ارشيف من :أخبار لبنانية
بكاء الأجيال
ضغط حزب الله ضغطا شديدا على الشريط الامني، وتضعضع جيش لبنان الجنوبي وكان الوضع في الميدان هشا قابلا للانفجار. أخذ قائد المنطقة الشمالية غابي اشكنازي احد الوزراﺀ الى احدى الزوايا وقال له قبل أن تبدأ الجلسة "يجب الخروج الآن. هذه الليلة حقا".
بين اشكنازي ان الشريط الامني قد ينهار في كل لحظة. الصفقة على شفا انحلال، وجيش لبنان الجنوبي يدرك الوضع، قد يحدث هذا في كل ثانية وسينهار كل شيﺀ آنذاك مثل برج من اوراق اللعب.
في اثناﺀ الجلسة اثير اقتراح المغادرة على الفور. بين من كان يجب أن يبين انه اذا تم الخروج في اثناﺀ الليل، فسيكون من الممكن الخروج على نحو منظم. واجراﺀ مسيرة عسكرية، ونقل مسؤولية ولو رمزية الى جيش لبنان الجنوبي والمغادرة مع رأس مرفوع. ايد الوزيران حاييم رامون ومتان فيلنائي الاقتراح، بل خطبا خطبا حماسية في تأييده. كان رأس المعارضين وزير الخارجية ليفي. فقد كان لا يزال يؤمن بالاتصالات في الامم المتحدة، وبنى على سفر الى نيويورك وعلى استمرار التباحث مع الجماعة الدولية.
وللاسف الشديد تبنى رئيس الحكومة باراك موقفه وهو ألا يخرجوا في هذه الاثناﺀ ويستنفدوا الاتصالات السياسية. حصدت اسرائيل ثمار هذا الاضطراب بعد ذلك بعشر سنوات.
لنعد سنة ونصف سنة الى، الوراﺀ الى الشهور الاخيرة من ولاية رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. دعيت قبل الانتخابات بوقت قصير الى محادثة مع وزير الدفاع آنذاك موشيه آرنس. تذكرون ان نتنياهو أعاد ارنس الى النشاط بعد أن اقال اسحق مردخاي الذي مضى لينشئ حزب المركز استعدادا للانتخابات. سمعت من ارنس استعراضا أمنيا للجبهات المختلفة. وعندما بلغنا الشأن اللبناني اسمعني ارنس كلاما مدهشا.
قال وزير دفاع نتنياهو: نحن نزن تغيير طابع الوجود الاسرائيلي في جنوب لبنان.
كان ذلك الكلام صارخا. عارضت حكومة نتنياهو الخروج من لبنان معارضة شديدة.
وجعل ايهود باراك هذا الموضوع راية حملته الانتخابية، وبدأت النتائج تظهر في استطلاعات الرأي. فقد نتنياهو تفوقه على باراك، وظهر تعادل بل ربما أكثر من ذلك. ظهر باراك في المرة الاولى علامات تحليق.
سألت نفسي أيمكن أن يكون نتنياهو قد بعد ذلك فقط علمت التفصيلات الكاملة.
آنذاك أتى باراك، مع تصريحه الحاسم (في برنامج اذاعي مع دان مرغليت) عن أنه اذا انتخب لرئاسة الحكومة، فسيخرج الجيش الاسرائيلي من لبنان "مع اتفاق" في غضون سنة. بدأ باراك ترتفع اسهمه وهو الذي كان غير مرتفع في استطلاعات الرأي حتى ذلك الوقت. لقد ارهق الجمهور الاسرائيلي بلبنان، وضاق ذرعا بقتل الجنود، ولعق جراح المروحيات واراد الخروج. ادرك باراك ذلك ادراكا ممتازا، بواسطة استطلاعات الرأي أيمكن أن نقيس من هذه الاحداث على وقتنا هذا؟ ربما نعم. تبين مرة اخرى ان نتنياهو زعيم ضعيف متردد وغير مبادر ومجرور ومتلوٍ. ويكون قد فات الوقت الى أن يقرر. وتبين شيﺀ آخر هو ان بيبي يحجم عن الخروج على الجيش الاسرائيلي. انه لا يتخذ قرارات في مواجهة المستوى العسكري.
ربما لانه لم يكن رئيس اركان او جنرالا في الاحتياط، او لمجرد الثقة بالذات.
كان ذلك قرارا سيئا. فمن الغد، في يوم الاحد 21 ايار، بدأ انهيار جيش لبنان الجنوبي.
سببه حقيقة انه لم يوجد عمل مقر قيادة منظم قبل الانسحاب، بسبب خوف باراك من التسريبات، عدم يقين ويأس عند رجال جيش لبنان الجنوبي. لقد خافوا ان تتركهم اسرائيل في جنح الليل (وهو ما تبين صدقه)، وبدأوا يبحثون لانفسهم عن ملاذٍ. في يوم الاحد ظهرت اولى الصدوع وبدأت تتسع سريعا. بدأت تسقط مواقع جيش لبنان الجنوبي. علموا في جيش لبنان الجنوبي أنه لا يمكن وقف الانهيار. أخذ الشريط الامني ينهار. بعد ذلك بيومين، في الليلة بين 23 الى 24 ايار، خرج الجيش الاسرائيلي من لبنان في اجراﺀ بدا شبيها بهرب مذعور. اضاعت اسرائيل فرصة الخروج على نحو كريم مع خروج السبت. ضرب حزب الله القوات الخارجة من الخلف، وكان نصرالله يستطيع ان يظهر لنفسه انتصارا بطوليا. فقد نجح هو مع بضع مئات من المقاتلين في ان يهزم اعظم جيش في الشرق الاوسط ويجعله يهرب من لبنان.
سألته ما الذي يقصده وفصل ارنس: قائلا لا داعي الى ان نوجد في مواقع ثابتة كبيرة تكون اهدافا سهلة لحزب الله. قد يجب ان نزن اخلاﺀ المواقع، او جزﺀ منها وان ننتقل الى طريقة اخرى. اهتممت بالطريقة الجديدة، وتحدث ارنس عن "وجود متنقل". عن دوريات، واستطلاعات للجيش الاسرائيلي في الشريط الامني تعيد الى اسرائيل المبادرة وتخرج جنودنا من مقام البط المستهدف.
لحظ المشكلة وأدرك ان الجمهور الاسرائيلي يريد الخروج من لبنان. على اية حال، كتبت ذلك في العمود الصحافي الذي نشر في هذه الصفحات حقا لكن بغير ابراز. بغير عناوين وبغير تشويق. كتبت ذلك من غير أن اصدقه.
أجل لقد بدأ نتنياهو ينضج. في آخر سنة من ولايته مال الى اعتقاد ان المأساة اللبنانية يجب أن تنقضي. وان ما يحدث في الشريط الامني هو عبﺀ على اسرائيل لا توجد فائدة معه. أسهم حادثان تأسيسيان في نضج بيبي: الاول كارثة المروحيات التي نقشت في الوعي الاسرائيلي على أنها احدى اشد الكوارث التي وقعت للجيش الاسرائيلي منذ كان. وكان الثاني سقوط العميد ايرز غيرشتاين. تبين أن قافلة غيرشتاين استهدفت لعملية محكمة من حزب الله، استعانت ايضا بمتعاونين محليين بل بمصوري صحف أجانب. كانت تلك قافلة تقليدية لبط مستهدف. استعمل ثلاثة اشخاص تأثيرهم في تلك الايام في نتنياهو للخروج من لبنان. كان الاول شاي افيتال، والثاني عامي ايالون (رئيس الشاباك)، والثالث عميرام لفين. كان الثلاثة ضباطا ذوي جلالة وخبرة. وليسوا يساريين خلصوا الى هذا الاستنتاج في منتصف تحليل يقظ للواقع.
كان ذلك هو السبب الذي جعل بيبي يبدأ بالتفكير بالسر، في طرائق لوقف المأساة التي كلفت اسرائيل نحوا من 25 جنديا قتيلا كل سنة.
لم يشاؤوا سماع ذلك في الجيش الاسرائيلي. فقد عارض الجيش الخروج معارضة شديدة. اعتقد قائد المنطقة الشمالية اشكنازي ان الخروج من جانب واحد سيكون كارثة. وكذلك اعتقد رئيس هيئة الاركان شاؤول موفاز. كان لهما حليف مخلص في منطقة استراتيجية هو دان هرئيل الذي كان آنذاك السكرتير العسكري لوزير الدفاع اسحق مردخاي. لم يكن نتنياهو قادرا على تقديم هذه المبادرة ما كان مردخاي في عمله. تغلب الثلاثة: موفاز واشكنازي وهرئيل على الثلاثة: افيتال وايالون ولفين. وجدت صراعات خفية، بل انهم ذات مرة ارهقوا قائد الفرقة، آفي ايتام، من أجل طرح الموضوع عن جدول العمل، ومر الوقت.
ايضا، وجعله أداة ضغط سياسية قوية جدا.
كذلك أدرك بيبي ذلك وان يكن متأخرا شيئا ما. ان ذهاب مردخاي مكنه من المناورة. كان ارنس، وهو شخص ذكي ذو خبرة، تعيينا منه ولم يكن وراﺀه قوة سياسية. في تلك اللحظة ولدت مبادرة الخروج، وان يحل محلها وجود متنقل. بدأ ارنس يقدم ذلك على رغم أنه لم يؤمن به. وهنا ايضا عارض الجيش معارضة شديدة. كانت تلك الايام التي سبقت الانتخابات وعلم نتنياهو ان الامر ضائع. فلن يخرج إذاً من لبنان.
انقضت احدى عشرة سنة من ذلك الحين واصبح نتنياهو قد جاوز الستين، وليس من المحقق أنه تغير. في هذه المرة ايضا توجد قرارات ملحة حاسمة، مثل مهاجمة ايران. في هذه المرة ايضا اذا استقر على رأي فقد يكون مخالفا لتوصيات المستوى الامني. قد تجلب نتائجه علينا كوارث تجعل كارثة لبنان قزما.
أتكون عنده القوة؟ أيجد العظمة؟ أيكون هذا بالضبط هو السبب الذي يجعله ينشئ تعلقا كهذا بايهود باراك؟ لا نعلم.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018