ارشيف من :أخبار لبنانية
نرجوكم سلّمونا قتلانا ؟!
راجح الخوري، النهار
لا شيء يوازي القرصنة الدموية الإسرائيلية في أعالي البحار إلاّ التقاعس المعيب في أعالي الشرعية الدولية عن اتخاذ موقف مسؤول حيال المجزرة التي تعرّض لها "أسطول الحرية"، الذي كان يريد كسر حصار قطاع غزه وإيصال المساعدات إلى أهله.
إن البيان الصادر عن مجلس الأمن، بعد جلسة استمرت 12 ساعة وعقدت وسط موجة من السخط العارم الذي بدا وكأنه تسونامي من الغضب والتنديد يجتاح
عواصم كثيرة، يشكل لطخة سوداء في صفحة الشرعية الدولية التي تمت الجريمة في أحضانها، عندما أطلق الإسرائيليون نيرانهم على مدنيين يسعون لمد يد العون إلى أهالي غزه، وذلك في المياه الدولية، بما يعني ضمناً أن الجريمة تجاوزت الجنسيات الأربعين التي كانت على متن الأسطول لتصيب الوجدان الأممي كله.
وإذا كانت البيانات التي تصدر عن مجلس الأمن تحتاج إلى إجماع أعضائه الـ 15، فإن عدم صدور بيان يكتب بحبر الخنوع المعيب كان ليكون أفضل بكثير من ذلك البيان السخيف الذي صدر ليصدم الناس في المنطقة والعالم.
لم يصل البيان إلى مستوى إدانة القتلة في تل أبيب، فاكتفى بالإعراب عن الأسف للخسائر في الأرواح البشرية والإصابات التي نتجت من إستخدام القوة ضد القافلة المتوجهة إلى غزه.
وإذا كان الاكتفاء بالأسف يشكل لطخة سوداء في ضمير الشرعية الدولية، فإن الفضيحة الأخلاقية برزت في النص الذي يقول حرفياً: "يناشد المجلس إسرائيل السماح للدول المعنية باستعادة جثث ضحاياها والمصابين عبر أجهزتها القنصلية"... نرجوكم سلّمونا قتلانا!
لا ندري لماذا لم يدعُ المجلس إلى الإشادة بالمجرمين والقتلة والثناء على ما اقترفوه، إذا كان لم يتردد في استعمال كلمة "يناشد" أو "يرجو" في الحديث عن جثث الأبرياء!
لقد بدا مجلس الأمن وكأنه بمثابة ممسحة إسرائيلية أو مقبرة للإنسانية في معناها المفهوم، وللمسؤولية في إطارها المعروف، وخصوصاً عندما غرق في نقاشات مشينة بشأن "التنديد"، بعدما برز ميل أميركي إلى جعل القاتل في مستوى القتيل عبر توزيع هذا التنديد بين إسرائيل والذين نظّموا الرحلة البحرية، فانتهى الأمر إلى الإتفاق على صيغة تافهة وهي "ان مجلس الأمن يأسف بشدة للخسائر في الأرواح البشرية (...) ويدين الأعمال التي نتجت من ذلك"، وفي هذا النص ما يرمي ضمناً الى توجيه قسم من التنديد الى منظّمي الرحلة !
وإذا كان المجلس قد دعا الى "البدء بلا تأخير بتحقيق محايد يتمتع بالصدقية والشفافية ويتطابق مع المعايير الدولية"، فإن الموقف الأميركي من هذا الأمر شكّل فضيحة موصوفة عندما قال نائب رئيس البعثة الاميركية اليخاندرو وولف: "نحن ندعم أي تحقيق إسرائيلي... نحن على يقين بأن إسرائيل تستطيع القيام بسرعة بتحقيق داخلي نزيه ويتمتع بالصدقية والشفافية". طبعاً ليس على طريقة أنت القاتل والحكم، ولا على طريقة أقتل القتيل وأسير في جنازته، بل على طريقة قتل الأبرياء والحصول على جائزة نوبل للسلام والرأفة.
ثمة هنا ما يتجاوز العيب ليصل الى جريمة مؤازرة السفاحين ومحاولة تغطية المجزرة المدويّة التي وصفها رجب طيب أردوغان أمس بأنها "عمل إرهابي دنيء يضرب في الصميم الفلسفة الانسانية للأمم المتحدة".
ليس كثيراً إذا بدت الأمم المتحدة الآن، مرة جديدة، وكأنها مظلة تحمي القتلة واللصوص الذين تجاوزوا عصابات القرصنة في الصومال، وخصوصاً عندما طالب البيان الفضيحة إسرائيل بالإفراج الفوري عن السفن والمدنيين الذين تعتقلهم، وعندما ناشدها تسليم جثث الضحايا كما قلنا.
لكن القتيل الأساسي والأبرز الذي سقط في هذه المجزرة النازية، أو في ذلك "الهولوكوست المائي"، إنما هو مساعي التسوية التي ستوضع جانباً إلى أن يفهم باراك أوباما أنه لا يستطيع ان يلوي إصبعاً في يد نتنياهو التي تقطر بالدم !
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018