ارشيف من :أخبار لبنانية
رفض أوباما لمقررات قمة طهران يُعجِّل بانهيارات أميركية جديدة
كان أمام أميركا فرصة لانقاذها من نفسها بعد انتخاب أوباما وقد تمّ تدمير الفرصة ذاتياً!!
محمد باقر شري - الديار
ردة فعل البيت الابيض على الاتفاق الذي عقد بين ايران وتركيا والبرازيل، تؤكد ان السياسة الاميركية لا تزال من نوع « فالج لا تعالج» : فالقرار المتخذ سلفاً اياً كان الموقف الايراني، حتى لو كان يلبي كل ما يطلبه الاميركيون والاسرائيليون، فان «ما اتخذ قد اتخذ»: من مشروع قرار بفرض العقوبات الجديدة على ايران وقديمه الى مجلس الامن ولا رجوع عنه، او هكذا يبدو لاول وهلة.
وكما قال الناطق الايراني بانه يكاد يجزم بان اوباما لم يقرأ نص او حيثيات الاتفاق الثلاثي الايراني - التركي - البرازيلي.
ربما لانه يخشى اذا قرأه ان يتراجع عن العقوبات وهو واقع تحت تأثير الضغوط الصهيونية التي تخشى اسرئيل اذا «ما عرف العالم» بان هذا الاتفاق يلغي اية مبررات للعقوبات او العدوان على ايران، فتفقد اميركا واسرائيل و»الذيليون» الاوروبيون دينامية وزخم التعطش لفرض العقوبات: فالقرارات التي اعلنها البيت الابيض المتعلقة بالعقوبات، هي محاولة لقطع الطريق على «الاتفاق الثلاثي الذي تم في طهران قبل ان يفهمه العالم، اعتقاداً من واشنطن بان التهويل الاعلامي الاميركي المسخَّر لمصلحة اسرائيل سوف يُجهض الاتفاق الثلاثي.
وكان اتصال اوباما بأردوغان وهو مزيج من الشكر والرفض: الشكر على جهود تركيا لكي لا تصعّد من غضبها على السياسة الاميركية وتصبح اكثر احتضاناً لحق ايران في الاستفادة من التكنولوجيا النووية.
علماً ان الرفض للاتفاق الثلاثي الذي لم يطّلع عليه او لا يريد ان يطّلع عليه، ينطبق عليه ليس مجرد بيت من قصيدة، بل معادلة رياضية بل هو وصف دقيق عادل قاله امير الشعراء احمد شوقي بعد ان ضرب الفرنسيون دمشق ثم اظهروا الليونة امام المطالب الدمشقية:
وللمستعمرين وان الانوا قلوب كالحجارة لا تَرِقُّ
في حديثٍ لرئيس الوزراء الروسي السابق بريماكوف والذي كان من المع السياسيين الروس(السوفيات) انه عندما ذهب الى لندن بعد بغداد ليتوسط بين العراق ودولتي التحالف: اميركا وبريطانيا اللتين كانتا تستعدان لضرب العراق في عدوان سبق غزو العراق واحتلاله بسنوات، انه التقى مارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا في ذلك الوقت والتي لقبت نفسها «بالمرأة الحديدية»، ناقلاً اليها تعهداً عراقياً بالانسحاب من الكويت وتلبية الشروط الانغلو - اميركية مقابل عدول دولتي التحالف عن ضرب العراق، فاجابته باننا لا نريد ان ينسحب، بل ان نخرجه بالقوة ونضرب قدرات العراق العسكرية، سواءً استجاب لمطالب التحالف ام لم يستجب، وتمنت الا يستجيب لكي يكون ذلك مبرراً لضربه! وكان الوسطاء بمن فيهم فالدهايم وبن بيللا ووزير خارجية قطر ( ما غيرو!) حمد بن جاسم بن جبر وآخرون قد اقترحوا على حاكم العراق ان يطلق سراح الخبراء الاميركيين والانكليز ويعيدهم الى بلادهم، بعد ان احتجزهم كضمان لعدم ضرب العراق فاستجاب واطلق هؤلاء الخبراء المحتجزين وكانوا بالمئات والالوف.
ولكن كل التعهدات الاميركية والبريطانية على هذا الصعيد ذهبت ادراج الرياح.
وكان طارق عزيز وزير خارجية العراق قد اجتمع الى جيمس بايكر وزير خارجية الولايات المتحدة في فيينا مظهراً مرونة زائدة للوصول الى حل يجنب العراق التعرض لضربة قاسية من «التحالف العالمي» الذي كانت تقوده اميركا في عهد بوش الاول والد بوش الثاني.
ولكن بايكر انهى المحادثات - استناداً لاوامر واشنطن - بتعمد الخروج من هذا اللقاء دون التوصل الى حل..
هل هناك تشابه بين مرونة ايران في تلبية بعض ما يطالبها به ما اطلق عليه اسم «المجتمع الدولي» برئاسة اميركا اليوم، وبين ما طولب به العراق قبل توجيه الضربة اليه، رغم استجابته لمبدأ الانسحاب من الكويت؟ في الشكل على الاقل، يوجد بعض التشابه من حيث القرار الاميركي (والاوروبي) بفرض العقوبات التي اعلنت واشنطن المضي قِدماً فيها ضد ايران رغم استجابتها لأهم ما طالبت به واشنطن - ومن ورائها تل ابيب - ولو من قبيل القاء «الحجة» على اميركا وما يسمى بالمجتمع الدولي.
وهناك تشابه ولو «رمزي» بين اطلاق «الجواسيس الاميركيين الثلاثة» امس الاول الذين اعتقلتهم ايران، كدليل على حسن النية عندها تجاه اميركا.
كما ان الدعوة التي وجهها «متكي» للاميركيين في جملة الذين وجه اليهم الدعوة الى مادبة العشاء التي اقامها للدول الاعضاء في مجلس الامن على هامش المؤتمر النووي الذي دعت اليه اميركا في نيويورك والتقى «متكي» فيها بنائب رئيسة بعثة اميركا في الامم المتحدة، وكلها « دلائل» على احتمال بدء حوار ثنائي رسمي مباشر بين واشنطن وطهران منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود من السنين.
ولكن لكي تعرف امكانية قيام مثل هذا الحوار الذي قد يؤدي «لاجهاض» الاستعدادات الاسرائيلية المستمرة للعدوان على ايران والمواظبة على محاولة اقناع اميركا بضرورة ضرب الجمهورية الاسلامية بدءاً من منشئاتها النووية وصولاً او تزامناً مع ضرب القدرة العسكرية الايرانية غير النووية بما فيها من صواريخ يمكن ان تصل الى الارض المحتلة في فلسطين بل يمكن - حسب المعلومات الاوروبية - ان تصل - لو شاءت ايران - الى عواصم اوروبية فيما لو فكرت هذه العواصم او بعضها الاشتراك في عمل عدواني ضد ايران ! فلا بد لمعرفة امكانية قيام حوار ثنائي اميركي - ايراني مباشر، من معرفة رأي اسرائيل في حصول مثل هذا الحوار.
وقد عجّلت قمة طهران الثلاثية بين نجاد ودي سيلفا واردوغان في «حشر» الاميركيين والاسرائيليين معاً في الزاوية، فكان من نتائج ذلك افتضاح مدى وقوع الادارة الاميركية الحالية، تحت هيمنة قوى الضغط.
فيما كانت واشنطن قبل ايام فقط، تتحدث عن استعداد اوباما لاستسناح اي فرصة للحوار الايجابي البناء مع طهران شرط ان تتقدم بخطوات ايجابية لبدء هذا الحوار الذي يُظهر - تحت تأثير و»حصار» قوى الضغط للقرار الاميركي المتعلق بالملف النووي الايراني - ادارة اوباما عارية امام العالم كله.
وحتى المجتمع الدولي الذي تقوده وتتحدث باسمه، بل يكاد يكون تعبير المجتمع الدولي رديفاً لاسم الولايات المتحدة الاميركية) كما يُظهِر القرار الاميركي الذاتي مستلباً امام قوى الضغط، وان الادارة الاوبامية ربما تكون اكثر ضعفاً وهزالاً في مقاومة الضغوط الصهيونية من اي ادارة اخرى في تاريخ الولايات المتحدة.
وهذا بحد ذاته «مأزق رسمي اميركي» و«مكسب لقمة طهران» في الوقت ذاته.
وقد تجلى هذا الخليط من المأزق والمكسب في شكر اوباما لاردوغان على جهوده المبذولة لحل مشكلة الملف النووي الايراني، والاعلان في الوقت ذاته عن رفض ما اتخذته قمة طهران..
وهو امر» معيب « لو حصل مثله من تخبط في قرارات تتخذها دول صغرى، فكيف يكون الحال عندما تتخبط فيه دول كبرى وخاصة «القطب العالمي الاكبر»!
ولكي تتخذ الادارة الاميركية هذا الموقف المتخبط والمتبني لرؤية اسرائيلية مزورة وفاجرة وخاطئة للموضوع النووي الايراني، فان الامر يصبح في منتهى الخطورة لان اميركا في موضوع العقوبات المطلوبة اسرائيلياً ضد ايران بتفاصيلها الوقحة والمذهلة انما تشكل بالفعل خطراً على السلم العالمي وعلى البشرية كلها: وامامنا تجربة الحسابات الاسرائيلية الخاطئة في «الحرب على لبنان عام 2006» والتي كادت تشعل الشرق الاوسط وتمتد تداعياتها الى ابعد من حدود لبنان والكيان الصهيوني، وكان انعكاسها على اسرائيل ومستقبلها ومصيرها انعكاساً درامياً مذهلاً : فلأول مرة يتزلزل الكيان الصهيوني وتعجز المساندة الاميركية رغم تمديد فترة العدوان عن الوصول الى انقاذ ماء وجه اميركا واسرائيل معاً.
ولا تزال اسرائيل حتى الان تلعب دور الملقن للادارة الاميركية - رغم الهامش السطحي من الخلافات الشكلية التي كانت من الارجح ضرورية لايقاع « الجانب الرسمي الفلسطيني بالدرجة الاولى في «شَرَك وفخ» رسم حدود التصفية النهائية للقضية الفلسطينية والاعتراف «الفلسطيني» بنهائية الكيان الصهيوني ومحاولة الزام ليس الفلسطينيين وحدهم به، بل ايقاع اكثر من دولة عربية في خطر الاستنامة للحل التصفوي بصورة او باخرى! واذا مضت واشنطن بالحسابات الخاطئة التي لا تتنزه اسرائيل عن الوقوع فيها وايقاع حاضنتها «واشنطن» فيها على نحو اكثر خطورة، فان اميركا بحد ذاتها التي وقع فيها انهيار اقتصادي لا يبعد كثيراً في عواقبه الداخلية والخارجية على اميركا وسمعتها ومكانتها، عن الانهيار الديموغرافي لكيان القطب العالمي الآخر الاتحاد السوفياتي رغم بقاء هيكلية الولايات المتحدة كتجربة فذة لدولة متقدمة مؤلفة من خليط الامم، ولكن بدء انهيارها الاقتصادي يمهد تلقائياً للتأثير في نسيج وضعها الداخلي وفي مدى صمود تعملقها امام حدوث انهيارات اخرى على اكثر من صعيد، وهذا امر لا تفرح له الامم الاخرى، حتى الامم المظلومة منها لان عداء الرأي العام العالمي وخاصة الرأي العام العربي والاسلامي الذي عانى من مظالم السياسة الاميركية ليس لاميركا وهيكلية كيانها كدولة ونمط حياة، بل العداء لسياساتها.
ولو كُتِب لاميركا الحظ عندما انتخب شعبها اوباما متجاوزاً كل الاعتبارات الاتنية والعرقية وضارباً عرض الحائط بالتمييز العنصري، ان تنجح الادارة الجديدة في إحداث تغيير جذري لسياسات اميركا، لكان ذلك بداية انقاذها من سوء المصير الذي ينتظرها.
و«يرتعد المراقب» المدقق ذي البصيرة عندما يرى اعجوبة انقياد القطب الاعظم لحفنة من قوى الضغط تستطيع ان تجرّه «الى حتفة بظلفه» مستبدلة شعارها الشمشوني القديم « عليَّ وعلى اعدائي يا رب» بشعار جديد لا تزال ماضيةً في تطبيقه منذ قيام الكيان الصهيوني في فلسطين الذي يقول واقعه عملياً على الارض : «عليَّ وعلى اصدقائي يا رب»: فلا قيمة - امام العقل الصهيوني الشاذ والمجرم والجهنمي - للوفاء للدولة العظمى التي ايدته باسباب القيام والبقاء ما يزيد عن ستة عقود من الزمن، في ان يصبح شعاره الانتحاري : «عليَّ وعلى حاضنتي الولايات المتحدة يا رب»!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018