ارشيف من :أخبار لبنانية

كلام حريري خطير...

كلام حريري خطير...
جان عزيز - الاخبار

أكثر من عامل وسبب يجعل كلام سعد الدين الحريري في جامعة جورجتاون في واشنطن، بالغ الخطورة. منها أنه كلام مكتوب، وبالتالي مدروس ومفكَّر فيه ومسؤول. ومنها أنه قيل على منبر أكاديمي رفيع، ومنها أنه يصدر في الولايات المتحدة تحديداً، ومنها أن قائله هو مَن هو، في عائلته وبيئته ووطنه، أولاً وثانياً...

أما مضمون الخطورة، ففي مسألتين أساسيتين: واحدة تتعلّق بفلسطين، والثانية بلبنان.

في المسألة الفلسطينية أولاً، عمد الحريري في كلمته المعدّة سلفاً إلى الربط بين تلك القضية المزمنة من جهة، وبعدين اثنين أرادهما داعمين لدفاعه عنها من جهة أخرى، ألا وهما البعد الإسلامي أولاً، ومسألة الإرهاب العالمي ثانياً.
 
وفي خلفية ما قرأه الحريري، تفكير منطقي مفاده الآتي: إن هاجس الغرب اليوم، وتحديداً هاجس الولايات المتحدة الأميركية، يتمحور حول كيفية مقاربة العالم الإسلامي، وكيفية وأد الإرهاب. وبالتالي ـــــ يتابع منطق المكتوب الحريري نفسه ـــــ إذا نجحتُ في تقديم مرافعتي عن القضية الفلسطينية ومطالبتي بإيجاد حل لها، على أنهما يصبّان في سياق تحسين علاقة أميركا بالإسلام أولاً، وتحصين قدراتها على تجفيف مستنقعات الإرهاب ثانياً، أكون قد حقّقتُ النجاح المطلوب.

غير أن لهذا المنطق عيوباً أكثر من فوائده وأكبر. عيبه الأول هو هذا التمادي في مذهبة قضية إنسانية وتطييفها و«تديينها»، وهو في مكان سقوط في فخ الإيديولوجيا الإسرائيلية الدينية، فيما فلسطين مسألة حق وقضية إنسان، لا يعوزها سند «شرعي»، ولا تحتاج إلى تبرير «مقدّس» لإثبات حقها.

هذا التشويه لقضية فلسطين معمَّم في لبنان وخارجه، ومؤذٍ لجوهر المسألة وعمقها الإنساني.

ومن عيوب هذا المنطق «الدفاعي» تنفير رأي عام عالمي عن قضية حق، حين نمسخها قضية دينية. وإلّا، فليشطب هذا الخطاب من سجال عشاق تلك القضية راشيل كوري وجوزف سماحة.

ومن عيوب المنطق نفسه، أنه يوحي أو حتى يشي صراحة، بإرهابية ما، تلازم العمل التحرري الفلسطيني، وهو أمر من دون جدوى سياسية الآن، ولا في أي آن كان. لا بل على العكس، فإن مصلحة القضية الفلسطينية تقتضي دوماً الفصل القاطع بين كل أشكال نضالاتها وبين كل أنماط الإرهاب والتطرف،
ليظلّ العيب الأكبر في كلام الحريري هذا، في التعمية على الأسباب الفعلية للإرهاب، وللتطرف، وفي مجانبة مقاربتها جدياً ومعالجتها جذرياً.

فالحريري يعلم تمام العلم أن من بين إرهابيي 11 أيلول على سبيل المثال، تسعة عشر من جنسية واحدة، من بيئة لا علاقة لها بقضية فلسطين، ولا قرابة لها مع أحزمة البؤس والفقر والحرمان ونظريات ثورات الخبز وعنف الحضيض... للإرهاب جذور أخرى، وعلّة أخرى، وضرورات مواجهة ومكاشفة ومصارحة، لا علاقة لها بالنضال من أجل فلسطين...

ذات يوم، سأل مفكر أميركي ـــــ وهو غير مؤيد لإسرائيل أصلاً ـــــ عن سرّ تلك المفارقة، بين عدم استهداف الهند الصينية مدنياً أميركياً واحداً، رغم أن الجيش الأميركي قد صبّ على شعوبها ثلاثة أضعاف القوة النارية التي عرفتها الحرب العالمية الثانية، وبين أن يُستهدف مدنيون أميركيون بحجّة أن إدارة واشنطن داعمة لإسرائيل؟

ترى، بماذا يجيب خطاب الحريري عن هذا التساؤل؟

تبقى المسألة الثانية في خطاب جورجتاون، وهي المتعلقة بلبنان. يقول الحريري في كلمته المكتوبة إن هذا الوطن علّمه الكثير، ومما تعلّمه فيه «أن أتكيّف مع المتغيّرات من حولي». خطير جداً هذا الكلام. وهو خطير أكثر في السياق السياسي لتموضع الحريري الراهن. هل يشمل مبدأ «التكيّف» هذا، ذلك التموضع؟ أم أنه بدافع اكتشافه للثوابت وإدراكه لما لا يتغيّر في لبنان، والتزامه به؟

في الذاكرة والأدبيات اللبنانية، مواقف «تكيّفيّة» كثيرة مماثلة. منها ما كتبه الراحل حسن خالد عن قبول المسلمين بالكيان اللبناني «في انتظار الظرف الأفضل واليوم الأبرك». ومنها ما نقله كريم بقرادوني في سلامه المفقود، عن الراحل حافظ الأسد ورؤيته لأسباب «تكيّف» المسلمين في لبنان، في ظل «مسدس» أبو عمّار...

خطير كلام الحريري المكتوب. خطير لأنه مكتوب، ولأنه حريري، ولأنه ليس مجرد كلام.

2010-05-27