ارشيف من :أخبار لبنانية
"منظمـة التـعاون" تحتفي اليـوم بنتنياهـو: تشـريع الاحتـلال... بانتـظار وعـود فارغة
محمد بلوط - السفير - باريس
الاحتفاء برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا حدود له في قصر «البورت دولا موييات» في الدائرة السادسة عشرة. نادي أثرياء العالم وأقويائه الثلاثين، دشن عهدا جديدا في العلاقات الدولية، بضمه إسرائيل إليه على قواعد اقتصادية بحتة تستبعد أي معايير سياسية تقفل ملف محاسبة إسرائيل على احتلالها الأراضي العربية.
وتحت أنظار نظيره الإيطالي سليفيو برلسكوني رئيس الدورة الحالية للمنظمة، ورئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا فيون، يوقع نتنياهو على وثيقة انضمام إسرائيل إلى لائحة تضم نواة الدول الصناعية في الاتحاد الأوروبي الغنية وأكثرها تقدما تكنولوجيا واجتماعيا، بالإضافة إلى اليابان والولايات المتحدة وكندا والمكسيك وتشيلي وتركيا، وبحضور وزراء خارجيتها وممثليها، فيما تقف بلدان كالصين وروسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا في صف الانتظار الطويل والشديد الانتقائية.
وكان يكفي أن يعترض بلد واحد من الأعضاء الثلاثين على مكافأة إسرائيل بعضويتها لنادي الأغنياء خلال السنوات الست عشرة التي استغرقتها عملية الانضمام كي تتعطل العملية برمتها.
وبعدما رفع النروجيون والسويسريون اعتراضاتهم الأخيرة على ضم إسرائيل، لقاء تعهدات غامضة بأن تستثني من إحصاءاتها الاقتصادية بعد عامين الناتج الاقتصادي في القدس المحتلة والضفة الغربية، كان من المتوقع أن يتقدم الأتراك، منطقيا في ظل التموضع الدبلوماسي التركي الجديد المناهض للسياسة الإسرائيلية، بالتصويت سلباً في العاشر من أيار على ضم إسرائيل إلى المنظمة. لكن التوقعات خابت كما يبدو اليوم، بعدما صوت الثلاثون بالإجماع على رفع إسرائيل إلى درجة الدولة المتقدمة، وهو الإنجاز الرمزي الأول الذي تحققه الخطوة الجديدة.
ويبرر الأتراك تغاضيهم عن الانتصار الإسرائيلي المنتظر، بترويج أنباء في مقر المنظمة في باريس عن تعرضهم لضغوط أميركية كثيفة لمنع أي فيتو يقطع الطريق أمام نتنياهو، والحاجة الأميركية لمساعدته على تحقيق إنجاز دولي في أحرج الأوقات، وإحباط دعوات منظمات غير حكومية وحملات يجري تنظيمها لمقاطعة إسرائيل بسبب سجلها الأسود في غزة ولبنان.
ويبدو أن قناعة دبلوماسية فرنسية وأميركية، لا يمكن وصفها إلا بالخرقاء، انتقلت عدواها إلى أعضاء منظمة التعاون والتنمية للاقتراع كرجل واحد لبنيامين نتنياهو، ومفادها انه لا يجب الضغط على إسرائيل لفرض تنازلات عليها، وأن مقاطعتها لن تزيدها إلا تشبثا بمواقفها، وأنه يجب «معاقبتها بالهدايا» لتليين مواقفها.
وأبعد من الإنجاز الرمزي يسجل الإسرائيليون انتصارا دبلوماسيا كبيرا وسابقة خطرة في العلاقات مع المنظمات الدولية، فرضوا فيها أداءهم الاقتصادي معيارا وحيدا في التعاطي معهم لضمهم أو إقصائهم منها، كأي دولة «عادية».
وتخلت الدول الغنية بسهولة عن تحفظاتها، الشكلية في الواقع، على خلط الإسرائيليين ما يسلبونه من الضفة الغربية والجولان المحتل والقدس عبر المستوطنات، ببقية الأرقام الإسرائيلية وفي إحصاءات واحدة لا تفصل ناتج المستوطنات عن الناتج الإسرائيلي الخام، وهي الكتلة من الأرقام التي أهلتهم للصعود إلى مرتبة الدولة الاثنتين والعشرين في ترتيب منظمة التعاون والتنمية. وتقدمت إسرائيل برقم يجاور ثمانين مليار دولار من الناتج السنوي، ومدخول فردي متوسط يبلغ 28 الف دولار سنويا. وتتجاهل الأرقام تفاوت التوزيع بين عرب إسرائيل ويهودها الذين يحوزون أكثرية القطاعات داخل إسرائيل التي يعيش 20 في المئة من سكانها تحت خط الفقر.
ومن دون مبالغة، لا يمكن النظر إلى خطوة من فتحوا الباب لإسرائيل إلى المنظمة إلا باعتبارها موافقة على تشريع احتلال إسرائيل للضفة والجولان والقدس، وتطبيع اقتصاد المستوطنات الذي لم تجرؤ أوروبا على اتخاذ موقف عملي منه، وتنفيذ قراراتها بمقاطعته.
كما أن إسرائيل لن تكون بعيدة عن المطالبة بإحياء عملية ضمها إلى شراكة إستراتيجية مميزة مع الاتحاد الأوروبي، كانت على حافة الإنجاز العام الماضي، لو لم يوقفها خجل أوروبي من المذابح التي ارتكبتها إسرائيل في غزة.
وعمليا ستحصل إسرائيل من خلال توقيع نتنياهو اليوم على وثيقة الانضمام الأولى، على رفع علاماتها لدى وكالات التقييم الاقتصادي العالمي، وتراهن على جذب ما لا يقل عن 5 مليارات دولار إضافية من الاستثمارات والاستفادة من خبرة المنظمة في مجالات نقل التكنولوجيا والتأهيل المهني والاقتصادي، والتربوي، من دون أن تقدم أدنى تنازل سياسي، سوى الوعود بفصل الأرقام في الضفة والقدس والجولان ومستوطناتها عن إحصاءاتها، وليس وقف عمليات السلب والسرقة والاستيطان.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018