ارشيف من :أخبار لبنانية

معـادلة «الـردع البحـري» تجعـل الحـرب... أبعـد

معـادلة «الـردع البحـري» تجعـل الحـرب... أبعـد

عماد مرمل - "السفير"

إذا كانت المقاومة قد اعتادت خلال «حرب تموز» على مباغتة العدو الإسرائيلي بمفاجآت منظمة وبجرعات مدروسة، فهي على ما يبدو قررت ان تستعمل التكتيك ذاته في زمن الهدوء أيضاً... لمنع وقوع الحرب، مرة أخرى، أطول وقت ممكن.
بعد اغتيال الشهيد عماد مغنية، خرج الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله في مناسبات عدة ليقول إن دمه سيعجّل في نهاية إسرائيل، متحدثا عن امتلاك المقاومة القدرة على تغيير وجه المنطقة في الحرب المقبلة، ولكنه احتفظ بالتفاصيل. كانت هذه إشارة اولى الى ان ما يخفيه حزب الله هو أعظم بكثير مما يفترضه الكثيرون.
 
في مرحلة لاحقة، وجه نصر الله رسالة أكثر وضوحاً الى الإسرائيليين: «مطار بن غورين مقابل مطار رفيق الحريري، وأبنية تل أبيب مقابل ابنية الضاحية الجنوبية، ومعامل الكهرباء لديكم مقابل معامل الكهرباء لدينا، ومصانعكم مقابل مصانعنا». باختصار كان ذلك إعلانا صريحاً عن امتلاك أسلحة تصيب إصابات دقيقة من جهة وأن البنية التحتية الاسرائيلية اصبحت... «أسيرة حرب» من جهة ثانية.
انشغل الإسرائيليون آنذاك بتفكيك رموز تلك المعادلة وبمحاولة الإجابة على تحدياتها، فتلاحقت المناروات العسكرية والمدنية في محاكاة ميدانية لكل الاحتمالات، في موازاة تشغيل محركات النفوذ الاسرائيلي في الغرب بكل قوتها وأحصنتها، للجم تسلح حزب الله ولتأمين مظلة حماية تكنولوجية وسياسية من صواريخه الافتراضية.
وفي ذروة الانخراط الاسرائيلي جيشاً ومجتمعاً في مناورة « نقطة تحول - أربعة» المعدة لواجهة تحديات اليابسة، أخرج نصر الله من كمه أرنباً جديداً: «إذا حاصرتم سواحلنا سنحاصر سواحلكم ونضرب السفن المتجهة الى موانئكم».

شكل هذا الإعلان تطوراً استراتيجياً نوعياً في مسار الصراع مع اسرائيل، كشف جانباً إضافياً من حجم القفزة الحاصلة في قدرات المقاومة بعد حرب تموز 2006، ومن الواضح ان نصر الله اختار توقيتاً مدروساً بعناية ليثير هذه العاصفة في مياه البحر المتوسط والتي ستجعل من عاصفة صواريخ الـ«سكود» مجرد مزحة، وإن يكن هناك من تساءل عن سبب عدم الاحتفاظ بهذا السر العسكري الى حين وقوع الحرب ومباغتة الجيش الإسرائيلي في عقر المياه الإقليمية المحتلة، تماماً كما حصل في حرب تموز حين راحت تتكشف تباعاً تقنيات ضرب دبابات الميركافا وإصابة البوارج الحربية من دون مقدمات مسبقة، الأمر الذي ابقى المبادرة بحوزة المقاومة وأتاح لها أن تتفوق على العدو.

يستنتج المطلعون على خلفيات خطاب نصر الله أنه أراد أن يقول للاسرائيلي المستغرق في مناورة» تحول - أربعة»: انت تحاول سد ثغراتك في الجبهة الداخلية تحضيراً للعدوان المقبل ونحن نقول لك إن لديك ثغرات كبرى في جبهتك البحرية ستمنعك من شنه... وهناك ثغرات أخرى قد نساعدك في الكشف عنها وربما لا نساعدك.

وما يجدر التوقف عنده في هذا السياق، عبارة أوردها الأمين العام لحزب الله في سياق كلامه لمناسبة العيد العاشر للمقاومة والتحرير، لما تحمله من معان ودلالات برغم انه تعمد تغليفها بقشرة من الدعابة. قال نصر الله مبتسماً: نحن نتحدث الآن عن البحر الأبيض المتوسط ولم نصل بعد الى البحر الأحمر.
يشي الجزء الأخير من هذه العبارة - معطوفاً على التأكيد أن أي سفينة تدخل المياه الاقليمية الفلسطينية ستكون في مرمى الصواريخ - بأن حزب الله لا يملك فقط سلاحاً نوعياً قادراً على تكبيل موانئ العدو وسواحله، وإنما يملك ايضا تقنية رصد حركة السفن المبحرة في اتجاهها، لأنه ليس ممكناً بطبيعة الحال التقاط هذه السفن سواء في البحر المتوسط او الاحمر بالعين المجردة، ما يفتح الباب امام اجتهادات واسعة حول طبيعة التكنولوجيا التي باتت بحوزة المقاومة وتتيح لها الاستشعار عن بُعد.

كما ان منطق «الجرعات المتدرجة» الذي يستعمله الحزب في تنظيم عروض القوة، يفتح شهية المخيلة على تصور سيناريوهات أكثر جرأة حول نوعية الأسلحة التي دخلت الى مخازن الحزب. والفرضية الأبرز في هذا المجال هي المتعلقة بإمكان ان تكون المقاومة قد حصلت على شبكة دفاع جوي تستطيع إسقاط الطائرات الحربية الإسرائيلية التي تحلق في الأجواء اللبنانية، لا سيما أن ما ظهر من الاوراق حتى الآن يوحي بأن تسلسلها يقود الى كل الاحتمالات، علماً أن العارفين بحقيقة قدرات المقاومة يؤكدون ان ما هو ثابت ان الطائرات المعادية لن تجد مدارج تعود اليها في حال نشوب الحرب.
وبمعزل عما هو آت، فإن ورقة توازن الردع البحري التي أخرجها نصر الله من تحت المياه، ستساهم على الأرجح في جعل خيار الحرب يبتعد أكثر من أي وقت مضى خلافاً لبعض المظاهر التي تطفو على السطح، لأن من شأن التحول المستجد في قدرات المقاومة ان يجعل حسابات المواجهة أكثر تعقيداً بالنسبة الى قادة العدو.
 
وتقول شخصية مقربة من المقاومة إن كل الإجراءات الوقائية والاستباقية التي ينفذها العدو لن تجدي نفعاً، وبالتالي فهو لن يجرؤ على شن عدوان قريب، لأن هناك أربع نقاط ضعف في وضعيته لم يتمكن بعد من معالجتها:
- عدم قدرته على الحؤول دون انهمار الصواريخ على كامل المساحة البرية لكيانه، إضافة الى عمقه البحري الذي فتح له حسابٌ في «بنك الاهداف».
- عدم وثوقه في نجاح عمليات التدريع التي قام بها لدباباته من أجل حمايتها، نتيجة جهله لنوعية الأسلحة المضادة التي حصل عليها حزب الله في المقابل.
- عدم معرفته الاستخبارية بعناصر القوة التي راكمتها المقاومة خلال السنوات الأربع الماضية.
- عدم الانتهاء من تدريب العدد الكافي من الجنود لخوض القتال على نمط مقاتلي حزب الله الذين استطاعوا ان يفرضوا إيقاعهم على العدو وأن يجروه الى حلبتهم.
يبقى ان أهم الخلاصات التي ينطوي عليها كلام نصر الله هو انه أظهر منهجية في عمل المقاومة، غير مسبوقة في تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي، إذ ان هذه المقاومة لم تنم على أمجاد الانتصارات المنجزة، بل هي تخوض سباقاً يومياً مع العدو للحفاظ على الجهوزية المطلوبة ولتعزيزها بمزيد من الخبرات والامكانيات، ما يعني ان «عدّاد» المناورات في الكيان الاسرائيلي سيكون مرشحاً في المستقبل لضرب أرقام قياسية.



2010-05-28