ارشيف من :أخبار لبنانية

إسـرائيل سـارت بقدميـها إلى «فـخ» و«فشـل»: فقدان الثقة بالنفس... وتعرض هيبة الردع إلى ضربة

إسـرائيل سـارت بقدميـها إلى «فـخ» و«فشـل»: فقدان الثقة بالنفس... وتعرض هيبة الردع إلى ضربة

السفير

كتب محرر الشؤون الإسرائيلية:

بدت الصحافة الإسرائيلية يوم أمس، في تغطيتها لمذبحة «أسطول الحرية»، وكأنها تلعق جراحات حرب شنت على الدولة العبرية وهي في غفلة من أمرها. فقد تعاملت مع مجريات ونتائج اقتحام سفن أسطول الحرية وخصوصا سفينة «مرمرة» تعاملها مع «كارثة» طبيعية أو نكبة لا راد لها. واختارت «يديعوت أحرونوت» كلمة «الفخ» عنوانا رئيسيا، واختارت عناوين فرعية كـ«الكمين»، و«التقصير: هكذا تورطت إسرائيل في عملية في عرض البحر». أما «معاريف» فاختارت عنوانا رئيسا هو «التقصير والبطولة»، و«هكذا أرسلت وحدة النخبة إلى مهمة فاشلة سلفا» و«فشل يلحق فشلا. من أصدر الأمر؟». واختارت «هآرتس» عنوانا رئيسا هو «إخفاق الجيش الإسرائيلي يخلق تعقيدات دولية»، و«إسرائيل تسير بقدميها نحو الفخ» و«العلاقات الأمنية مع تركيا على شفا القطيعة». وأشارت «إسرائيل اليوم» في عنوانها الرئيسي إلى أن «الكوماندوس البحري وجد نفسه في فخ»، وأنه «كان هناك خلل كبير» و«بحر الكراهية».

ولكن تحت العناوين الرئيسية أدرجت تقارير وتعليقات كبار المراسلين والمعلقين حول ما جرى هي في الغالب ذات طبيعة انتقادية. ولكن بين صفحات التعليقات والآراء كانت أيضا مواقف لمعلقين وقادة فهموا أن الانتقاد موجه إلى الجيش فحاولوا الدفاع عنه في حين أن القسم الأساسي من الانتقادات الإسرائيلية توجه للقيادات السياسية.

ولاحظت «معاريف» في روايتها لما جرى أن الفشل في العملية الإسرائيلية كان يلاحق الفشل. وقد «بدأ الأمر بفشل استخباري، تواصل بفشل عملياتي، وفي الخلفية برز أيضا الفشل السياسي. قبل أن يتضح تماما حجم الورطة في أعقاب عملية الكوماندوس، طارت الاتهامات في كل صوب». وأشارت «معاريف» إلى طبيعة الاتهامات المتبادلة وصنفتها: «السياسية، حيث انتقد عدد من الوزراء الأعضاء في (الهيئة السباعية) الجيش الإسرائيلي لأنه لم يعرض عليهم سيناريوهات متطرفة محتملة، إذ كان يمكن لجنود الجيش أن يواجهوها أثناء السيطرة على سفن الأسطول. جلسة السباعية التي خصصت لموضوع الأسطول عقدت يوم الأربعاء الماضي قبل يوم من سفر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى باريس وكندا. في أثناء الجلسة عرض على الوزراء عدد من السيناريوهات المحتملة. ومع ذلك، كما يصر الوزراء، لم يقولوا لهم بان عملية السيطرة قد تصبح «متفجرة». ويقول بعض الوزراء، فهمنا بان الجنود سينزلون بالحبال وسيسيطرون على مسافري السفن بسهولة (من دون جهد أو مقاومة جسدية حادة)، كما وصف احدهم. وحسب هذه الصيغة صادق رئيس الوزراء على العملية».

أما على الصعيد الأمني، فإن «معاريف» أشارت إلى عبارات مثل «خلل خطير»، «إخفاق»، «ورطة»، وهي بعض الكلمات القاسية التي اختارها أمس كبار المسؤولين في المؤسسة العسكرية لوصف المشاعر السائدة في الجيش الإسرائيلي في أعقاب عملية الكوماندوس . ونقلت الصحيفة عن مصدر أمني رفيع المستوى قوله: «عملية بسيطة غدت خطوة مركبة لم يعتد عليها مقاتلو الوحدة البحرية الخبراء. في الأسابيع الأخيرة جرت عدة مداولات بالنسبة لشكل العملية التي اختير انتهاجه ضد منظمي الأسطول وكان هناك من عارض الطريقة التي اقترحت. كان يمكن وقفهم في قلب البحر من خلال شبكة صيادين أو سلسلة توقف المحرك. استنزافهم بعيدا عن اليابسة». وأضاف المصدر ذاته: «كانت هناك عناصر في جهاز الأمن ادعت بأنه محظور السيطرة على السفينة، ولكنهم لم ينصتوا لها، وهكذا جررنا وراء منظمي الأسطول وخدمنا حماس».

ونقلت الصحيفة عن ضباط كبار شكواهم من غياب معلومات واستخبارات: «طرحت سيناريوهات مختلفة، مثل إطفاء سيجارة في وجه المقاتلين، دفعات، ركلات، ولكن لم يفكر احد بمثل هذا العنف بحيث يتضمن إطلاق نار حية، سكاكين، عصي ومقاليع».

وقد تجرأت «هآرتس» على المطالبة في افتتاحيتها بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة. واعتبرت في مقال بعنوان «ثمن السياسة المرفوضة» أنه «عندما ينطلق جيش نظامي، مسلح ومدرب جيدا إلى حرب ضد «أسطول الحرية» لسفن مدنية، محملة بالمدنيين، الغذاء والأدوية، فان النتائج تكون معروفة مسبقا - ولا يهم على الإطلاق إذا كانت المواجهة حققت هدفها ومنعت الأسطول من الوصول إلى غزة. المواجهة العنيفة، حتى لو تمت بأداء أو تخطيط عسكري مخلولين - فأساسها يقبع في سياسة مرفوضة، في حرب على المكانة، وفي انعدام فهم عميق لمعانيها وأثارها».

وأشارت «هآرتس» إلى تدهور العلاقة مع تركيا وصعوبة استكمال المفاوضات مع الفلسطينيين والضغوط التي تتعرض لها مصر وميل دول العالم وفي مقدمتها أوروبا لعدم الاكتفاء بتوبيخ إسرائيل لاستهدافها مدنيين في عرض البحر. وقالت أن «هذه التطورات غير مفاجئة وما كان ينبغي لها ان تفاجئ مخططي السياسة في القدس. ولكن، يبدو أنه لم يكن هناك من يقف في وجه الإغراء للتظاهر بقوة الجيش الإسرائيلي بالذات في المكان الذي كان ينبغي لجنود الجيش الإسرائيلي ان يتغيبوا عنه. إذ ان المسألة ليست «من ينتصر» في هذه المواجهة، بل من سيحظى بالنقاط في الرأي العام، بالشرعية وبالتفهم. وفي هذا الاختبار فشلت حكومة نتنياهو فشلا مطلقا. وخلصت إلى أن «الإهمال السياسي لأصحاب القرار يهدد الآن أمن مواطني إسرائيل ومكانتها في العالم. هذا الفشل الذريع لا يمكنه ان يبقى بلا مسؤول. لا سبيل آخر لإقناع مواطني إسرائيل وأصدقاء إسرائيل في العالم، في أنها تأسف على نتائج المواجهة وتستخلص الدروس - من دون تشكيل لجنة تحقيق رسمية، غير منحازة، تفحص عملية اتخاذ القرارات وتقرر من ينبغي ان يقدم الحساب على هذه السياسة الخطرة».
وفي «يديعوت أحرونوت» حمل ناحوم بارنيع على سياسة إسرائيل التي أعطت «الزعران»، إذا صح وصفهم، «ما يريدون بالضبط». وقال أن الأسئلة أكثر من الأجوبة وعرض لتجارب إسرائيلية سابقة في منع حملات بحرية كهذه من دون أن تقود إلى نتائج كارثية كالتي وقعت هذه المرة. وخلص إلى أن مشكلات قد تنشأ لاحقا: «سيكسر الحصار على غزة، سواء لأن الحكومة، خلافا لتبجحها أمس، ستخشى تورطا آخر، أو لأن سفن سلاح البحرية التركية سترافق الرحلات القادمة وتحميها. ستقوى حماس في العالم العربي وفي الغرب. وسيقوى محور تركيا - إيران - سوريا - حماس. وستهبط صورة إسرائيل في العالم إلى الحضيض. وتشتعل الضفة. ويشتعل الوسط العربي في الدولة. آمل ألا تتحقق أي نبوءة من نبوءات الخراب هذه. أما المحقق فهو أنه لن يحدث خير من هذه القصة».

وتحت عنوان «سخافة مطلقة» كتب المعلق السياسي لـ«معاريف» بن كسبيت مشددا على أن الحق مع إسرائيل في كل ما تقول وتفعل ولكن، «يوجد ايضا وجه آخر لهذه العملة. في البحر لا يكفي أن يكون المرء محقا، ينبغي أيضا أن يكون حكيما. العملية البحرية، فجر يوم الاثنين، أمام شواطئ غزة، كانت سخافة مطلقة. خليط من الإخفاقات التي ولدت حفلة مخجلة. ضرر عظيم سيلحق بإسرائيل في أعقاب هذا الأمر، في مجالات لا حصر لها. هذا يبدأ بفشل استخباري لاذع، تواصل بفشل عملياتي، ولكن العنوان الرئيس هو الفشل السياسي. على قمة هرم هذه الإخفاقات يقف أولئك الذين أصدروا الأمر الغبي على نحو فظيع والذي أنزل عشرات المقاتلين الجسورين إلى عش الدبابير، وفيه مئات الراديكاليين الإسلاميين العنيفين والمفعمين بالكراهية».

وتساءل كسبيت عن أسباب غياب حنكة باراك وألاعيب نتنياهو وكيف أن المداولات التي أجروها خلال أسابيع قادت في النهاية إلى «اتخاذ القرار الأسوأ» وإلى تردد نتنياهو بين العودة أو الذهاب لمقابلة أوباما في واشنطن. وأوضح أن «الحقيقة هي ان نتنياهو أراد جدا ان يختطف مع ذلك لقاء مع اوباما، ربما حتى أمس ايضا، ولكن الأميركيين أوضحوا أنه لا يوجد ما يمكن الحديث فيه. من ناحيتهم، زيارة نتنياهو أصبحت عبئا ثقيلا جدا. لا يوجد شيء يحتاجه اوباما الآن اقل من صورة مع نتنياهو.» وانتقد كسبيت أيضا الجيش الإسرائيلي، لكنه أشار إلى أن المشكلة «هي مع من بعثهم. دفاعا عنهم ، يقول رجال القيادة السياسية، ان الجيش قدر ألا تقع إصابات في هذه العملية. وبالفعل، هذا التقدير كان منقطعا عن الواقع. في الجيش الإسرائيلي ايضا تدربوا على هذه السيطرة مسبقا بل واعدوا نموذجا. وبالفعل، كان هذا التدريب ايضا منقطعا عن الواقع والنموذج لم يكن يشبه الأصل. ولكن فوق الجيش الإسرائيلي توجد قيادة سياسية. وهي التي ينبغي ان تتخذ القرار. الحذر. الأخذ بالحسبان التورطات والسيناريوهات غير المتوقعة. هذا المستوى فشل فشلا ذريعا أمس».

غير أن خلاصة كسبيت كانت مهمة: «إذا كانت هذه هي نتائج محاولة السيطرة على سفينة غير مسلحة على مسافة ربع ساعة من اسدود، ما الذي ينبغي لنا ان نفكر فيه عن المواجهة المتوقعة حيال ايران؟ وماذا يفترض بالإيرانيين أن يفكروا الآن؟ الوحدة البحرية 13، الوحدة الأكثر فخرا لشعب إسرائيل، أهينت أمس. ... الردع الإسرائيلي تلقى ضربة شديدة. الصورة الإسرائيلية تلقت ضربة قاضية. وكل هذا حصل في عمق المياه الدولية وجعل إسرائيل دولة قراصنة. ماذا سنفعل حين سيأتي الأسطول القادم، الذي سيضم عددا اكبر من السفن مع عدد أكبر من الناس وربما ايضا مع بعض السفن الحربية التركية؟».

من المهم معرفة أن هذا غيض من فيض حبر سال يوم أمس على صفحات الصحف الإسرائيلية تتحدث عمن «فقدوا السيطرة» أو تطالب باراك بالاستقالة أو تشير إلى الإخفاق في الحصار وفي منع كسر الحصار. بل أن الأديب دافيد غروسمان كتب أمس أن لا أحد يستطيع أن يطمس جريمة البحر أو يبرر غباء الحكومة والجيش. ورأى أن إسرائيل تتصرف كدولة تفقد ثقتها بنفسها وتواصل «الفعل الآثم» بحصار غزة وخلص إلى أن «هذه العملية المجنونة تشهد أكثر من كل شيء على المكان الذي بلغته إسرائيل».

2010-06-02