ارشيف من :أخبار لبنانية

«القوات» ترسـّم حدود هجومها: ممنوع التشويش على خطابنا «القوات» ضد سلاح المقاومة

«القوات» ترسـّم حدود هجومها: ممنوع التشويش على خطابنا «القوات» ضد سلاح المقاومة

نبيل هيثم - السفير

تفرض الوقائع التي رافقت هجوم رئيس الهيئة التنفيذية في «القوات اللبنانية» سمير جعجع على «حزب الله» ورئيس الجمهورية ميشال سليمان، طرح السؤال التالي: اي دور تؤديه «القوات اللبنانية» في هذه المرحلة، وإلامَ تمهد في هذا الدور؟

لا بد من الاضاءة سريعا على المسار القواتي منذ العام 2005، الذي يظهر ان «القوات» منذ خروج جعجع من السجن بقانون عفو فرضته ظروف مرحلة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، تحاول أن تبني لها موقعا متقدما ومقرِّرا في السياسة اللبنانية، وخاصة على صعيد المجتمع المسيحي.

ما من شك في ان «القوات اللبنانية» استطاعت خلال السنوات الخمس الاخيرة ان تعيد احياء بنيتها التنظيمية، وفق المرتكزات والاسس والعناوين والشعارات السابقة لدخول سمير جعجع السجن، وقد نجحت الى حد كبير، في اعادة تجميع بعض «الشتات القواتي» الذي تفرّق على باب السجن، وفي استقطاب شريحة شبابية وطالبية مسيحية، متكئة بذلك، على عصبية سياسية وقدرات اعلامية ومالية وفـّرها لها حلفاء الداخل والخارج، وتلك حقيقة معروفة ولو تبدلت أو تنوعت مصادر الدعم الاقليمي بين فترة وأخرى.

وليس خافيا ان تلك القدرات معطوفة على قانون العفو، مكـّنت «القوات» من الانتقال مباشرة من الزنزانة ـ الاتهام الى الجلوس في مقاعد الصف الاول في حركة «14 آذار» المسيحية. لكن ذلك لا ينفي ان تلك القدرات استطاعت ان ترسم لـ«القوات» مساحة حضور مهمّ جدا في الساحة المسيحية، مدموغة علنا وجهارا برعاية بكركي، لكن من دون ان يعني ذلك امتلاكها القدرة على محو ما تكتنزه «الذاكرة المسيحية» الطرية من «ذكريات» عن مرحلة سيطرة «القوات» على «مجتمع ما بين كفرشيما والمدفون»، وبالتالي تحقيق طموح سمير جعجع في اعادة مدّ رجلي قواته على كامل البساط المسيحي، والتخفـّف طبعا من ثقل الكابوس العوني الذي يتمدد، حاليا، على المساحة الاوسع من ذاك البساط.

هذا الواقع، فرض على» القوات» الاستمرار في خوض معركة تفعيل حضورها المسيحي، سواء عبر التجييش المستمر ضد سلاح «حزب الله» وسوريا، أو عبر تشغيل ماكينتها التنظيمية بكامل طاقاتها لتحقيق هذا الهدف، وهناك من يتحدث عن تقديمات متعددة الأشكال تبدأ بدفع اقساط التلامذة والطلبة الجامعيين، ولا تنتهي بآلاف بطاقات الضمان الصحي في أكثر من منطقة.

ولا يخفى في هجوم سمير جعجع على المقاومة وسلاحها، بعده الاستثماري في الداخل المسيحي، بحيث يصيب هدفين، «حزب الله» اولا، ومن خلاله حليفه ميشال عون. كما لا يخفى في المقابل، تناغم هذا الهجوم الى حد التكامل في الزمان والمكان والمضمون، مع الحملات الخارجية التي تشن على «حزب الله» من مصادر متعددة، بما يقدم «القوات» كمنصة محلية لتلك الحملات، وتكاد تستخدم فيها التعابير الهجومية ذاتها. وهو امر يلفت الانتباه اليه مرجع قيادي معارض بقوله «ان سمير جعجع اعطى منذ اطلاق سراحه وحتى اليوم، جملة من الامثلة الصارخة التي تؤشر الى دور وظيفي يقوم به، وقد بات ممنوعا عليه ان يحيد قيد انملة عما هو مرسوم له ومطلوب منه التقيد به وتنفيذه. وفوق ذلك، الرجل مقتنع بما يقوم به، ألم تلاحظوا مدى حماسته التي ابداها في الرد على رئيس الجمهورية وموقفه من المقاومة»؟

يحاول قائد «القوات» ان يقود الرئاسة الاولى اليها. ويبدو أن رئيس الجمهورية، كما ينقل زواره، لا يملك جوابا واضحا عما يستبطنه الهجوم القواتي عليه. وهو يبادر زواره بالسؤال: «ماذا يريد سمير جعجع مني، ولماذا هجومه. فالذي أقوله لا أخجل بقوله، وأنا متمسك بكل كلمة قلتها».

على ان ما ينبغي الالتفات اليه هو ان محاولة رئيس الجمهورية الوقوف على خلفيات هجوم جعجع ومراميه، لا تعني، كما يلمس زواره، انه منزعج «انا لست مستاءً ابدا، لكنني لا اعرف لماذا يهاجمني».

لماذا الهجوم على رئيس الجمهورية؟
السبب الاول بتقدير المقربين من الرئاسة، أن صدور هذا الموقف من أعلى مرجع مسيحي في الدولة، يُحرج سمير جعجع الذي يصر على أن موقفه يعبر عن موقف الغالبية المسيحية، وهو لم يتردد قبل ثلاثة ايام في القول إن موقفه من سلاح المقاومة يعبر عن موقف غالبية قواعد «التيار الوطني الحر»، وبالتالي فإن كلام سليمان عن المقاومة أدى الى تشويش الدور الذي يقوم به جعجع، فكان لا بد من ايصال هذه الرسالة اليه.

السبب الثاني، ان جعجع يحاول منذ فترة فتح علاقة خاصة ومميزة مع رئيس الجمهورية، لكنه لم يوفق في ذلك، كما انه قد لا يكون نسي انه امضى احد عشر عاما في سجن اليرزة تحت الارض، بينما رئيس الجمهورية ميشال سليمان كان في مكتبه في اليرزة وصاحب الامر فوق الارض.

السبب الثالث، قد تكون للهجوم علاقة بحسابات خاصة لها علاقة بمعلومات نمت الى جعجع عن اعادة تموضع مسيحي جديد لرئيس الجمهورية، فسعى جعحع من خلاله الى شد عصب قواته في وجه اي محاولة للتمدد الرئاسي في الشارع المسيحي، خاصة أنه يراهن على اللحظة التي يضعف فيها ميشال عون أو يصيبه أي مكروه من أجل القول انه بات السيد المطلق على الساحة المسيحية.

وما لم يقله سليمان يعكسه بعض المقربين منه، الذين اعتبروا كلام جعجع بمثابة رمية من غير رام، في المكان الخطأ وفي الوقت الخطأ أيضا، انما جاءت تلك الرمية في المقابل، في التوقيت السليم الذي يريده سليمان.

ان هجوم سمير جعجع على رئيس الجمهورية وفر له، للمرة الأولى منذ انتخابه، زادا سياسيا، داخليا وخارجيا، يمكن البناء عليه في المرحلة المقبلة، سواء في الساحة الوطنية أو المسيحية. وبناء على ذلك، يقول وزير سيادي «ان جعجع اخطأ التصويب، فرئيس الجمهورية لم يخسر. كما انه اخطأ التقدير، فإذا كان يسعى من خلال هجومه على رئيس الجمهورية، الى ان يلم المسيحيين حوله، فهذا منتهى الخطأ، فقد ينجح فقط في شد عصب انصاره، لكن ذلك لا ينسحب ابدا على المسيحيين الآخرين، الذين مهما تناقضوا سياسيا، فإن موقع الرئاسة الاولى يبقى بالنسبة الى هؤلاء رمزا ممنوعة مقاربته بالسلبية والهجوم، ظالما كان الرئيس أم مظلوما».


2010-05-31