ارشيف من :أخبار لبنانية
هل يمكن الوثوق بقضاء محلي أو دولي لا يحاكم شهود الزور؟
نبيل هيثم - السفير
برز مؤشران لافتان للانتباه في ملف التحقيق الدولي في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، أولهما مسار الحركة المكثفة التي يقوم بها اللواء جميل السيد في الداخل والخارج للاقتصاص من شهود الزور وصناعهم، وثانيهما «الحملة المركزة» التي بدأها «حزب الله» لسحب فتيل الاستغلال السياسي وأخذ الملف برمته الى تحقيق قضائي جنائي تحكمه قرائن وأدلة دامغة، وليس اتهاما سياسيا، كالذي طاله مؤخرا، او شهادات الزور التي سجنت الضباط الاربعة لنحو اربع سنوت. وتبدت اولى شرارات تلك الحملة في الدعوى التي اقامها الحزب امام القضاء اللبناني ضد شاهد الزور محمد زهير الصديق.
وتبين خلاصة دراسة قانونية وجود علاقة عضوية بين شهادة الزور وجريمة اغتيال الحريري. وتفيد تلك الدراسة بأن فعل الشهادة متصل بتلك الجريمة، وليس بأية جريمة اخرى، وما دامت المحكمة ذات الطابع الدولي معنية بكشف تلك الجريمة. فإن «شهادة الزور» ليست منفصلة عنها، بل تأتي في صلبها، وبالتالي هي لا تستطيع القول ان «شهادة الزور» التي حكمت مسار التحقيق الدولي طيلة السنوات الماضية ليست من اختصاصها.
في سياق تلك الدراسة، يبرز رأي استاذ القانون والعضو السابق في المجلس الدستوري القاضي سليم جريصاتي بإشارته الى ان القرار 1757 الذي أنشأ المحكمة الخاصة بلبنان قال حرفيا بالعدالة «وفقا لأعلى معايير العدالة الجنائية الدولية». كما ان العهد الدولي لحقوق الانسان ينص على حق إنساني هو «حق التظلم قضاءً». اي ان يجد كل طالب حق قاضيه. ولا يمكن لأي انسان ان يستحيل عليه ايجاد قاض يتظلم لديه.
وعملا بحق التظلم هذا، تقدم اللواء السيد بمراجعة امام المحكمة الدولية بقصد سؤالها عما اذا كانت تسهر على تطبيق الحقوق الانسانية، أي على ما نُص عليه في العهد الدولي لحقوق الانسان. وما اذا كانت هي الجهة القضائية المختصة التي يبدي حقه في التظلم لديها، وان لم تكن هي، فمن هي الجهة القضائية الصالحة لذلك قاصدا ملاحقة شهود الزور عن الضرر الذي لحق به. وقد أحال رئيس المحكمة مراجعة السيد الى قاضي الاعمال التمهيدية دانييل فرانسين، وبالتالي أدخل كاسيزي نفسه وفرنسين معه وكذلك المدعي العام دانييل بيلمار في مهلة سوف تنقضي بنهاية الشهر الحالي لاعطاء الجواب الشافي.
وبالتزامن، يضيف جريصاتي، تقدم «حزب الله» بدعوى أمام القضاء اللبناني مطالبا بمحاكمة محمد زهير الصديق في الكلام الصادر عنه ضد الحزب ونشرته «السياسة» الكويتية.
الواضح في كلتا الحالتين، بحسب جريصاتي، ان الهدف واحد وهو ايجاد القضاء الصالح. فإذا ما افرزت هذه المحاولات قضاء صالحا فمعنى ذلك ان المشكلة قد حلت، ووجد المتظلم قضاءه. ويحاكم الصديق «شاهد الزور».
أما اذا افرزت تلك المحاولات جوابا سلبيا ينفي الصلاحية ولم يجد اللواء السيد او «حزب الله» القضاء الصالح فمعنى ذلك بروز مشكلة كبرى. فإذا انتفى القضاء الصالح للتظلم، فكيف يمكن ان يُستـَدعى مشتبه فيه او مجرد شاهد امام قضاء لا يمكن «ردّه» ولا يمكن التوجه اليه بالتعويض او بملاحقة شاهد الزور عند اتخاذ قرارات تطال ابرياء ومرتكزة على شهادات زور وما شابه؟
ماذا يتوقع من المحكمة الدولية ردا على مراجعة السيد، ومن القضاء اللبناني ردا على دعوى «حزب الله»؟
يقول جريصاتي عندما يلاحق الصديق سيسقط الهيكل بأكمله، وسوف يتبين وهن «شاهد الزور» المذكور وهزاله وتآمره، وبالتالي لن تعود هناك امكانية اتهام بالارتكاز على اقوال الصديق. علما ان الصديق نشأ من خلال قضية اسمها «اغتيال الرئيس رفيق الحريري»، ومن هنا لا يستطيع القضاء اللبناني ان يقول ان لا صلاحية له. خاصة ان مختلف قوانين العقوبات في لبنان و«القانون المقارَن» لا تجزئ بين الجريمة وبين الشهادة الكاذبة التي ادت الى الاشتباه بأحد او باتهامه بارتكابها. كما ان المحكمة الدولية لا تستطيع ان تنفي صلاحيتها وتعتبر ان محاكمة «شهود الزور» تخرج عن الولاية الممنوحة حصرا من مجلس الامن، والتي تقضي بمحاكمة من قام باغتيال الشهيد الحريري ورفاقه وبالجرائم ذات الصلة او من شارك او من حرض.
وبحسب رأيه، فإنه حتى لو لم ينص تفويض مجلس الامن على تلك الصلاحية، فلا يمكن للمحكمة ان تجزئ بين اصول اجراءات واثبات امامها وبين خـداع قضاة المحكمة، وتضليل التحقيق، وتضليل اجراءات المحاكمة كلها، وبالتالي المحكمة مضطرة حكما أن تقدم «عدالة وفقا لاعلى المعايير الجنائية الدولية» كما نص قرار انشائها (1757).
ويقول جريصاتي انه اذا كان من غير المحتمل ان يحفظ قضاء محلي وقضاء دولي اختصاصهما في مسألة واحدة، والادهى والاخطر ان ينفي القضاءان اختصاصهما في هذه المسألة، فهذا الامر انما سيرتد على المحكمة الدولية والقضاء اللبناني، ذلك ان القضاء المحلي يحيل للمحكمة كل ما يتعلق بالملف الذي تنظر فيه بحجة انها، اي المحكمة، نقلته اليها بالكامل. واذا كان الامر على ذلك، واذا افترضنا ان المحكمة الدولية بأجهزتها القضائية المختصة قد اشتبهت او اتهمت بناء على شهادات مزورة، فكيف يمكن ان توفق بين العدالة وفقا لاعلى معاييرها وسد سبل مقاضاة شهود الزور امامها؟
كيف يمكن الوثوق بقضاء لا يحاكم شهود الزور؟
يجيب جريصاتي: من حيث المبدأ السلطة القضائية محل ثقة، ما لم تبادر هذه السلطة نفسها الى نزع الثقة عنها، اي الى نفي دورها في إحقاق الحق بمسائل متعلقة بملف عالق امامها. وقد سبق لقاضي الاعمال التمهيدية في المحكمة الخاصة للبنان ان اتخذ قرارا بإطلاق الضباط الاربعة، فقلنا في حينه ان هذا عمل جيد تستوي معه العدالة، اذ يجب ان ننظر دائما الى مثل هذه الاعمال او سواها كي نبدي رأيا فيها مجددين الثقة او مشككين فيها، وهذا لا يعني ان المقاربة شخصية أو مصلحية، ذلك ان لبنان يختبر للمرة الاولى تزاوجا بين قضاء محلي قائم، ومحكمة ذات طابع دولي فرضت عليه بقرار من مجلس الامن. ومن واجب كل رجل قانون وكل معني بهذه المحاكمة ان يواكب هذا الاختبار ويدل على مكامن الخلل ويرفض ان يكون ضحية بريئة لاختبار يجري على حسابه (كما حصل في سجن الضباط الاربعة) وفي ظل قضاء مستحدث الى جانب قضائه الوطني، او حالٍ محله. وهنا تمكن كل خطورة.
وفي الخلاصة، يقول جريصاتي، ان المحكمة ملزمة بتطبيق اعلى معايير العدالة الجنائية الدولية وان تؤكد صلاحيتها. اما اذا نفتها، فستكون من جهة، مطالبة بتقديم تفسيرها لعبارة «اعلى معايير العدالة الجنائية الدولية»، وهذا بالحد الادنى، واما من جهة ثانية، فإن اعلان عدم الصلاحية يعني ان هذه العدالة المجزأة او المنتفاة ليست بعدالة يمكن لكل متظلم ان يركن اليها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018