ارشيف من :أخبار لبنانية

المنطقة تعيش العصر الإيراني كما عاشت سابقاً العصر الناصري

المنطقة تعيش العصر الإيراني كما عاشت سابقاً العصر الناصري

اميل خوري - صحيفة النهار

شبّه وزير سابق عاصر عهد الرئيس فؤاد شهاب وضع المنطقة اليوم بالوضع الذي كان سائداً في تلك الحقبة. فمصر عبد الناصر كانت هي الدولة المحورية في تقرير السياسة العربية حيال الدول الاخرى، في حين ان ايران باتت اليوم هي الدولة المحورية في المنطقة، ولها كلمتها في حل مشكلات كثيرة، جعلت مسؤولاً ايرانياً يربط قبل أكثر من سنة في حديث له أزمة الملف النووي بحل مشكلات منها لبنان وأسعار النفط العالمية والعراق وأفغانستان، وانه "إذا تم التوصل الى حل لأزمة هذا الملف، فإنه يتم التوصل الى حلول لكثير من المشاكل في المنطقة".

وجاء هذا الحديث غداة تسليم ايران مجموعة الدول الخمس زائدا واحدا (اميركا وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا والمانيا) وثيقة تتضمن تصورات ايران لاجراء مفاوضات من 7 جولات تبدأ بمسائل اجرائية يليها بيان مشترك وتنتهي بقضايا إقليمية وسياسية واقتصادية، وذلك بعدما عرضت الدول الغربية الست على ايران صيغة تجميد تتمثل في عدم تشديد العقوبات عليها، في مقابل موافقة ايران على إبقاء نشاط تخصيب الاورانيوم عند مستواه الحالي، وها ان موضوع العقوبات كان قد بدأ يتجدد البحث فيه برغم الاتفاق الايراني البرازيلي التركي. ومعلوم ان الحديث عن هذه العقوبات منذ العام 2008 من دون أن يغير موقف ايران.

ويقول الوزير السابق إن المنطقة العربية مرت بعصر الرئيس عبد الناصر، وكان من حسن حظ لبنان ان سوريا كانت ترتبط بوحدة مع مصر والكلمة الفصل في وضع لبنان كانت لها اكثر منها لسوريا وإلا لما انعقدت القمة اللبنانية - السورية بين الرئيس عبد الناصر والرئيس فؤاد شهاب داخل خيمة نصبت عند الحدود بين البلدين، نصفها في الاراضي اللبنانية ونصفها الآخر في الاراضي السورية، لان الجانب السوري رفض ذلك وأصر على ان تعقد القمة في دمشق، لكن الرئيس عبد الناصر تدخّل وجعل هذه القمة تعقد على حدود الدولتين. وما كان حكم الرئيس شهاب ليرتاح في الداخل لو ان الكلمة في الموضوع كانت لسوريا لان الدولة الشقيقة والجارة والقريبة ليست مثل الدولة الشقيقة البعيدة، فلم يكن لمصر مطلب من لبنان سوى ان ينسق معها في السياسة الخارجية وفي السياسة الدفاعية فقط، اما شؤون لبنان الداخلية فتركت أمرها للسلطة اللبنانية، وطلبت من المجموعات اللبنانية الحليفة لمصر معاونة هذه السلطة وعدم اثارة المتاعب والارباكات لها، وهو ما حصل فعلا فساد الامن والهدوء والاستقرار في لبنان طوال عهد الرئيس شهاب بفضل موقف مصر عبد الناصر عندما كانت سوريا ترتبط بوحدة معها والقرار في القضايا المهمة في لبنان كان لمصر أولا وليس لسوريا وإلا لما كان عهد الرئيس شهاب نَعِم بالهدوء والامن والاستقرار بدليل انه عندما انفكت الوحدة بين مصر وسوريا عادت المتاعب الى الحكم في لبنان لان نظرة سوريا اليه تختلف عن نظرة مصر وعن نظرة أي دولة عربية.

لذلك، فإنه كما عالج لبنان في عهد الرئيس شهاب مشاكله الداخلية والخارجية مع مصر عبد الناصر زمن الوحدة مع سوريا، عليه الآن ان يعالج مشاكله مع ايران لانها باتت هي الحل وهي المشكلة. ويمكن القول ان المنطقة كما مرت في الماضي بعصر عبد الناصر فإنها تمر اليوم بالعصر الايراني. فالحركات الاصولية والمتشددة تمولها وتسلحها ايران، وبدل مطالبة سوريا بمنع مرور الاسلحة الايرانية الى هذه الحركات والتنظيمات، فالاصح ان يصير تفاهم مع ايران على وقف ارسال هذه الاسلحة لأنها قادرة في حال التفاهم معها على المساعدة في تحقيق المصالحة الفلسطينية - الفلسطينية وجعل التنظيمات الفلسطينية المتشددة توافق على الدخول في مفاوضات سلام مع اسرائيل، وتهدئة الوضع في افغانستان وحل ازمة تشكيل الحكومة في العراق. فكما كانت الولايات المتحدة الاميركية على خلاف مع الرئيس عبد الناصر ادى الى تأميم قناة السويس والى شراء الاسلحة من الاتحاد السوفياتي سابقا بعدما رفضت اميركا بيعها لمصر عبد الناصر ربما كرمى لاسرائيل وحرصاً على أمنها، ثم عادت وتفاهمت معه على كثير من الامور في المنطقة وعلى إخراج لبنان من أحداث 1958 بالاتفاق على ان يكون اللواء فؤاد شهاب رئيسا للجمهورية، فإن على الولايات المتحدة ان تتفاهم مع ايران ولا تضيّع وقتها في البحث عن وسائل إبعاد سوريا وفك تحالفها مع ايران. فالأقوى هو الذي يستطيع ان يقرر عن الاضعف حتى من دون موافقته. اما الاضعف فلا يستطيع ان يقرر عن الاقوى من دون موافقته.

من هنا لا يرى الوزير السابق حلا للمشكلات في المنطقة سواء في لبنان او فلسطين او افغانستان او العراق، الا بتفاهم اميركي - ايراني، وقد يكون هذا التفاهم اقل كلفة من التفاهم مع دول اخرى في المنطقة بما فيها سوريا، وان على الولايات المتحدة ايضا ان تقرر كسب ايران بالتفاهم معها على حلول لكل مشكلات المنطقة لان ذلك يظل اقل ثمنا من العمل على كسرها بحرب تشعل المنطقة بأسرها وتكون حرب دمار وخراب للجميع، وتشكل مغامرة تذهب بالمنطقة الى المجهول.

ويرى الوزير نفسه ان امام الولايات المتحدة احد حلين للخروج من ازمتها مع ايران: اما العمل على كسبها باعطائها دورا محوريا في المنطقة ونفوذا في دول معينة كي توضع المشكلات الكثيرة على طريق الحل، واما اللجوء الى الحرب لكسرها وهذا غير مضمون النتائج ومكلف جدا. فالتفاهم مع سوريا من دون التفاهم مع ايران قد يشكل حلا جزئيا وليس حلا شاملا حتى لو تم التوصل الى اتفاق سلام بين سوريا واسرائيل، هذا اذا استطاعت سوريا توقيع مثل هذا الاتفاق بدون موافقة ايران، عدا انه قد لا يؤدي الى وقف استمرار مرور الاسلحة عبر الاراضي السورية وغير السورية الى "حزب الله" والى حركة "حماس" والى كل تنظيم تموله ايران وتسلحه، في حين ان شرط اسرائيل لعقد اتفاق سلام مع سوريا هو وقف مرور هذه الاسلحة لتصبح حدودها هادئة وآمنة.

2010-05-22