ارشيف من :أخبار لبنانية

بانوراما اليوم : خيبة لامتناع لبنان عن التصويت في مجلس الامن وتساؤلات عن التحايل على الالتزام بمعادلة التساوي في مجلس الوزراء

بانوراما اليوم : خيبة لامتناع لبنان عن التصويت في مجلس الامن وتساؤلات عن التحايل على الالتزام بمعادلة التساوي في مجلس الوزراء

هبه عباس

وقف لبنان امس موقف المحايد السلبي مع امتناعه عن التصويت ضد قرار فرض العقوبات على ايران في مجلس الامن فترك تركيا التي لا زالت دماء شهدائها تلون البحر المتوسط والبرازيل وحدهما ليقفا موقف عز وشرف ضد الدول الكبرى وقرارهما برفض العقوبات على ايران واعتبرت الصحافة الصادرة اليوم ان لبنان سقط بالامس في اول اختبار له في مجلس الامن فبدل ان يكون كبيرا ويحسب له حساب سقط مرتين داخليا بسبب الانقسام الذي ظهر مجددا بين اطرافه وخارجيا بسبب موقفه الضعيف والذي طرحت تساؤلات بشانه خصوصا ان مندوب لبنان لم يلتزم معادلة التساوي في الاصوات التي تبلورت في جلسة مجلس الوزراء وانحاز الى موقف فريق على حساب اخر وهو ما سيكون له تداعيات مستقبلية .

تصويت لبنان في مجلس الامن بالامتناع وردود الفعل المختلفة عليه شكل محور افتتاحيات معظم الصحف المحلية والبداية مع صحيفة "السفير" التي وصفت ما حصل بالقول لقد انقسم لبنان على نفسه وتصدع وفاقه الهش، في لحظة تاريخية كان يفترض أن تشكل مناسبة لتظهير موقف وطني جامع حول ثوابته المفترضة، وبدل ذلك طبع الإرباك والتخاذل الأداء الرسمي اللبناني في التعاطي مع اختبار مجلس الامن، وهو الاختبار الذي سقط فيه لبنان سقوطا مدويا، بعدما اكتفى بالامتناع عن التصويت على قرار فرض العقوبات على إيران.

لقد قرر نصف مجلس الوزراء ان يختار الموقف الهزيل واللون الرمادي في التعامل مع قضية شديدة الوضوح في عدالتها وتستوجب عدم الحياد حيالها، مهما تم تزيينه بضرورات المصلحة التي تبيح المحظورات الوطنية! قرر نصف مجلس الوزراء ان يتجاهل 200 رأس نووي اسرائيلي حربي تقبع الى جانبنا في فلسطين المحتلة، وأن يساير المعايير المزودجة المعتمدة من الولايات المتحدة ومجلس الامن في التعامل مع المسألة النووية، قافزا فوق الاتفاق الايراني ـ التركي ـ البرازيلي، وفق حق ايران المبدئي في امتلاك الطاقة النووية السلمية.

واشارت الصحيفة الى ان كثيرة هي الاسباب التي كانت تستوجب من لبنان الرسمي ان يتخذ قرارا منسجما بالدرجة الاولى مع نفسه ومع مقاومته وإنجازاته، وإذا كانت كل هذه الاسباب السياسية والوطنية لا تكفي، فقد كان المعيار الاخلاقي وحده كفيلا بأن يدفع لبنان الى أن يحسم خياره في اتجاه التصويت ضد العقوبات، لا سيما أن ايران قدمت الكثير في مجال إعادة اعمار ما هدمته اسرائيل مدعومة من الولايات المتحدة، ناهيك عن دعمها الكبير للمقاومة.
 
لقد اضاع لبنان فرصة وجوده بين الكبار في مجلس الامن، فجعل من مروره في المجلس مرورا باهتا، وقرر ان يكون الصوت النشاز الوحيد في اللاموقف، تاركا لتركيا مجد اتخاذ القرار التاريخي الذي تحرر من حسابات التوازن مع إيران والتنافس على الدور الاقليمي، فوقفت أنقرة ضد فرض العقوبات على طهران، مستكملة الرحلة التي بدأها اسطول الحرية، في وقفة عابرة لكل الاصطفافات المذهبية التي تفتت المنطقة، غير آبهة بالمخاطر التي قد تطال مصالحها الاستراتيجية، وهي العضو الفاعل في الحلف الاطلسي والطامح الى عضوية الاتحاد الاوروبي. كما ان لبنان لم يكترث لموقف البرازيل الرافض للعقوبات، وهو البلد الذي وضعته الجغرافيا في أميركا الجنوبية بعيدا عن الشرق الاوسط، ولكنها لم تستطع ان تبعده عن مناصرة الحق.

اما عن التداعيات السلبية لهذا الانقسام اللبناني فلفتت الصحيفة الى انه من المرشح ان تعبر عن ذاتها على المديين القصير والمتوسط من خلال الملفات المحلية المفتوحة، والتي قد يتم تنفيس الاحتقان عبرها، بحيث تصبح من جديد مادة للاصطفافات الحادة، بعدما عاد خط التماس السياسي بين ما كان يعرف بالموالاة والمعارضة الى الظهور من جديد في جلسة مجلس الوزراء أمس. واللجوء الى التصويت أمس كان واحدا من اكثر الاختبارات صعوبة وحراجة التي مرت بها حكومة الوحدة الوطنية منذ تشكيلها، خصوصا انه يتعارض مع التفاهم الجانبي الذي رافق ولادة الحكومة، والقائل بأن المسائل الاساسية تخضع الى التوافق خارج مجلس الوزراء ثم يؤتى بها الى الطاولة لتثبيتها، وإن يكن التعادل في الاصوات أمس ساهم نسبيا في حصر الخسائر.
 
أما الرابح الاكبر على المستوى الوطني فهو رئيس الجمهورية الذي أثبت مرة أخرى ان لا مجال للمساومة على مواقفه في المحطات المفصلية، وأنه في القضايا الكبرى ينبذ التوافقية السلبية، ولا يتردد في الانحياز الى جانب الموقف الصح والخيار المبدئي. في المقابل، بدا موقف وليد جنبلاط متمايزا عن المسار الجديد الذي بدأ بسلوكه منذ خروجه من فريق 14 آذار، والمباشرة في تطبيع العلاقات بينه وبين حزب الله وسوريا، علما انه كان حريصا ليل أمس على تأكيد التزامه بمعادلة "الدولة والشعب والمقاومة" وعدم تأثرها بقرار الامتناع عن التصويت على العقوبات.

النائب وليد جنبلاط وفي حديث لـ"السفير" اشار الى انه كان في الاساس مع الامتناع عن التصويت على العقوبات، "وقبل ذلك كنت من غير المتحمسين لوجود لبنان في عضوية مجلس الامن، أما وإن هناك أمرا واقعا قائما فإن الموقف الذي عبّر عنه السفير نواف سلام باسم لبنان هو الانسب، لاننا لسنا دولة كبرى مثل تركيا والبرازيل، وما فعلناه يجنبنا غمار لعبة الامم". وأضاف: الاساس هو المحافظة على معادلة الدولة والشعب والمقاومة، والقرار المتخذ لا يلغي هذه المعادلة ولكنه يوفر علينا في الوقت ذاته خسائر جانبية في العلاقات الدولية، وعلينا ان نستعد لمواجهات أخرى سياسية او غير سياسية، من خلال الحوار والوحدة الوطنية والالتزام بثوابت اتفاق الطائف. وقالت أوساط قيادية في المعارضة لـ"السفير" إن ما جرى في مجلس الوزراء اظهر حالة من الانقسام المثير للريبة حول قضية يفترض ان تكون جامعة، مشيرة الى انه كان يجب ان تراعى المصلحة اللبنانية المجردة بعيدا عن أي مصلحة خارجية.
 
ورأت ان التصويت ضد فرض العقوبات هو أضعف الايمان تجاه ايران التي ساعدت لبنان على تحرير أرضه وإعمار ما هدمته اسرائيل ووقفت الى جانبه في المحافل الدولية وفي مواجهة كل الاستحقاقات، وبالتالي فليس هكذا يرد لها الجميل. وتوقعت الاوساط ان يترك ما حصل آثارا جانبية على العلاقات بين القوى السياسية ولكن من دون ان تنكسر الجرة.

"الاخبار" من جهتها لفتت الى نتائج التصويت في جلسة مجلس الوزراء فقالت" في وقائع الجلسة الحكومية، ودائماً على الطريقة اللبنانية، كان ابتكار لحل أو موقف (عنوانه اللاموقف)، إذ انقسم مجلس الوزراء بين فريقين متعادلين: الأول يضمّ وزراء المعارضة وعددهم 10، معهم وزراء رئيس الجمهورية وعددهم 4، إذ إن الوزير عدنان القصار تغيّب عن الجلسة، وقد اتخذ هذا الفريق موقف التصويت ضد العقوبات على إيران، مقابل فريق ثانٍ قوامه أيضاً 14 وزيراً يمثلون وزراء بقية قوى 14 آذار الذين غاب منهم الوزير محمد الصفدي.

وكان قرار هؤلاء، امتناع لبنان عن التصويت على مشروع قرار العقوبات. وكان واضحاً أن هذا الانقسام سيحصل لا محالة، في ظل فشل الاتصالات التي بقيت مستمرة طوال ليل الثلاثاء حتى ساعة متأخرة بحسب ما أكدت مصادر مطلعة لتلفزيون المنار، وهي شملت سليمان وبري والحريري من جهة، والحريري وحزب الله، والحزب وحركة أمل من جهة أخرى، بهدف التوصل إلى موقف توافقي من قضية العقوبات على إيران، وخصوصاً في ظل التوافق اللبناني على رفضها، وأن الاختلاف هو على كيفية تظهير هذا الرفض. وبحسب المعلومات، كان رئيس الجمهورية جازماً بتمسكه برفض هذه العقوبات لأن الدبلوماسية أثمرت مع إيران اتفاقاً ثلاثياً مع البرازيل وتركيا".

وبلغة الأرقام، وبمعزل عمّن طالب سلام باتخاذ قرار الامتناع عن التصويت، فإن هذا القرار يثير تساؤلاً عن المرتكزات التي دعت إلى اتخاذه بما يوحي بأن عدم تبلور موقف نهائي لدى الحكومة، يعني الامتناع عن التصويت، مع أن الامتناع نال 14 صوتاً داخل مجلس الوزراء، أي العدد نفسه الذي نالته معارضة العقوبات، فلماذا لم يقل سلام "لذلك، فإن لبنان يصوّت ضد"؟، أو بما أنه لم "يتبلور موقف نهائي... لذلك فإن لبنان ينسحب من الجلسة"؟ ولماذا كانت الأرجحيّة في مجلس الأمن لأصوات 14 آذار الـ14، على الـ14 صوتاً لـ8 آذار مع وزراء رئيس الجمهورية، ما دام "الامتناع" كان موضوع تصويت في مجلس الوزراء ولم يكن مخرجاً لعدم تبلور موقف؟ وقد وصفت مصادر في المعارضة، ما حصل في جلسة مجلس الأمن، بأنه نوع من الاحتيال الدبلوماسي الذي مارسه سلام بتنسيق مع فريق رئيس الحكومة، وهو ما أدى إلى تظهير موقف الامتناع بهذه القوة على حساب موقف اللاموقف. واللافت أن وزير الإعلام، لدى تلاوته المقررات الرسمية لجلسة مجلس الوزراء، لم يشر إلى قرار بالامتناع عن التصويت.

وعلمت "الأخبار" أن وزير الخارجية علي الشامي، أرسل صباح الثلاثاء مذكرة خطية إلى مندوب لبنان الدائم في نيويورك نواف سلام، تتضمن توجيهات بأن يبادر إلى التصويت برفض العقوبات إذا ما كان الموقف التركي رافضاً لها، وهو موقف وجده البعض معنوياً أكثر منه تنفيذياً، إذ إن صلاحية هذا القرار في يد مجلس الوزراء مجتمعاً. وبحسب المعلومات، تأخر التئام جلسة مجلس الوزراء من الساعة الرابعة إلى الخامسة والنصف، بفعل الخط الساخن الذي كان مفتوحاً بين رئيسي الجمهورية والحكومة وبعثة لبنان في نيويورك، وبعدها التأمت الجلسة وكان واضحاً أن خيار التوصيت واقع لا محالة، وكان التعادل، الذي أفضى إلى قرار، أبلغ إلى السفير سلام.

وبحسب الوقائع، بادر الحريري شخصياً إلى الخروج من الجلسة لإبلاغ سلام بالقرار، على مرأى من وزير الخارجية الذي كان يهمّ بالخروج للقيام بهذه المهمة التي تدخل ضمن صلاحياته، وهو ما فسّره بعض الوزراء بأنه انتقاص من الوزير الشامي ومحاولة لنقل القرار بصورة مائعة إلى السفير سلام. وبالفعل، كان أن خلّف أداء الأخير في الجلسة امتعاضاً كبيراً، إذ إنه لم يبادر إلى طلب الكلام بعد كلمتي المندوبين البرازيلي والتركي، حيث بدأ التصويت واحتسب سلام في عداد الممتنعين عنه عبر رفع الأيدي، وهو ما ترك حالة من الاستياء لدى وزراء المعارضة ورئيس الجمهورية، الذين خرج بعضهم من الجلسة لمتابعة هذا التفصيل ولإجراء اتصالات مع مرجعيّاتهم.

في السياق نفسه علمت صحيفة "النهار" ان النتيجة التي سعى الرئيس سليمان الى صياغتها في مجلس الوزراء بالامس هدفت الى "تجنيب الحكومة خضة كبيرة". لكن الرئيس الحريري عبّر عن "عدم رضاه" عنها قائلاً: "ان موقف لبنان لن يغيّر شيئاً ما دامت هناك 12 دولة مع العقوبات. ونحن بلد له مصالح مع المجتمع الدولي فأمامنا مسألة التجديد لليونيفيل في الصيف ولدينا دول صديقة تساعدنا وتدعم قضايانا في المحافل الدولية ونحن لا يمكننا اتخاذ موقف ضد توجه مجلس الامن لان في ذلك اضعافاً لموقفنا في الخارج". وبعد التصويت في الجلسة خرج رئيس الحكومة ومعه وزير الخارجية علي الشامي والمدير العام لرئاسة الجمهورية السفير ناجي ابي عاصي للاتصال بالسفير سلام وابلاغه موقف "اللاقرار" مع شرح الموقف قبل الامتناع عن التصويت.
 
واوضحت اوساط متابعة لموقف الفريق الحكومي للرئيس سليمان ليلاً ل "النهار" ان ما انتهى اليه الموقف من العقوبات "هو الافضل للبلد اذ جنبه الظهور مظهر غالب ومغلوب. وفي الوقت عينه كان موقف لبنان في مجلس الامن الامتناع عن التصويت على العقوبات ولم يكن مماثلاً للموقف التركي والبرازيلي الذي كان ضد العقوبات".

واكدت التواصل بين رئيسي الجمهورية والحكومة في متابعة هذه القضية. أما رئيس مجلس النواب نبيه بري، فلم يكن مرتاحا الى القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء. وقال ل"النهار": "انا ما زلت مصرا على رأيي الذي أعلنته في القصر الجمهوري على أساس ان يتخذ لبنان موقفا ضد فرض عقوبات على ايران، تلك الدولة الصديقة والتي وقفت ولا تزال الى جانب لبنان. وكان تصويت الوزراء أشبه بلا قرار. وسؤالي كيف تحول هذا الامر وصار امتناعا". وأضاف: "مرة اخرى تثبت تركيا انها دولة قوية وثابتة وصديقة وتحترم خياراتها والبرازيل لم تقصر في هذا المجال ايضا". وكان الرئيس بري زار نهارا قصر بعبدا حيث صرح بعد لقائه الرئيس سليمان: "ان التصويت بأقل من الموقف التركي يعني بشكل او بآخر فعلا كأننا نأخذ موقفا الى جانب الدعم الاسرائيلي وليس فقط الانتقام ممن يقف معنا ضد اسرائيل".

وفيما تحدثت مصادر المعارضة عن قرار خطي أبلغه الوزير الشامي اول من امس الى سلام بالتصويت ضد العقوبات، علمت "النهار" من مصادر وزارية ان هذا القرار الخطي قد صدر فعلا، لكن الشامي عاد وأبلغ هاتفيا مندوب لبنان "اللاقرار" الحكومي. وتساءلت المصادر الوزارية "لماذا تثير المعارضة قرارا سابقا لوزير الخارجية وتتجاهل واقع الموقف الحكومي أمس والذي أظهر أن جميع الوزراء بمن فيهم وزراء المعارضة بحثوا في موضوع الموقف الحكومي واعتبروا ان هناك مستجدات يقتضي أخذها في الاعتبار بدل الذهاب مذهب الموقف التركي".

في سياق منفصل اشارت "الاخبار" الى دعوة الرئيس بري النواب إلى جلسة تشريعية قبل ظهر الثلاثاء المقبل، لدرس وإقرار مشاريع واقتراحات القوانين المدرجة على جدول الأعمال، وكذلك لأداء أعضاء المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء قسم اليمين.

وكان بري قد ذكر بعد لقائه رئيس الجمهورية أنه أثار معه إلى موضوع التصويت في مجلس الأمن، موضوع إعلان شركة نوبل للطاقة الأميركية عن فرصة لاكتشاف حقل هائل للغاز في البحر المتوسط "ومسارعة إسرائيل إلى محاولة فرض أمر واقع، والتباهي بتحولها إلى إمارة نفطية وتجاهل حقيقة أن الحقل يمتد بحسب الخرائط إلى المياه الإقليمية اللبنانية". وقال إن هذا الاكتشاف يستدعي من لبنان "المبادرة الفورية للحفاظ على حقوقه التي تتعدى الجانب المالي إلى البعدين الاقتصادي والسياسي والسيادي"، داعياً إلى "إشهار مقاومتنا على حدود هذه الثروات الطبيعية.


2010-06-10