ارشيف من :أخبار لبنانية

التحرير متكاملاً

التحرير متكاملاً
الفضل شلق - "السفير"

تحررت الأرض في الجنوب. حررها شعبها. يبقى أن يتحرر لبنان من نظامه لبناء نظام أفضل بنضال أبنائه، جميع أبنائه المتضررين من ظلم النظام السياسي الاجتماعي وسيئاته. تحرير أرض الجنوب كان شبه محصور بشعب الجنوب على ما ذلك من معان طائفية. أما تحرير بقية لبنان فهو يتطلب تعاون وتكاتف جميع أبنائه ويتطلب قبل كل شيء، محاربة الطائفية والقضاء عليها. الطائفية تفرق ولا توحد، لذلك فإن القضاء عليها يشكل جزءاً كبيراً من أي برنامج نضالي.
 

يستخدم الاستعمار سواء كان من النوع التقليدي الاستعماري أو كان استعماراً استيطانياً على النمط الإسرائيلي، سياسة فرق تسد. سياسة التفرقة والتجزئة السياسية هي البرنامج الأساسي للاستعمار. مارسها ضد أمتنا العربية منذ اتفاقات وعد بلفور وسايكس بيكو ومؤتمر فرساي، فقسم أمتنا إلى دول أشلاء. ظنت هذه الدول أنها نالت استقلالها بعد الحرب العالمية الأولى أو خلال الانتداب لها ولكن ما نالته هو استقلالات شكلية. في عام 1948 كان لدى إسرائيل، عندما أعلنت، من الجيوش والعتاد، بما في ذلك الطيران، ما يفوق الجيوش العربية مجتمعة حتى بعديد العسكر. والآن نرى بلادنا العربية بعضها محتل وبعضها مزروع بالقواعد العسكرية، والبعض الآخر مربوط بمعاهدات أمنية لا يستطيع الإفلات منها؛ حتى اتفاقية كامب دايفيد كانت من هذا النوع. نرى أنظمتنا العربية المنضمة إلى الجامعة العربية فاقدة الشرعية، ومعنى ذلك أنها فاقدة القرار الذي يمكن أن تأخذه مع شعوبها. وهي لا شرعية لأنها غارقة بالتبعية لقوى الاستعمار الكبرى، فاشلة في التنمية وفي المواجهة، حتى لو أرادت. تعرف شعوبها أنها لا تريد وأنها لا تريد أن تكون لها إرادة. هي دول مستعمرات لا أكثر ولا أقل. لذلك المقاومة واجبة في لبنان ضد إسرائيل وفي معظم البلدان العربية ضد الاحتلال وما يشبه الاحتلال. المقاومة واجبة في كل أرجاء الوطن العربي لأننا لا زلنا نرزح تحت الاستعمار القديم. نقول ذلك ولو انزعج بعض أصحاب النزعات القومية الصديقة، ولو أزعج دعاة الاستسلام الذين يريدون حصر المقاومة بدل تعميمها وتوسيعها.
 

على الصعيد الداخلي هناك أيضاً سياسة فرق تسد. سياسة تستخدمها الأنظمة التي تستعمل الميليشيات غير الشرعية وتستعمل الأفواج وبعض التجمعات السلفية والدينية وغير الدينية من أجل الفتنة. هم قبل كل شيء طائفيون يستخدمون الطوائف لنشر الخوف والتخويف. خوف كل طائفة من أخرى، ومن الطوائف الأخريات. من لا يخاف نتيجة الإشاعات الهادفة إلى الخوف والتخويف، يخاف نتيجة الإعلام والإعلان حيث يكثر الحديث عن مكونات الشعب اللبناني وعن حقوقها. المكونات هي الطوائف والعشائر والإثنيات التي يشكل كل منها دويلة داخل الدولة، وهي التي تشكل خطراً على الدولة أكثر من سلاح المقاومة.
 

أفرز النظام السياسي ـ الاجتماعي اللبناني جماعات كثيرة العدد من البطالين وأصحاب الرتب السابقة وربما الحالية، الذين لا عمل لهم سوى الفتنة وبذر الشقاق والخلاف والاختلاف، لاستخدام الطائفية وتحشيدها من أجل إثارة المعارك. يتعاطون السلاح والتدريب، فكأن الحرب الأهلية واقعة لا محالة، وهم يعملون على أن تقع الحرب الأهلية حتماً. يكسبون رزقهم بهذه الوسائل، ولا يستطيعون أو لا يريدون كسب الرزق بوسائل أخرى. يثيرون الفتن والقلاقل من أجل استدرار الأموال. تتدفق عليهم الأموال، والناس يعرفون مصدرها. وربما أدت المواجهات التي يفتعلونها إلى مواجهات دموية ذات أبعاد إقليمية ودولية.
 

يتحدث أهل النظام عن النمو الاقتصادي ويغفلون الكلام عن الخلل في التوزيع وازدياد الهوة في المداخيل، وازدياد الفقراء فقراً، وهم الكثرة، وازدياد الأغنياء غنى وهم القلة التي يقل عددها تدريجياً مع ازدياد ثروة لبنان. وهذا ما يحصل عادة في البلدان التي يسيطر عليها الرأسمال المالي الذي يكتنز أصحابه الثروة ويعيشون على فوائدها ولا يتركون شيئاً للاستثمار في القطاعات الإنتاجية، في الزراعة والصناعة والخدمات، إلا إذا أخذنا الفنادق والمطاعم والبارات بعين الاعتبار.
 

ويمضي أهل النظام في فكفكة البنى التحتية. فلا يستكملون مشاريع بدأت. ولا يوصلون شبكات توزيع بمحطات، ولا يقومون بأعمال الصيانة لشبكات ومحطات أنشئت. كل ذلك من أجل أن تباع هذه المنشآت وهي أشبه بالخردة، كي يشتريها أصحاب الخصخصة بأبخس الأثمان. أما عن المدارس والخدمات الطبية والضمان الاجتماعي فحدث بلا حرج. مدارس دون تلامذة؛ تلامذة دون مدارس. مستشفيات مليئة بالمعدات الطبية بما يفوق حاجتها. بينما الخدمات الطبية يجري تسولها لدى هذا الزعيم أو ذاك، أو هذا المستوصف أو ذاك. والضمان الاجتماعي تعمل السلطة على تفليسه علماً بأن أمواله مدخرات مستقبل العاملين التي لا تجوز المقامرة بها في ما يسمى أسواق المال، وما أدراك ما أسواق المال.
 

أما موازنة الدولة التي لم تقر برلمانياً بسبب تأخر الحكومة في إقرارها عاماً بعد عام، فهي ما يجعل كل إنفاق الدولة غير دستوري؛ هي ما يجعل الدولة بذاتها مخالفة للدستور. أنفقوا عاماً بعد عام على أساس القاعدة الاثني عشرية، وهذا ما لا يجوز قانونياً، وما أنفقوا يتجاوز ما تتيحه القاعدة الإثني عشرية بمليارات الدولارات، وهذا الإنفاق يدخل في باب الجريمة. هم لا يتأخرون لحظة عن تسديد مستحقات البنوك، لكنهم على استعداد دائم للمماطلة في تنفيذ أي مشروع مفيد للناس حتى لو توفرت الأموال لذلك. هنا تجدر الملاحظة أن الأموال المتاحة للبنى التحتية من مصارف وصناديق التنمية العربية والدولية تبلغ المليارات، ولا من يستخدمها في مواضعها، بحجة أو بأخرى.
 

ليست المقاومة منّة من أحد، لكنها واجب على كل مواطن يرى وطنه ومجتمعه يتآكلان في الداخل ويخضعان للتهديدات الإسرائيلية اليومية.

نعيش منذ عقود حرباً دائمة، فكيف يريدون سلاح الناس دون بناء دولة قادرة وعادلة، دون دولة قادرة على القرار والدفاع، ودون نظام عدالة في التوزيع، يمنع ازدياد فجوة المداخيل بين قلة الأغنياء وكثرة الفقراء.

ربما رأوا في البطالة والهجرة حلاً لأزمة النظام اللبناني في الداخل؛ لكن إسرائيل تهددنا كل يوم، عبر الحدود فهل نستطيع أن نرمي سلاحنا ونقلع عن الدفاع عن أراضي أمتنا؟
 

أسّس الكيان اللبناني منذ قيامه على فلسفة الكيان المفتوح والدولة الضعيفة. ليس لدينا اعتراض على الانفتاح. هذا هو شأن العولمة في الزمن الراهن، بل هذا هو شأن المجتمعات البشرية منذ فجر التاريخ. الانفتاح قضية إنسانية أولاً، وذات مردود مادي ثانياً. لكن فلسفة بناء الدولة الضعيفة هي ما نعترض عليه. لا يجوز أن تكون الدولة ضعيفة في أية بقعة من بقاع الأرض، بما في ذلك لبنان. الدولة الضعيفة هي بالضرورة دولة التبعية للاستعمار، والدولة الضعيفة هي بمثابة دعوة دائمة لإسرائيل لاستباحة أراضينا وأرواحنا.
 

المفارقة هي أننا نجد السلطة عائقاً في وجه قيام الدولة القوية. وعلى هذا الأساس لا نستطيع إلا أن نناضل من أجل تعميم المقاومة في سبيل الدولة القوية. دولة قوة بحجم لبنان تستطيع أن تهزم إسرائيل. حرب تموز شاهدة على ذلك والتحرير عام 2000 كذلك.

2010-05-28