ارشيف من :أخبار لبنانية
مصادفات انتخابية
ساطع نور الدين ـ السفير
لولا بعض الحذر لأمكن اتهام أميركا، وبالتحديد مستشار الرئيس الاميركي باراك أوباما لشؤون مكافحة الارهاب جون برينان، بالتدخل الفظ في الانتخابات البلدية في دورتها الثالثة المقررة في الجنوب غدا الاحد، عندما تحدث عن أهمية حزب الله وعن احتوائه على عناصر معتدلة يمكن الرهان عليها، من أجل توسيع اندماجه في الحياة السياسية اللبنانية..
لكن أحدا من خصوم حزب الله ولا من أنصاره طبعا، لم ولن يرى في تلك الاشارة الاميركية، الودية نوعا ما، باتجاه الحزب والتي صدرت قبل أيام من فتح مراكز الاقتراع في الجنوب، «تدخلا» يهدف الى التأثير على الجمهور الشيعي الذي يعبر عن تململه من طريقة إدارة الحزب للمعركة الانتخابية البلدية، في مناطق نفوذه وانتشاره، ما يمكن أن يؤدي الى بعض المفاجآت الطيبة والمحدودة عندما تعلن النتائج الرسمية يوم الاثنين المقبل.
وعلى الرغم من أن فكرة التدخل بحد ذاتها، سواء كانت من أميركا أو من أي مكان خارج الحدود ليست محرمة ولا مشينة طبعا، بل هي من التكوين الاجتماعي والسياسي اللبناني، فإن خصوم حزب الله وأنصاره أضاعوا فرصة مسلية لإثارة جدل حولها، أو على الاقل لطرح السؤال عن توقيت مثل هذه الاشارة الاميركية وعن الهدف الذي يقصده الاميركيون، وما اذا كانوا فعلا يرغبون في توسيع بنية الحزب ودوره السياسي العام، وإغراقه في اللعبة الداخلية من أجل صرفه عن المقاومة العسكرية، ام انهم فقط يسعون الى إحراج الحزب وجمهوره قبيل توجهه الى تلك المعركة الانتخابية.
من السهل التكهن في ان رد الفعل الشعبي على ذلك «التدخل» الاميركي لن يكترث بكون إدارة أوباما تراهن على اعتدال حزب الله أو تحاول اختراقه فحسب. فالمعركة الجنوبية غدا تقع في سياق مختلف تماما، لا يعتمد على قراءة كلام المستشار برينان، وهو بالمناسبة اجتهاد سياسي داخل الادارة الاميركية لا يعبر بأي حال من الاحوال عن موقفها الرسمي، بل يحاول فقط أن يستكشف آفاقا جديدة لذلك الموقف، برغم انه يحتمل القول إن واشنطن تتعاطي بجدية ما مع الانتخابات البلدية باعتبارها مقياسا دقيقا لشعبية الحزب أو دوره السياسي أو العسكري وفرص الفصل المستحيل بينهما..
إعلان الحزب امس ان أولويته هي مواجهة خطر المناورات العسكرية الاسرائيلية المقرر أن تبدأ غدا، يفرغ الانتخابات البلدية في الجنوب من مضامينها الخارجية، التي بلغت في بعض القراءات المتطرفة حد القول إن الجنوب يشهد صراعا سياسيا مصغرا عن ذلك الصراع الدائر في إيران مثلا بين محافظين يمثلون السلطة وهيبتها وأموالها وحتى أجهزتها الامنية، وإصلاحيين يعبرون عن الغالبية الشعبية وينشدون التغيير السياسي والاجتماعي الجذري والشامل الذي لا يبقي من الثورة سوى علمها!
انتهت معركة الجنوب الانتخابية التي كانت تثير الاهتمام في الخارج كما في الداخل باعتبارها فرصة لمراقبة تطور علاقة حزب الله العميقة والمعقدة مع جمهوره وبيئته، ولم يبق منها سوى كلام أميركي ليس له صدى، وتحرك إسرائيلي على الحدود الجنوبية قد لا يكون وليد الصدفة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018