ارشيف من :أخبار لبنانية
المقاومة في المنطق الحضاري
محمد شقير، السفير
المواجهة التي تخوضها المقاومة مع اسرائيل هي مواجهة بين عقلين، عقل مقاوم بما يختزنه من ثقافة وقيم ووعي ومخزون حضاري، وبين عقل إسرائيلي بما يحمله أيضا من ثقافة ووعي، حيث تغدو الآلة العسكرية مجرد أداة تتوقف فعاليتها ومستوى الاستفادة منها وتحقيقها للهدف على العقل الكامن خلفها والقائم عليها، ورغم أهمية هذه الأداة وضرورة تطويرها تبقى إحدى عناصر هذه المواجهة بين المقاومة وإسرائيل.
صحيح أن إسرائيل عملت ـ وما زالت ـ على حرمان كل الأطراف التي كانت تواجهها من الآلة العسكرية، وخصوصا المتطورة منها، لكن مسرح المواجهة الأبعد ليس هنا، إذ ان إسرائيل عملت على هدفين اثنين، إن نجحت في تحقيقهما أو أحدهما فإنه لن يضرها كثيرا ان يكون لدى الطرف الآخر شيء من القدرات العسكرية، وهذان الهدفان هما: شل الإرادة وكي الوعي، فإن أصيبت الإرادة بالشلل فعندها لن يكون أمراً مضراً للكيان الإسرائيلي أن يمتلك الطرف المعادي شيئاً من القدرات العسكرية، أو ان افتقد الرؤية الواضحة في تحديد من العدو ومن الصديق وكيفية المواجهة واستراتيجية صناعة النصر، عندها لن يضر الاسرائيلي كثيراً بعض من السلاح المرمى في مستودعاته.
اعتمدت اسرائيل في حروبها أنماطاً عسكرية من الحرب الخاطفة والقدرات النارية الهائلة والتكتيكات التي تحمل في مضمونها رسالة انكم عاجزون عن هزيمة اسرائيل حتى لو اجتمعتم كعرب وغير عرب، فأنتم غير قادرين على مواجهة إسرائيل وإلحاق الهزيمة بها، وأن الحرب معها لن تجر عليكم إلا الهزائم والدمار، وتعريض سلطانكم للزوال، وهكذا فعلت فعلها الانتصارات العسكرية السريعة التي حققها الجيش الاسرائيلي، في إقناع العديد من العرب بعجزهم، وأتت الاجتياحات السهلة والواسعة للأراضي العربية أكلها في غرس هذه الفكرة في وعي العديد من العرب: انكم غير قادرين على هزيمة إسرائيل.
اجتاحت إسرائيل وعي العديد من العرب، ولم تقتصر في اجتياحها على الأرض العربية، وعملت إسرائيل على شل الإرادة العربية والانتصار عليها، ولم تقتصر في سعيها على الانتصار على الآلة العسكرية للعرب.
لقد اعتقد العديد من العرب أن إسرائيل هي كيان لا يُهزم، في بنيتها وفي إمكانياتها وفي عقلها وقدراتها وكونها مدعومة من الغرب وخصوصا الولايات المتحدة الأميركية، بل كونها تمثل نموذجا غربيا متقدما ومتفوقا على محيطه العربي والإسلامي، ولذا لا مناص من التخلي عن خيار المواجهة معها لأنه ـ بحسب ما غرسته إسرائيل في وعيهم ـ خيار عقيم لا يوصل إلى نتيجة سوى الهزيمة، وقد عملت العديد من الجهات والمؤسسات المرتبطة وكذلك الدول على تكريس هذا الفهم في وعي الانظمة العربية بل والمجتمعات العربية، حيث لعب الإعلام دورا كبيرا في هذا المجال.
إن عملية اجتياح الوعي العربي والعمل على كي هذا الوعي أدت إلى حالة تراجع في الواقع المواجه للكيان الصهيوني، إلى أن بدأت حركة المقاومة في لبنان على اثر الاجتياح الاسرائيلي له، والذي أدى إلى احتلال ثاني عاصمة عربية بعد القدس، وما أدى إليه فعل المقاومة من تحرير متدحرج للأرض، كانت ذروته في العام ألفين وما تلاه بعد سنوات ست في عدوان تموز، وما أظهرته هذه الحرب من قدرة للمقاومة، ليس فقط على تحرير الأرض بفعل القوة، وإنما أيضا من قدرة على صد العدوان وإفشال أهداف الحرب وإلحاق الهزيمة بالعدو، ما أى إلى صدمة الوعي الغربي صدمة كان أثرها في الدفع باتجاه تحريره من ذلك الوعي الزائف الذي عملت إسرائيل على إيجاده وغرسه.
حملت انتصارات المقاومة في لبنان رسالة مضادة مفادها: «نحن قادرون»، وإذا كانت اسرائيل قد عملت ولنصف قرن من الزمن على تكريس هذا الوعي القاضي بعجز العرب وقدرة إسرائيل، وتخلف الواقع المحيط وتفوق العقل الاسرائيلي، فإن الرسالة المضادة التي حملتها انتصارات المقاومة في لبنان قد نسخت جهود نصف قرن من الزمن وأبطلت كل ذلك الوعي الزائف الذي عمل على ضخه في مجتمعاتنا.
لقد أثبتت المقاومة بالتجربة أننا قادرون على هزيمة اسرائيل، وأن هذا الكيان قابل لأن يهزم، وأن العقل المقاوم قادر على منازلة العقل الاسرائيلي، وأنه قادر على التفوق عليه في ميادين شتى عسكرية وإعلامية واستخباراتية... كما أبطلت انتصارات المقاومة أكذوبة تفوق العقل الاسرائيلي، وأصبح بالإمكان هزيمة اسرائيل، والتجربة بل التجارب المتكررة خير دليل، إذا ما توفرت الإرادة الجادة والمخلصة والمتحررة من أثقال كل ذلك الزيف السياسي والإعلامي والثقافي، والارتهان للخارج، الذي عمل على تطويع النظام الرسمي الغربي ليصبح أداة في خدمة تلك الأهداف التي تعمل إسرائيل على تحقيقها.
السؤال المطروح هنا هو:
ما الذي يعنيه انتصار المقاومة؟ وما أبرز النتائج التي تترتب عليه:
ـ أولاً: إن هذا العقل المجتمعي الذي عمل على تزييف رؤيته وتسميم وعيه قد بدأ يتجاوز حالة الخدر التي أصابته، ومظاهر الأزمة التي اعترته، وهو ما كان ليحصل لولا فعل المقاومة والنتائج التي تترتب عليه، وهذا لا يعني ان كل المجتمعات العربية قد تعافت من مظاهر تلك الأزمة، أو أن حالة التعافي قد وصلت إلى أوجها.
ـ ثانيا: إن بالإمكان مواجهة عملية اجتياح الوعي العربي، وأنه من الممكن انتاج وعي بديل قادر على مقارعة احتلال الوعي وأنه بالإمكان التصدي للغزو الثقافي من خلال العمل على إنتاج ونشر ثقافة المقاومة، بما هي ثقافة تمنح المجتمعات العربية قدرة فعل، وفعل حصانة يجعلها عصية أمام كل ذلك الجهد لترويضها وتسميم وعيها.
ـ ثالثا: إن العقل الاسرائيلي ـ الغربي ليس عقلا عصيا على الهزيمة، وان هذا العقل بكل مكوناته يعاني من نقاط ضعف حقيقية في بعده القيمي او الاجتماعي او الرؤيوي، وهي نقاط يمكن ان تعمل عليها قوى المقاومة للنيل من ذلك العدو الاسرائيلي، بما يؤدي إلى إضعافه والتأسيس لهزيمته.
ـ رابعاً: إننا نمتلك الكثير من أسباب القوة الثقافية والفكرية والروحية وغيرها، والتي إذا أخذنا بها سيؤدي ذلك إلى استنهاض مجتمعاتنا وقوانا، ليشكل هذا الاستنهاض فعل قوة قادرة على مواجهة الاسرائيلي والانتصار عليه، وهو ما تؤكده التجارب العديدة خلال العقود القليلة الماضية.
ـ خامسا: إن ميزان القوى ـ ولا نقصد بها المادية فقط ـ قد بدأ يميل لغير صالح اسرائيل، وما نقصده بشكل أساس بميزان القوى هو ما يرتبط بالإرادة القومية بما هي إرادة خلاقة لأسباب النصر، والثقافة القومية بما هي ثقافة مقاومة وممانعة قادرة على مواجهة الكيان الاسرائيلي من خلال استحضار جميع الأدوات والوسائل اللازمة لتلك المواجهة، بهدف هزيمته والانتصار عليه.
ـ سادساً: إن مجتمعاتنا لا تعوزها الإمكانيات لمواجهة اسرائيل بقدر ما يعوزها الوعي الأصيل والإرادة الصلبة، وهما إن حصلا يصبح تحصيل الادوات والوسائل أمراً أقل يسراً وسهولة، وإن فقدا فلن يغني عنا توفر الكثير من إمكانيات القتال والمواجهة، وإن تجربة المقاومة في بداياتها لهي خير دليل على ذلك.
ـ سابعاً: إن المقاومة قد قدمت لجميع العرب والمسلمين النموذج الصالح الذي يمكن ان يحتذى ويبنى عليه، هذا النموذج الذي أثبت بالميدان والتجربة أننا قادرون، وأنه ما علينا كعرب ومسلمين إلا تعميم هذا النموذج وتعميقه والاستفادة منه في مواجهة كل الاحتلالات التي تعاني منها امتنا سواء كانت عسكرية أو ثقافية أو سياسية وغير ذلك في سبيل استعادة هذه الأمة دورها وموقعها وعافيتها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018