ارشيف من :أخبار لبنانية

لم ننس دير ياسين

 لم ننس دير ياسين

ادمون صعب - السفير

«لا وجود لشيء اسمه «شعب فلسطيني». ولم يحصل أننا جئنا وانتزعنا منهم بلدهم. فهم (الفلسطينيون) لم يوجدوا على الإطلاق» - غولدا مائير

اتخذ الرئيس ميشال سليمان، ومن موقعه «القيادي» من موضوع الدفاع عن لبنان، الموقف الطبيعي الداعي إلى تأكيد الوحدة بين الشعب والجيش والمقاومة. فهذه الوحدة تشكل رادعاً لإسرائيل، وإن السلاح الذي تستقدمه المقاومة إلى جانب السلاح.

الذي يحاول رئيس الجمهورية والحكومة تأمينه للجيش من مختلف المصادر هو الذي سيمنع العدوان... وذلك خلافاً لبعض «الأصوات السخيفة، او المتآمرة» على ما ورد في المقال الأسبوعي لرئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط، التي «تدعو إلى الحياد معتبرة ان سلاح المقاومة يعطي الذريعة لإسرائيل لتعتدي هنا وهناك»، مشيراً إلى أن إسرائيل عندما هاجمت «أسطول الحرية» وركابه العزّل الذين خفّوا لإغاثة غزة المحاصرة بقيادة تركية، لم تتورع عن الاعتداء على السفن المدنية، وأولها سفينة القيادة «مافي مرمرة»... وغني عن البيان ان تركيا تقيم مع إسرائيل علاقات دبلوماسية وتربطها معها معاهدات عسكرية وأمنية وتتشارك وإياها في خطط استراتيجية ومناورات عسكرية تحت مظلة حلف شمالي الأطلسي الذي تعتبر أنقرة من أعضائه التاريخيين.

وكان هذا، في نظرنا، كافيا لأن يجعل المصوبين سهامهم على الرئيس بسبب موقفه من إمكان ردع إسرائيل بواسطة المقاومة والجيش يستعيدون وعيهم بأن إسرائيل إنما قامت على الإرهاب والقتل والاغتصاب، وأنهم سلكوا الطريق الخطأ، مع احترامنا لسيدنا البطريرك صفير ولمواقفه الوطنية وهو الذي لم يعودنا إقحام نفسه في قضايا من شأنها بذر الشقاق وإحداث تصدع في الوحدة الوطنية، ولا هو أرشد أبناءه يوما إلى ما لا يخدم مصلحة الوطن.

وإذ دعا وليد جنبلاط في مقاله أول امس، أي صبيحة المجزرة التي تعرضت لها «قافلة الحرية»، إلى «وقفة تضامن مع الشعبين التركي والفلسطيني»، نجد أن التحرك الشعبي في لبنان لا يزال خجولاً، بل متردداً، في حين ان هذه المأساة التي شهدناها فجر الاثنين، والضحايا التي سقطت وحركت الرأي العام العالمي على نحو غير مسبوق، وخصوصاً بعد البيان الرئاسي الذي صدر عن مجلس الأمن في اليوم الأخير من رئاسة لبنان له، والذي دان الجريمة ودعا إلى إجراء «تحقيق حيادي وشفاف وذي صدقية... هذه المأساة كان مفترضاً ان توّحد الموقف الوطني إزاء الهمجية الإسرائيلية التي لم تكن في حاجة الى برهان... ومن باب تنشيط ذاكرة من نسي او تناسى فحسب لا بأس من استعادة بعض الوقائع حول ما ارتكبته عصابات الصهاينة في فلسطين في العام 1948... وبينها كبرى المذابح في دير ياسين.

في تلك القرية الفلسطينية الآمنة، وبحسب رواية الذين نجوا «أعطى الصهاينة ربع ساعة فقط لسكان القرية الأربعمئة من أجل إخلائها، فيما كان معظمهم نائما وكانت الساعة تشير الى الخامسة فجراً. ثم هاجموا البيوت (بقيادة الملازم الشاب آرييل شارون)، يرمون القنابل فيها من النوافذ، او يقفون عند عتبة الباب ويرشون الداخل بالأسلحة الأوتوماتيكية. كانت تلك مذبحة منظمة بقيادة عصابة الأرغون الإرهابية التي كان يرأسها مناحيم بيغن الذي أصبح رئيساً للوزراء ودوّن في مذكراته أنه تلقى الضوء الأخضر للعملية من أجل إقامة مطار مكان دير ياسين.

وكانت تلك مذبحة منظمة لأن العدد الأكبر من سكان القرية لم يسمع أمر الإخلاء. وجاءت المحصلة مصرع 250 رجلا وامرأة وطفلا.
وأضافوا: «إن الكثيرين تعرضوا للذبح والتشويه بالسلاح الأبيض، وحتى للدفن أحياء. كما بقرت بطون النساء الحبالى» (يراجع كتاب «فلسطين، من القدس إلى ميونيخ» لأبو داود).

وحبذا لو خجل «اصحاب الأصوات اللبنانية» السخيفة والمتآمرة، كما وصفها جنبلاط، وهي لا تنحصر في طائفة او مذهب، وقد تطوعت، وسط هدير الإعلام المضلل الذي كان ينطلق من مقولة أن المقاومة ومعها المعارضة، وسوريا وإيران، تعرّض سلامة لبنان للخطر. وأن سلاح «حزب الله» هو الذي يستدرج إسرائيل للاعتداء على لبنان.

...وحبذا لو عاد أصحاب هذه الأصوات إلى رشدهم، فدعا البطريرك إلى قمة روحية في بكركي، وفاجأ السياسيون الرئيس ميشال سليمان بزيارة اعتذار وتضامن، وخصوصاً بعد زيارة رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري لدمشق الاثنين الماضي، إثر عودته من مقابلة الرئيس باراك اوباما في واشنطن، وترؤسه جلسة لمجلس الأمن في واشنطن، وكان بين ثمار تلك الزيارة البيان الذي استنكر فيه الأسد والحريري «بأشد العبارات الجريمة النكراء التي ارتكبتها إسرائيل عبر الاعتداء الهمجي على المدنيين العزّل على متن «أسطول الحرية».

وقد قدّر الأسد في البيان المشترك «المواقف التي اتخذها الحريري خلال زيارته للولايات المتحدة (...) والتي تصب في خدمة لبنان والحق العربي».
وأكد الرئيس السوري «وقوف سوريا بجانب لبنان في مواجهة التهديدات الإسرائيلية التي يتعرض لها بشكل متواصل».

ماذا نريد أكثر؟

أليس عيباً أن يكون الأتراك، أحفاد العثمانيين، أكثر تعاطفا مع الفلسطينيين المحاصرين في غزة من بعض العرب واللبنانيين؟

عيب... وألف عيب!


2010-06-03