ارشيف من :أخبار لبنانية
"حلف الأطراف"... قصة التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا
صحيفة "الوطن" - صالح النعامي
رغم التعليقات الساخرة التي يحظى بها وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان من بعض المعلقين في وسائل الإعلام الإسرائيلية بسبب أسلوبه الفظ في التعامل مع زعماء الدول الأجنبية وبشكل يتنافى مع طبيعة عمله كمن يقف على رأس الدبلوماسية الإسرائيلية، إلا أن الكثيرين في المقابل يكيلون له المديح مؤخراً لأنه جعل على رأس أولوياته مواصلة اختراق إفريقيا. لدرجة أن صحفياً مخضرماً مثل معلق الشؤون الاستخبارية في صحيفة «هآرتس» شبهته بوزيرة الخارجية ورئيس الوزراء الأسبق غولدا مائير التي عكفت منذ سنوات الخمسين والستين من القرن الماضي على إيلاء إفريقية أهمية خاصة وحرصت على زيارة معظم دولها غير العربية في إفريقيا. ومن الواضح أن تحرك ليبرمان المكثف في إفريقية حالياً يستهدف بشكل أساسي منطقة «القرن الإفريقي» على وجه الخصوص التي تضم كلاً من كينيا والسودان وإثيوبيا وأرتيريا والصومال.
دور الموساد
وعلى الرغم من أن وزارة الخارجية هي التي تتولى بشكل نظري المسؤولية عن تنسيق السياسات الإسرائيلية في إفريقيا، فإنه مما لا شك فيه أن الطرف الذي يلعب الدور المركزي والأساسي في هذه المنطقة هو جهاز «الموساد» الذي يعمل بالخفاء، ويحافظ على ممثليات ناشطة في الكثير من العواصم الإفريقية، كما كشفت صحيفة «هآرتس»، مؤخراً. وتفويض «الموساد» بالقيام بهذا الدور له علاقة بشكل أساسي بالدور التآمري الذي يسم دائماً تحرك هذا الجهاز، ولاسيما على صعيد العمل على المس بالأمن القومي للدول العربية في إفريقية أو المطلة على البحر الأحمر. فهناك علاقة وثيقة وأكيدة بين تعزيز العلاقات بين إثيوبيا و"إسرائيل" بشكل غير مسبوق مؤخراً وبين تهديد حكومة «أديس أبابا» بإعادة توزيع مياه النيل بشكل يمس بشكل خاص بكل من مصر والسودان.. وتشير المصادر الإسرائيلية إلى أن العلاقة بين "تل أبيب" وأديس أبابا أخذت في الآونة الأخيرة منحىً دراماتيكياً، أظهرت فيه القيادة الصهيونية مرونة كبيرة، تمثلت بالتخلي عن حليفها السابق أسياس أفورقي مقابل الظفر بتعزيز العلاقة مع النظام الإثيوبي، وتمثل تعزيز العلاقة بين الجانبين في التوقيع على العديد من صفقات السلاح بين "إسرائيل" وإثيوبيا وبشروط ميسرة، إلى جانب تقديم خدمات في مجال التدريب، حيث توجد وحدات من المدربين العسكريين الإسرائيليين تعكف على تدريب القوات الإثيوبية. وهناك من يربط بين التعاون الإسرائيلي مع أديس أبابا ونجاح إثيوبيا في تحقيق انتصارات على أرتيريا في المواجهات التي دارت بين الجانبين قبل عامين.
ضرب الأمن القومي العربي
يجب ألا يتوقع أحد أن تتبرع "إسرائيل" أو إثيوبيا بالكشف عمّا يحاك بينهما ضد مصر من وراء الكواليس، فليبرمان الذي يدير السياسة الخارجية لإسرائيل في إفريقية هو نفسه الذي هدد يوماً بقصف السد العالي، في حين يصر وزير المالية يوفال شطاينتس على اعتبار مصر «دولة عدو» على الرغم من توقيع اتفاقية السلام.
توظيف إسرائيل لعلاقاتها مع الدول والحركات التي تناصب الدول العربية العداء في المس بالأمن القومي العربي وإلهاء الدول العربية المؤثرة وإشغالها بمشاكل ثانوية وذلك لتقليص مدى تدخلها في الصراع العربي الإسرائيلي يعتبر جزءاً أصيلاً من العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
التحالف مع أعداء الأمة
وقد وثّق هذا التوظيف بشكل نادر "شلومو نكديمون" مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق شامير الذي أشار إلى أن "إسرائيل" دأبت منذ الخمسينيات من القرن الماضي على توثيق علاقاتها مع الأكراد في شمال العراق من أجل تعزيز توجهاتهم الانفصالية لضرب الدولة العراقية والتأثير على أولويات الدولة العراقية. وبنفس المنطق عززت "إسرائيل" علاقاتها مع نظام الشاه، وكذلك مع تركيا بقيادة العسكر والعلمانيين لعدائهما المستحكم تجاه الدول العربية. في الوقت نفسه فإن قصة التحالف الإسرائيلي مع قسم من موارنة لبنان ماثلة للعيان، واعتماد "تل أبيب" عليهم في ضرب المقاومة الفلسطينية والحركات الوطنية اللبنانية. ويشير نكديمون في كتابه «حلف الأطراف» (periphery alliance)، إلى أن المنطق نفسه أملى على "إسرائيل" إقامة علاقات وثيقة مع الحركة الشعبية لتحرير السودان التي تطالب بانفصال السودان، حيث حرصت "إسرائيل" على مد قوات الحركة بالسلاح والعتاد الحربي،علاوة على تدريب عناصرها. في الوقت نفسه فإنه ليس سراً أن "إسرائيل" شجعت اللوبيات اليهودية في الولايات المتحدة على وضع الأجندة التي ترفعها بعض نخب الأقباط في المهجر على جدول أعمال كلٍّ من الكونغرس والإدارة الأميركية، وتحديداً الدعاوى المتمثلة في التضييق على الأقباط وعدم المساواة في التعامل معهم، وغيرها من الملفات.
حلفاء حسب المصلحة
وكانت علاقة رئيس أرتيريا أسياس أفورقي قوية جداً بإسرائيل، وقد أغرت "تل أبيب" أفورقي بالعمل على تهديد الأمن اليمني عندما أقنعته باحتلال الجزر اليمنية في البحر الأحمر، مستغلاً التفوق العسكري الذي ضمنه السلاح الذي زودته به "إسرائيل"، لكن كما أشرنا سابقاً فإن السياسة الإسرائيلية في إفريقية تقوم على المصالح فقط، فعندما وجدت "إسرائيل" أن مصلحتها تقتضي تعزيز علاقتها مع إثيوبيا خصم أفورقي اللدود، على حساب أرتيريا لم تتردد في لفظ أفورقي. من هنا فإن التجربة التاريخية تدلل على أن "إسرائيل" تقف بهذا الشكل أو ذلك خلف التحرك الإثيوبي، مدفوعة بحسابات مصلحتها الإستراتيجية، فـ"تل أبيب" معنية بإلهاء مصر وإشغالها بنفسها، على اعتبار أنها ستظل تمثل أكبر تحد إستراتيجي لـ "إسرائيل"، كما يجاهر بذلك نائب رئيس الوزراء ووزير التهديدات الإستراتيجية في حكومة نتنياهو الجنرال موشيه يعلون، والذي شغل في الماضي منصب رئيس هيئة أركان الجيش.
مصالح إستراتيجية
لكن اهتمام إسرائيل في «القرن الإفريقي» لا ينحصر فقط في محاولة التأثير على الأمن القومي المصري من خلال محاولة المس بحصة مصر من مياه النيل، بل يتعداه إلى تحقيق أهداف إسرائيلية كبيرة، حيث إن «القرن الإفريقي» يشرف على «باب المندب»، الذي تمر من خلاله 20% من التجارة الخارجية لإسرائيل. ومما لا شك فيه أن تصاعد دور تنظيم «القاعدة» والجماعات المرتبطة به في هذه المنطقة وتحديداً في الصومال زاد من حاجة "إسرائيل" إلى تواجد في المنطقة، وتدخل إثيوبيا كدولة مقربة من "إسرائيل" في الشأن الصومالي أسهم في تسهيل المهمة على "إسرائيل"، وهناك مؤشرات على أن "إسرائيل" وظفت الاحتلال الإثيوبي لأجزاء واسعة من السودان في منح «الموساد» موطئ قدم في هذه الدولة الممزقة، خشية أن يتحول عناصر التنظيم للمس بالسفن الإسرائيلية التي تبحر في المحيط الهندي والبحر الأحمر، وخاصة في ظل ازدهار عمل القراصنة الصوماليين.
ولا يخفي مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلي الأسبق تسفي بار قلق "إسرائيل" من ازدياد معدلات انتشار الإسلام في إفريقية على اعتبار أن هذا العامل يثير القلق بشكل أساسي بالنسبة لـ "تل أبيب"، حيث يفترض بار أن هذا التطور يفضي إلى بيئة سلبية للمصالح الإسرائيلية، وهو ما يفاقم من حاجة "إسرائيل" لوجود مكثف وعميق في المنطقة. وعندما تتوجه "إسرائيل" لأنظمة الحكم في الدول التي تعاني من صراعات على خلفية قبلية، يكون أحد أطرافها المسلمون، فإنها تذكر هذه الأنظمة أنه بالإمكان الاعتماد على تجربتها في مجال مواجهة الحركات الإسلامية.. من هنا نجد أن "إسرائيل" بذلت جهوداً كبيرة في التقارب مع نيجيريا على وجه الخصوص ووقعت معها على صفقة لتزويدها بالسفن الحربية.
لكن هناك قائمة كبيرة من المصالح الإسرائيلية في إفريقيا، تعمل على ضمان عدم المس بها، وتتمثل في:
1- احكام السيطرة على صناعة التنقيب على النفط في إفريقيا، حيث تتولى شركات إسرائيلية بغطاء أوروبي التنقيب عن النفط في عدد من الدول الإفريقية، وقد تعززت رغبة "إسرائيل" في استغلال احتياط النفط الإفريقي على أثر التقارير التي أصدرتها الأمم المتحدة والتي تحدثت عن أن الاحتياط الإفريقي من النفط يصل إلى أكثر من 80 مليار برميل.
2- تستغل "إسرائيل" المواد الخام التي يتم استخراجها من الدول الإفريقية، ولا سيما اليورانيوم، حيث إنه في بعض الأحيان يتم هذا الاستغلال بعلم الدول الإفريقية، وأحياناً تستغل "إسرائيل" ضعف بنية الدولة والرقابة في الدول الإفريقية وتقوم بالبحث عن اليورانيوم واستخراجه دون أن تضع الدول الإفريقية في صورة ما تقوم به. ففي كتابه «بقوة العلم»، كشف العالم النووي الإسرائيلي "أرئيل بخراخ" النقاب عن أن "إسرائيل" قامت بسرقة اليورانيوم من دول إفريقية دون علمها، بحجة أن علماءها كانوا يقومون بأبحاث جيولوجية في صحارى هذه الدول.
3- تعتبر إفريقية سوقاً واسعاً للمنتوجات الإسرائيلية، ولا سيما في مجال الصناعات الحربية.
4- تحتكر "إسرائيل" الكثير من الصناعات والمرافق الاقتصادية في عدد من الدول الإفريقية، فعلى سبيل المثال تحتكر الشركات الإسرائيلية صناعة الغذاء في إثيوبيا.
5- تعتبر صناعة وتصدير الألماس أحد أهم مصادر الدخل القومي الإسرائيلي، حيث إن كل الألماس يتم استخراجه من الدول الإفريقية.
وتاريخياً استخدمت "إسرائيل" أدوات متعددة في تعزيز علاقاتها مع الدول الإفريقية، فتارة عبر تصدير الخبرات الفنية في مجال الزراعة، وتارة في مجال التدريب العسكري وتأهيل الألوية العسكرية المسؤولة عن حماية أمن الرؤساء الأفارقة وتقديم العلاج الطبي سراً لأرباب الحكم في المستشفيات الإسرائيلية، واستيعاب الطلاب الأفارقة في الجامعات الإسرائيلية. وفي بعض الأحيان لم تتردد "إسرائيل" في المساهمة في تدبير انقلابات عسكرية في بعض الدول الإفريقية، وكما يؤكد الصحفي يوسي ميلمان معلق الشؤون الاستخبارية الإسرائيلية فإنه في حكم المؤكد أن الموساد أسهم في حدوث انقلابين في كل من أوغندا وزنجبار.
إن الذي يصيب المرء بالإحباط هو حقيقة أن "إسرائيل" تتحرك في القارة الإفريقية دون أن تواجه أي مقاومة عربية على الإطلاق، حيث إن الدول العربية تحرص على عدم استغلال الكثير من الأدوات التي بإمكانها استخدامها ليس منع التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا، بل حتى لا تواصل "إسرائيل" توظيف هذا التغلغل في المس بالأمن القومي العربي. فكلمة سر مشروع إسرائيل مقابل فراغ عربي.
رغم التعليقات الساخرة التي يحظى بها وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان من بعض المعلقين في وسائل الإعلام الإسرائيلية بسبب أسلوبه الفظ في التعامل مع زعماء الدول الأجنبية وبشكل يتنافى مع طبيعة عمله كمن يقف على رأس الدبلوماسية الإسرائيلية، إلا أن الكثيرين في المقابل يكيلون له المديح مؤخراً لأنه جعل على رأس أولوياته مواصلة اختراق إفريقيا. لدرجة أن صحفياً مخضرماً مثل معلق الشؤون الاستخبارية في صحيفة «هآرتس» شبهته بوزيرة الخارجية ورئيس الوزراء الأسبق غولدا مائير التي عكفت منذ سنوات الخمسين والستين من القرن الماضي على إيلاء إفريقية أهمية خاصة وحرصت على زيارة معظم دولها غير العربية في إفريقيا. ومن الواضح أن تحرك ليبرمان المكثف في إفريقية حالياً يستهدف بشكل أساسي منطقة «القرن الإفريقي» على وجه الخصوص التي تضم كلاً من كينيا والسودان وإثيوبيا وأرتيريا والصومال.
دور الموساد
وعلى الرغم من أن وزارة الخارجية هي التي تتولى بشكل نظري المسؤولية عن تنسيق السياسات الإسرائيلية في إفريقيا، فإنه مما لا شك فيه أن الطرف الذي يلعب الدور المركزي والأساسي في هذه المنطقة هو جهاز «الموساد» الذي يعمل بالخفاء، ويحافظ على ممثليات ناشطة في الكثير من العواصم الإفريقية، كما كشفت صحيفة «هآرتس»، مؤخراً. وتفويض «الموساد» بالقيام بهذا الدور له علاقة بشكل أساسي بالدور التآمري الذي يسم دائماً تحرك هذا الجهاز، ولاسيما على صعيد العمل على المس بالأمن القومي للدول العربية في إفريقية أو المطلة على البحر الأحمر. فهناك علاقة وثيقة وأكيدة بين تعزيز العلاقات بين إثيوبيا و"إسرائيل" بشكل غير مسبوق مؤخراً وبين تهديد حكومة «أديس أبابا» بإعادة توزيع مياه النيل بشكل يمس بشكل خاص بكل من مصر والسودان.. وتشير المصادر الإسرائيلية إلى أن العلاقة بين "تل أبيب" وأديس أبابا أخذت في الآونة الأخيرة منحىً دراماتيكياً، أظهرت فيه القيادة الصهيونية مرونة كبيرة، تمثلت بالتخلي عن حليفها السابق أسياس أفورقي مقابل الظفر بتعزيز العلاقة مع النظام الإثيوبي، وتمثل تعزيز العلاقة بين الجانبين في التوقيع على العديد من صفقات السلاح بين "إسرائيل" وإثيوبيا وبشروط ميسرة، إلى جانب تقديم خدمات في مجال التدريب، حيث توجد وحدات من المدربين العسكريين الإسرائيليين تعكف على تدريب القوات الإثيوبية. وهناك من يربط بين التعاون الإسرائيلي مع أديس أبابا ونجاح إثيوبيا في تحقيق انتصارات على أرتيريا في المواجهات التي دارت بين الجانبين قبل عامين.
ضرب الأمن القومي العربي
يجب ألا يتوقع أحد أن تتبرع "إسرائيل" أو إثيوبيا بالكشف عمّا يحاك بينهما ضد مصر من وراء الكواليس، فليبرمان الذي يدير السياسة الخارجية لإسرائيل في إفريقية هو نفسه الذي هدد يوماً بقصف السد العالي، في حين يصر وزير المالية يوفال شطاينتس على اعتبار مصر «دولة عدو» على الرغم من توقيع اتفاقية السلام.
توظيف إسرائيل لعلاقاتها مع الدول والحركات التي تناصب الدول العربية العداء في المس بالأمن القومي العربي وإلهاء الدول العربية المؤثرة وإشغالها بمشاكل ثانوية وذلك لتقليص مدى تدخلها في الصراع العربي الإسرائيلي يعتبر جزءاً أصيلاً من العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
التحالف مع أعداء الأمة
وقد وثّق هذا التوظيف بشكل نادر "شلومو نكديمون" مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق شامير الذي أشار إلى أن "إسرائيل" دأبت منذ الخمسينيات من القرن الماضي على توثيق علاقاتها مع الأكراد في شمال العراق من أجل تعزيز توجهاتهم الانفصالية لضرب الدولة العراقية والتأثير على أولويات الدولة العراقية. وبنفس المنطق عززت "إسرائيل" علاقاتها مع نظام الشاه، وكذلك مع تركيا بقيادة العسكر والعلمانيين لعدائهما المستحكم تجاه الدول العربية. في الوقت نفسه فإن قصة التحالف الإسرائيلي مع قسم من موارنة لبنان ماثلة للعيان، واعتماد "تل أبيب" عليهم في ضرب المقاومة الفلسطينية والحركات الوطنية اللبنانية. ويشير نكديمون في كتابه «حلف الأطراف» (periphery alliance)، إلى أن المنطق نفسه أملى على "إسرائيل" إقامة علاقات وثيقة مع الحركة الشعبية لتحرير السودان التي تطالب بانفصال السودان، حيث حرصت "إسرائيل" على مد قوات الحركة بالسلاح والعتاد الحربي،علاوة على تدريب عناصرها. في الوقت نفسه فإنه ليس سراً أن "إسرائيل" شجعت اللوبيات اليهودية في الولايات المتحدة على وضع الأجندة التي ترفعها بعض نخب الأقباط في المهجر على جدول أعمال كلٍّ من الكونغرس والإدارة الأميركية، وتحديداً الدعاوى المتمثلة في التضييق على الأقباط وعدم المساواة في التعامل معهم، وغيرها من الملفات.
حلفاء حسب المصلحة
وكانت علاقة رئيس أرتيريا أسياس أفورقي قوية جداً بإسرائيل، وقد أغرت "تل أبيب" أفورقي بالعمل على تهديد الأمن اليمني عندما أقنعته باحتلال الجزر اليمنية في البحر الأحمر، مستغلاً التفوق العسكري الذي ضمنه السلاح الذي زودته به "إسرائيل"، لكن كما أشرنا سابقاً فإن السياسة الإسرائيلية في إفريقية تقوم على المصالح فقط، فعندما وجدت "إسرائيل" أن مصلحتها تقتضي تعزيز علاقتها مع إثيوبيا خصم أفورقي اللدود، على حساب أرتيريا لم تتردد في لفظ أفورقي. من هنا فإن التجربة التاريخية تدلل على أن "إسرائيل" تقف بهذا الشكل أو ذلك خلف التحرك الإثيوبي، مدفوعة بحسابات مصلحتها الإستراتيجية، فـ"تل أبيب" معنية بإلهاء مصر وإشغالها بنفسها، على اعتبار أنها ستظل تمثل أكبر تحد إستراتيجي لـ "إسرائيل"، كما يجاهر بذلك نائب رئيس الوزراء ووزير التهديدات الإستراتيجية في حكومة نتنياهو الجنرال موشيه يعلون، والذي شغل في الماضي منصب رئيس هيئة أركان الجيش.
مصالح إستراتيجية
لكن اهتمام إسرائيل في «القرن الإفريقي» لا ينحصر فقط في محاولة التأثير على الأمن القومي المصري من خلال محاولة المس بحصة مصر من مياه النيل، بل يتعداه إلى تحقيق أهداف إسرائيلية كبيرة، حيث إن «القرن الإفريقي» يشرف على «باب المندب»، الذي تمر من خلاله 20% من التجارة الخارجية لإسرائيل. ومما لا شك فيه أن تصاعد دور تنظيم «القاعدة» والجماعات المرتبطة به في هذه المنطقة وتحديداً في الصومال زاد من حاجة "إسرائيل" إلى تواجد في المنطقة، وتدخل إثيوبيا كدولة مقربة من "إسرائيل" في الشأن الصومالي أسهم في تسهيل المهمة على "إسرائيل"، وهناك مؤشرات على أن "إسرائيل" وظفت الاحتلال الإثيوبي لأجزاء واسعة من السودان في منح «الموساد» موطئ قدم في هذه الدولة الممزقة، خشية أن يتحول عناصر التنظيم للمس بالسفن الإسرائيلية التي تبحر في المحيط الهندي والبحر الأحمر، وخاصة في ظل ازدهار عمل القراصنة الصوماليين.
ولا يخفي مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلي الأسبق تسفي بار قلق "إسرائيل" من ازدياد معدلات انتشار الإسلام في إفريقية على اعتبار أن هذا العامل يثير القلق بشكل أساسي بالنسبة لـ "تل أبيب"، حيث يفترض بار أن هذا التطور يفضي إلى بيئة سلبية للمصالح الإسرائيلية، وهو ما يفاقم من حاجة "إسرائيل" لوجود مكثف وعميق في المنطقة. وعندما تتوجه "إسرائيل" لأنظمة الحكم في الدول التي تعاني من صراعات على خلفية قبلية، يكون أحد أطرافها المسلمون، فإنها تذكر هذه الأنظمة أنه بالإمكان الاعتماد على تجربتها في مجال مواجهة الحركات الإسلامية.. من هنا نجد أن "إسرائيل" بذلت جهوداً كبيرة في التقارب مع نيجيريا على وجه الخصوص ووقعت معها على صفقة لتزويدها بالسفن الحربية.
لكن هناك قائمة كبيرة من المصالح الإسرائيلية في إفريقيا، تعمل على ضمان عدم المس بها، وتتمثل في:
1- احكام السيطرة على صناعة التنقيب على النفط في إفريقيا، حيث تتولى شركات إسرائيلية بغطاء أوروبي التنقيب عن النفط في عدد من الدول الإفريقية، وقد تعززت رغبة "إسرائيل" في استغلال احتياط النفط الإفريقي على أثر التقارير التي أصدرتها الأمم المتحدة والتي تحدثت عن أن الاحتياط الإفريقي من النفط يصل إلى أكثر من 80 مليار برميل.
2- تستغل "إسرائيل" المواد الخام التي يتم استخراجها من الدول الإفريقية، ولا سيما اليورانيوم، حيث إنه في بعض الأحيان يتم هذا الاستغلال بعلم الدول الإفريقية، وأحياناً تستغل "إسرائيل" ضعف بنية الدولة والرقابة في الدول الإفريقية وتقوم بالبحث عن اليورانيوم واستخراجه دون أن تضع الدول الإفريقية في صورة ما تقوم به. ففي كتابه «بقوة العلم»، كشف العالم النووي الإسرائيلي "أرئيل بخراخ" النقاب عن أن "إسرائيل" قامت بسرقة اليورانيوم من دول إفريقية دون علمها، بحجة أن علماءها كانوا يقومون بأبحاث جيولوجية في صحارى هذه الدول.
3- تعتبر إفريقية سوقاً واسعاً للمنتوجات الإسرائيلية، ولا سيما في مجال الصناعات الحربية.
4- تحتكر "إسرائيل" الكثير من الصناعات والمرافق الاقتصادية في عدد من الدول الإفريقية، فعلى سبيل المثال تحتكر الشركات الإسرائيلية صناعة الغذاء في إثيوبيا.
5- تعتبر صناعة وتصدير الألماس أحد أهم مصادر الدخل القومي الإسرائيلي، حيث إن كل الألماس يتم استخراجه من الدول الإفريقية.
وتاريخياً استخدمت "إسرائيل" أدوات متعددة في تعزيز علاقاتها مع الدول الإفريقية، فتارة عبر تصدير الخبرات الفنية في مجال الزراعة، وتارة في مجال التدريب العسكري وتأهيل الألوية العسكرية المسؤولة عن حماية أمن الرؤساء الأفارقة وتقديم العلاج الطبي سراً لأرباب الحكم في المستشفيات الإسرائيلية، واستيعاب الطلاب الأفارقة في الجامعات الإسرائيلية. وفي بعض الأحيان لم تتردد "إسرائيل" في المساهمة في تدبير انقلابات عسكرية في بعض الدول الإفريقية، وكما يؤكد الصحفي يوسي ميلمان معلق الشؤون الاستخبارية الإسرائيلية فإنه في حكم المؤكد أن الموساد أسهم في حدوث انقلابين في كل من أوغندا وزنجبار.
إن الذي يصيب المرء بالإحباط هو حقيقة أن "إسرائيل" تتحرك في القارة الإفريقية دون أن تواجه أي مقاومة عربية على الإطلاق، حيث إن الدول العربية تحرص على عدم استغلال الكثير من الأدوات التي بإمكانها استخدامها ليس منع التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا، بل حتى لا تواصل "إسرائيل" توظيف هذا التغلغل في المس بالأمن القومي العربي. فكلمة سر مشروع إسرائيل مقابل فراغ عربي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018