ارشيف من :أخبار لبنانية

"قصف صاروخي" على بعبدا في العيـد العاشـر للتحريـر

"قصف صاروخي" على بعبدا في العيـد العاشـر للتحريـر

ادمون صعب - السفير

«ليست الأوطان هدايا تمنح، ولا ضرائب تفرض، وإنما تنشئها الأرض، وترسّخها وشائج وروابط وتقاليد ومصالح، وآلام وآمال مشتركة، قوتها من اتحاد بنيها وإرادتهم وتصميمهم»
صائب سلام (17/4/1961)

لم يكن مستغرباً، في الذكرى العاشرة للتحرير، الإنجاز الكبير للمقاومة في الجنوب والبقاع الغربي: دحر العدو الإسرائيلي في 25 أيار 2000، أحد أكبر جيوش العالم عدة وتجهيزاً بأحدث تكنولوجيا عسكرية أميركية، على أيدي كوكبة من المجاهدين الأبطال، المؤمنين بالأرض والوطن.

لم يكن مستغرباً «الصاروخ» الذي وجهه رئيس الهيئة التنفيذية في «القوات اللبنانية» سمير جعجع، رئيس الأركان سابقاً في «القوات اللبنانية» (خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان) إلى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان بقوله إنه لم يعد يمثل جميع اللبنانيين الذين أجمعوا على اختياره رئيساً في 25 أيار 2008، في الذكرى الثامنة للتحرير، وبدعم عربي ودولي لا نظير له، وإنه بات يمثل فريقاً منهم يلتف حول المقاومة ويدعمها! معتبراً أن مهمة تحرير الأرض معادلة مثلثة يشارك فيها الشعب والجيش والمقاومة جنباً إلى جنب.

وقد تحاشى جعجع التصويب على «حزب الله» وسلاحه لأنه «كفّى ووفّى» في هذا الموضوع، قبل عودة طاولة الحوار حول الاستراتيجية الدفاعية والتي تقرر فيها إبقاء موضوع السلاح داخل جدران هيئة الحوار، لئلا يشكل الاعتراض عليه إشارة خاطئة إلى العدو الإسرائيلي.

وقد فتح جعجع النار على الرئيس سليمان اثر الحديث الذي أدلى به إلى قناة «المنار» الناطقة باسم «حزب الله»، عشية عيد التحرير، وقال فيه: «يجب أن ننتبه إلى أن إسرائيل تسعى من خلال تهديداتها إلى خلق الفتن في الشارع اللبناني، وبين اللبنانيين فتقسمهم بين مؤيد للصراع مع إسرائيل وغير مؤيد لذلك».
 
وهذه نقطة غاية في الأهمية يدرك مغزاها القائد السابق للجيش الذي توجه إلى الجنوب، بعد أدائه قسم اليمين كضابط شاب في العام 1970، ووُلّي إمرة مخفر متقدم للجيش في قرية اللبونة، التي عاد إليها بعد حرب تموز ليرفع فوقها العلم اللبناني، بعد رجوع الجيش إلى الحدود بعد غياب عنها دام خمساً وثلاثين سنة. كما نجا من الموت بأعجوبة في حرب تموز 1993 بعد تعرض سيارته لقصف جوي إسرائيلي استشهد فيه سائقه، كما احترقت السيارة التي كان ترجل منها قبل لحظات في إطار تفقده، كقائد للجيش، المراكز التي تعرضت للقصف في منطقة صور.

ويدرك الرئيس جيداً، بحكم الخبرة والتجارب الكثيرة التي مر بها اللبنانيون، والمسيحيون بنوع خاص، أن هناك من يعتقد أن إسرائيل هي «عامل توازن» في المنطقة، وأن قوتها وجبروتها سيحميان الأقليات، وفي مقدمها الأقليات المسيحية، من «الطوفان» العددي الإسلامي، كما سيقفان في وجه الأصولية الإسلامية المعتمدة على العنف في جهادها لـ«تنظيف ديار الإسلام من الكفرة والزنادقة والمشركين».

ولا يزال الرئيس يذكر ما حل بالمسيحيين في حرب الجبل التي تواطأ فيها الإسرائيليون مع بعض «الجيوش» التي كانت تتواجه مع «القوات اللبنانية» هناك، وبعد التهديدات التي وجهها أرييل شارون، وزير الدفاع الإسرائيلي في اجتياح لبنان عام 1982 إلى المسيحيين إثر اجتماع عاصف بأركان «الجبهة اللبنانية» عقد في منزل الشيخ بيار الجميل في الأشرفية في آخر كانون الثاني 1983 وقال لهم فيه: «عندما طرحت عليكم خطورة دخول الجيش الإسرائيلي (عام 1982) تحمستم ووافقتم، وأكدتم أنكم معنا».
 
وكان يوجه كلامه إلى الشيخ بيار الجميل الذي سارع إلى القول: «هذا صحيح، لقد قلت لكم إننا معكم، ولكن لم أقل إننا ضد العرب». وهنا أدرك شارون اختلاف الحسابات، فاغتاظ وهاج، وخرج، وضرب الحاجز الخشبي بين الصالون والباب الخارجي بصدره فكسره، وقال لبيار الجميل: «انزع صور بشير عن الحائط، وودع لبنان» (يراجع كتاب «لعنة وطن» لكريم بقرادوني ـ ص 51).

... وجاءت المقاومة فطردت الإسرائيليين واسترجعت لبنان.

نقول إننا لم نستغرب صاروخ جعجع فقد سبقه البطريرك الماروني الكاردينال نصر الله صفير في التصويب على الرئيس وإعطاء الضوء الأخضر لمهاجمته والتشكيك في سلامة مواقفه، فهو قال إثر عودته من الأردن في 9 أيار الجاري، إن موقف الرئيس المؤيد للمقاومة «له أسبابه». بمعنى أنه ليس حراً في مواقفه.

وحبذا لو تواضع سيدنا البطريرك بعض الشيء، ونظر في بلد يقبض المسيحيون الموارنة، التابعون لكنيسته، على مقود الدفاع عن لبنان من خلال قيادتهم للجيش، دون سواهم. فدعا آخر أربعة قادة لهذا الجيش وهم العماد ميشال عون، والعماد إميل لحود، والعماد ميشال سليمان، والعماد جان قهوجي (وربما آخرون)، إلى اجتماع في بكركي للاطمئنان منهم إلى مناعة الوطن، وسلامة الموقف من المقاومة. وسؤالهم عن أفضل السبل للدفاع عن لبنان، في حال تعرضه لعدوان، بدل جعل البطريرك نفسه بمثابة «رئيس أركان ومخطط استراتيجي، مما يذكّرنا بسؤال ستالين في الحرب العالمية الثانية عن حجم الجيش الذي يملكه الفاتيكان حتى يحسب للبابا حساباً!

لقد أعطى البطريرك الضوء الأخضر، ويا للأسف، للتصويب على الرئيس في الموضوع الدفاعي المقاوم، بعدما كان دافع عنه، ومعه جعجع وآخرون يرون رأيه، إثر الانتقادات التي وجهها إلى الرئيس بعض المعارضين السابقين.

ورب سائل: هل ينقص المسيحيين تضعضع فوق تضعضعهم وتفتتهم الذي بات مضرب مثل؟

ثم أين أخطأ سليمان وخالف خطاب القسم، على ما قال جعجع، عندما أكد أن «قوة الردع (معادلة الشعب والجيش والمقاومة) هي التي تمنع إسرائيل من العدوان (...) ويجب ألا نخضع للضغط والتهويل والخوف والهلع، بل يجب أن نتماسك».

وإذا كان من حق جعجع ومن معه أن يبدوا تخوفهم من سلاح «حزب الله»، خصوصاً بعد دخول الصواريخ المضادة للبوارج الحربية التي أعلن عنها السيد حسن نصر الله أول من أمس وهدد بها إسرائيل، فإن كلام الرئيس مُطَمئِنْ إلى درجة كبيرة. وهو يأتي معطوفاً على الطمأنة الأميركية التي قيل إن رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري حصل عليها بعد لقائه الرئيس باراك أوباما في البيت الأبيض.

وكان سليمان قال لـ«المنار» كلاماً مشابهاً لما ورد في خطاب القسم الذي يطالب جعجع بالعودة إليه، ومنه: «إن خيار المقاومة هو خيار ضد العدوان والظلم. وهو الخيار المتاح عندما لا يكون هناك تكافؤ وتعادل في القوى. هو الخيار الذي يؤمن استعادة الحقوق، وردع المعتدي».

وكان قال في خطاب القسم في موضوع المقاومة: «إن نشوء المقاومة، كان حاجة في ظل تفكك الدولة، واستمرارها كان في التفاف الشعب حولها، وفي احتضان الدولة كياناً وجيشاً لها. ونجاحها في إخراج المحتل يعود إلى بسالة رجالها وعظمة شهدائها».

بعد كل ذلك، أين أخطأ سليمان حتى يتحول فئوياً ويفقد ثقة بعض المسيحيين به، وربما بعض المسلمين الذين فضّلوا ـ كما أيام الميليشيات ـ أن يرد مسيحي ماروني على الرئيس المسيحي الماروني، بدلاً من أن يرد عليه «نائب بيروتي» وافتعال مشكلة مع المقاومة وهو النائب الذي غالباً ما كان يكلف «المهمات الصعبة» وآخرها انتقاد وزير الداخلية زياد بارود وتهديد مستقبله السياسي، إثر الانتخابات البلدية في بيروت وتعليق بارود عليها لجهة نسبة الاقتراع المتدنية، مما أغضب «تيار المستقبل» فكلف نائبه التهويل عليه!

إن الإنصاف يقضي بالقول إن الرئيس ميشال سليمان هو رمز وطني. لا غبار على صدقه وإخلاصه للبنان.

وهذا ما يدركه في قرارة نفسه البطريرك وسائر «جنرالات» الرعية!

2010-05-27