ارشيف من :أخبار لبنانية
إسرائيل الدولة المارقة الوحيدة في العالم
الفضل شلق- السفير
النظر قبل العمل. على المرء الجواب على أسئلة نظرية قبل اقتراح أجوبة على أسئلة عملية. الهجوم الإسرائيلي على سفينة تركية معظم ركابها وطاقمها مواطنون أتراك وناشطون من مختلف أنحاء العالم يعملون للوصول إلى غزة لفك حصارها. السؤال هو ماذا تريد إسرائيل؟ وما هي أهدافها من هذه العملية التي أغضبت حلفاءها في المنطقة والعالم، خاصة الذين هم أعضاء في حلف الناتو وفي عداد الدول التي كان يعتمد عليها في الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفياتي؟ والسؤال الكبير: هل ما تزال إسرائيل تريد حليفاً إقليمياً أودولياً؛ علما بأن هؤلاء الحلفاء بدأوا يحتجون على سلوكها أو يرون في سلوكها خطراً عليهم وعبئاً عليهم برغم دعمهم المستمر؟ أم أن إسرائيل تعتبر أنها تستطيع الإبحار في مياه السياسة الدولية وحدها دون مساعدة من أحد حتى لو كانت ما تزال الأخطار محيطة بها؟ علماً بأن مبادرات العرب للسلام واستعداد ما تبقى من دول الممانعة للمفاوضة لا يشيران إلى خطر داهم على إسرائيل. لا خطر على إسرائيل، هناك ظروف مؤاتية لإسرائيل على صعيد استكمال ما يسمى عملية السلام؛ لكن إسرائيل، وعلى الرغم من ذلك، تصر على الحرب وعلى استمرار الحرب، مما يضطرنا إلى الاستنتاج الجديد القديم بأن هذه الدولة لا تصلح للسلام، ولا تعتبر مصيرها مرتبطاً بإحلال السلام. بل تعتبر هذا المصير مرتبطاً بالحرب وتجديد الصراع، تصنع مصيرها على أساس حرب مستمرة وإن متقطعة. هي دولة لا تريد السلام ولا تستطيع إلا الاستمرار في الحرب حسب الظروف التي ترتئيها هي.
تحاصر إسرائيل غزة. وهي ما كانت بحاجة إلى حصارها. ولو أن مصر تساعدها في هذا الحصار بإغلاق المعابر (التي فتحت أخيراً بعد أن زاد الإحراج). ضربت أسطول سفن الحرية المحملة بالمؤن والمواد الغذائية. السفن تركية تحمل ناشطين أتراكاً وعرباً وأوروبيين وربما أميركيين. وهي كانت لا بدّ تعرف الصراخ الدولي من المجموعة الدولية، ومن منظمات المجتمع المدني ومن الشعب التركي بالذات في مواجهة هذه العملية. ما عادت إسرائيل تأبه للرأي العام الدولي، حتى الداعم لها. صرحت كلينتون بأن الحفاظ على الأمن الإسرائيلي واجب. لكن وصول المساعدات الإنسانية أمر واجب أيضاً. من قبل صرح بترايوس - قائد المنطقة الوسطى بأن سياسات إسرائيل صارت تتعارض مع السياسة الدفاعية الأميركية في العالم، علماً بأن السياسة الأميركية في العالم تديرها وزارة الدفاع عن طريق قياداتها في الخارج، برغم وجود وزارة الخارجية الأميركية التي تحاول قدر الإمكان زج نفسها في السياسات الدولية إلى جانب الجيش الأميركي.
تعرف إسرائيل أن اتفاقات الصلح مع بعض البلدان العربية تكبّل هذه البلدان، وربما تدفعها لمساعدة إسرائيل؛ فقد ساهمت مصر في إغلاق معبر رفح. وتعرف إسرائيل أن المبادرة العربية للجامعة العربية (بعد أن كانت مبادرة ولي العهد السعودي قبل أن يصبح ملكاً)، تكبّل البلدان العربية ؛ وأن المفاوضات المزمع عقدها مع بعض البلدان العربية، حتى وإن لم تصل إلى نتائج مؤدية للسلام، تكبّل هذه البلدان العربية. تعرف إسرائيل أكثر من ذلك: أن أي اتفاق مع بلد عربي (حتى لو اقتصر على مكتب تمثيل تجاري) يكبّل البلد العربي المعني. تعرف إسرائيل أنها كلما عقدت اتفاقات أو بدأت مفاوضات مع العرب فإن ذلك يكبّل العرب. الاتفاقات، أو ما يشبه الاتفاقات، تقيل الأنظمة من عرض كل اعتداء إسرائيلي على شعوبها فتحيله إلى الأمم المتحدة أو إلى منظمة دولية أخرى من أجل الإدانة أو من أجل أية عقوبة تنزلها المجموعة الدولية بإسرائيل. حتى لو لم تفعل المجموعة الدولية ذلك تكون الدول العربية المعنية قد حققت مبتغاها بإلقاء العبء، عبء البحث والقرار والعقوبة على المنظمات الدولية، وأبعدت شعوبها عن البحث في المسألة، وكل بحث في كل مسألة من هذا النوع يؤهل الشعوب العربية لمناقشة قضايا عربية أخرجت أصلاً من الصراع العربي الإسرائيلي ووضعت في براد المفاوضات لمدة طويلة. إن مناقشة هذه القضايا لدى الشعوب تثيرها وهذا ما تخاف منه الأنظمة. أما إحالة الموضوع ليصير في عداد العملية السلمية فإنه يحيل الموضوع بعيداً عن عيون ووعي القضية بذاتها. ينسى الناس أن ما هو مطروح هو قضيتهم بالذات، وأن ما يسلب منهم هو ما يجب أن يكون محوراً من محاور السياسة التي يجب التداول بشأنها بين الأنظمة العربية وشعوبها.
إذا كانت الاتفاقات المعقودة بين العرب وإسرائيل تضع القيود على العرب في حركتهم الدبلوماسية (أو الحربية إذا حركت الدول العربية جيوشها؛ وهذا أمر غير متوقع). فإن هذه الاتفاقات نفسها تحرر إسرائيل، إذ تجعل تعاملها لدى كل هجوم أو حرب ضد بلد عربي خالياً من أية قيود، إذ إن إسرائيل ما اعتبرت الاتفاقات العربية والدولية في أي يوم من الأيام، منذ تأسيسها عائقاً أمام تصرفها حتى ولو كان ذلك منافياً لكلّ القوانين والأعراف الدولية. وحتى لو كان البلد المعني بلداً صديقاً وحليفاً ودائماً. أم أن إسرائيل لم تعد تحتاج إلى أي منهم، لا للصديق ولا للحليف ولا للداعم الدولي؟
ما عادت إسرائيل تهتم لكلام بترايوس «الملطف». ولا للكلام الواضح الصريح الذي قاله قائد تركيا، العضو في الحلف الأطلسي منذ أمد طويل، ولا لكلام كلينتون أن إيصال المساعدات إلى غزة أمر إنساني، ولا حتى لكلام رئيس «الموساد» الإسرائيلي مائير داغان أمام الكنيست بأن اسرائيل صارت عبئاً على السياسة الأميركية الدولية.
تقرأ إسرائيل في الدفاتر الأميركية العتيقة التي وضعها المحافظون الجدد لتبرير سياسة بوش الابن والتي لم تعد تصلح لرسم سياسة اميركا في عهد أوباما. تطبّق إسرائيل مبادئ الضربة الاستباقية، ولا يلزمها إقناع كي تعتبر نفسها استثنائية. وانتفخ ريشها فهي تعتقد أنها تستطيع أن تصل إلى ما بعد الخليج العربي لضرب أهداف تعتبرها خطراً عليها. هل تدرك إسرائيل أنها خارج السياق التاريخي الجديد فتبدو لا عقلانية؟ أم أنها تسعى لإعادة الأمور كما كانت عليه، فيبدو سلوكها على شيء من العقلانية! الأرجح أن السؤال الأول أكثر تعلقاً بالموضوع، إذ يصعب التصديق أن إسرائيل تستطيع القيام بكل ما تنوي القيام به وحدها. هل تنوي إسرائيل نسف قناعات لدى المجتمع الدولي وأميركا بخصوص الدولتين فتسعى لنسف الفكرة حتى لو وضعها ذلك ضد حلفائها وضد حلفاء حلفائها؟ الجواب بالإيجاب أقرب إلى العقل.
هل تؤدي الوحدانية الإسرائيلية (من دفاتر الأميركيين العتيقة) إلى جعل إسرائيل الدولة المارقة الوحيدة في هذا العالم؟ ربما المستوطنون الروس يسيطرون أيديولوجياً على بقية المستوطنين، هؤلاء لا يذهبون إلى الجليل للعمل في الأرض الزراعية والتعاونيات. يفضلون تل أبيب ويافا وحيفا، والضفة الغربية القريبة منهم. يريدون الضفة الغربية حتى ولو أدى ذلك إلى الترانسفير. يقومون بحصار غزة وتجويعها وطرد أهلها أو قتلهم في أرضهم لإزاحة الأبصار عما يجري في الضفة الغربية. ويثيرون الحروب أو الهجوم في عرض البحار حتى خلافاً لقوانين البحار، من أجل إثارة العالم حول غير موضوع القضية. أن تثار قضية فلسطين في البحر لا في أرض فلسطين؛ هذه هي سياسة إسرائيل الجديدة وأن تثار قضية حصار غزة كقضية إنسانية لا كقضية احتلال. ربما كان هذا هو المقصود إسرائيلياً. هل يبدو عقلانياً ما كان يبدو غير عقلاني. أسئلة تستحق البحث.
ربما ما كان حدث من تقارب إيراني - تركي - برازيلي سبباً بعيداً لما حدث في عرض البحار. لكن الشك باقٍ في ما إذا كانت إسرائيل أصلاً تعتبر النووي الإيراني، أيا كانت درجة تطوّره، خطراً عليها، أكثر من الخطر الباكستاني وربما الهندي (رغم الاتفاقات الأميركية النووية بين الهند والولايات المتحدة) . لكن إسرائيل اختارت هدفاً تركياً - أطلسياً أي هدفاً نصف أميركي، علماً بأن أميركا هي الداعمة الأساسية لها. اختارت أيضاً إثارة الرأي العام العالمي ضدّها. وهي لا تأبه كثيراً للرأي العام العربي خاصة أنها تراه مخصياً.
ربما تهدف إسرائيل إلى ما يمنع فرض حل الدولتين، هذا الحل الذي تدعي السياسة الأميركية التزامها به؛ وربما تهدف إلى استباق نتائج المؤتمر المعقود في نيويورك حول السلاح النووي والذي سيؤدي إلى اقتراحات تفرض على كل دولة الإفصاح عما عندها.
ربما كانت هناك أسباب أخرى. لكنها جميعها تجعل من إسرائيل دولة مارقة في هذا العالم. هناك دول أخرى تعتبر مارقة لدى ما يسمى المجموعة الدولية. لكن هذه الدولة المارقة تتمتع بخصوصية أكبر وبخطورة أكثر.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018