاب، فإن للمعلّقين الصحافيين نصيبهم في النقاش الذي لا يقلّ تأثيراً وحضوراً في الرأي العام الإسرائيلي. وبرز بين الكتاب الصحافيين الذين تناولوا هذا الموضوع محلل الشؤون العسكرية في صحيفة «هآرتس»، عاموس هارئيل، الذي مال نحو تبرير الانسحاب، وكبير معلقي صحيفة «معاريف»، بن كسبيت، الذي بدا منحازاً في الجردة النهائية بين سلبيات الانسحاب وإيجابياته إلى إبراز السلبيات. ورأى هارئيل أن «الانسحاب كان له سلبيات بالطبع. لكن كان لا بد لاحتلال جنوب لبنان أن ينتهي. فمع صفر مشروعية دولية، ومن دون هدف سياسي ومن دون خطة سياسية طويلة المدى، ووسط الحد الأدنى من المحاولات لفهم عقول وقلوب سكان جنوب لبنان، كانت هذه حرباً لا يمكن الانتصار فيها، وكان من الأفضل إنهاؤها». ويضيف «لقد أدرك إيهود باراك ما كان يدركه آنذاك الإسرائيلي العادي بأن استمرار الاحتفاظ بالحزام الأمني لا طائل منه ولا جدوى. إن إسرائيل علقت في جنوب لبنان بفعل قوة القصور الذاتي إلى أن قطع باراك هذه الدائرة المفرغة، بل في نظرة إلى الوراء يثور التساؤل لماذا لم يحصل ذلك قبل عشر سنوات من حصوله؟».

وعلى هذا الأساس يرى هارئيل أن الانسحاب من لبنان «لا يزال يُنظر إليه كخطوة محقّة، رغم الحرب عام 2006 ورغم ما يقال بأن الطريقة الفزعة التي حصل بها كشف المجتمع الإسرائيلي أمام ضعفه». ويعرّج هارئيل على المقولات التي تمجد طريقة الانسحاب وتصفه بصورة دراماتيكية وبطولية، وذلك لأنه «حصل خلال ليلتين ولم يتعرض أي جندي خلاله لجرح». ويعلق على ذلك بالإشارة إلى أنه «ليس واضحاً أصلاً إن كان حزب الله قد أراد حقاً أن يتعقب الجنود المنسحبين، أو أنه رغب في الاكتفاء باحتفالات السطو على موقع الشقيف لاحقاً».

من جهته، رأى بن كسبيت أن المدرسة التي رأت قبل الإنسحاب أن حزب الله لن يلقي سلاحه بعد خروج إسرائيل وسيواصل مطاردتها، والتي كانت «قلة ضئيلة طوردت قبل الانسحاب، تبيّن أنها كانت على حق». ويشرح ذلك بالقول «لقد أحرزت إيران لنفسها موقعاً ثميناً على حدودنا الشمالية ولن تتخلى عن هذا الموقع بسهولة. وبين عامي 2000 إلى 2006 جال على السياج الحدودي جنرالات إيرانيون من الحرس الثوري مع نواظير. لم يعودوا هناك الآن، لكن حزب الله أصبح أقرب من أي وقت مضى الى السيطرة المطلقة على لبنان».

ويتابع بن كسبيت جردة الحساب، فيتساءل «ماذا حدث لنا في العقد الأخير؟ من جهة إحصائية، نحن نوفر 25 جندياً كل سنة (عدد القتلى في لبنان). ومن جهة ثانية، دفعنا عن ذلك قتلى حرب لبنان الثانية، وثمة من يقول إننا دفعنا قتلى الانتفاضة. وحدث اختطافان قاتلان أيضاً (خمسة قتلى) على السياج. تحول حزب الله من حركة هامشية الى منظمة عظيمة القوة تملي السياسة اللبنانية، ونصر الله أصبح الرجل الأقوى في لبنان، فيما صار محور الشر يسيطر على المنطقة». وانسجاماً مع عنوان مقالته «بكاء لأجيال»، يرسم بن كسبيت صورة افتراضية لما كان يمكن أن تكون الأمور عليه لو أن إسرائيل تمكنت من عقد تسوية مع سوريا ولبنان. ففي هذه الحالة «لكنا وفّرنا على أنفسنا الواقع الصعب الموجود اليوم، حيث توجد فرقة إيرانية على الحدود وعشرات آلاف الصواريخ الموجهة الى قلب تل أبيب، ويسيطر على لبنان اليوم ذراعان قويتان لسوريا وإيران». ويتابع: لو أدركت إسرائيل أهمية التسوية مع سوريا، لما وجد هذا النظام كله، ولكان خيار بنائه من جديد وتوزيع أوراق اللعب من جديد، ونقض محور الشر وإكمال دائرة السلام حول إسرائيل خياراً ممكناً. لكن كل هذا لم يحدث. حدثت أمور أخرى سيئة مظلمة جداً، وهي في الحصيلة العامة ضئيلة قياساً بما قد يقع بعد ذلك».


2010-05-22