ارشيف من :أخبار لبنانية
عن الامتناع ومساوئه
ساطع نور الدين، السفير
هي مجرد إشارة بسيطة وعابرة إلى أن لبنان أعلن بالأمس انضمامه الى محور عربي يتململ من الدور التركي المستعاد، ويعتبر أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان يذهب بعيداً جداً في مواجهته مع الإسرائيليين وبالتالي مع الأميركيين، وأيضا في تفاعله مع الإيرانيين، بما يتعارض مع ما يحتمله بعض العرب وما يرونه من خدمة للمصالح العربية التي حددت أشكالها الأولى في أعقاب الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وهي اللحظة التي شهدت الافتراق الأول بين تركيا وبين الولايات المتحدة.
لم يكن الامتناع اللبناني عن التصويت على الدفعة الجديدة من العقوبات التي أقرها مجلس الأمن الدولي على إيران قراراً حكيماً، حتى بالمعايير اللبنانية والعربية التي املته والتي يبدو انها كانت مهجوسة بالدور الإيراني في تحويل لبنان الى قاعدة صاروخية متقدمة، وفي اختراق النسيج الوطني العراقي، وفي التسلل الى العمق الفلسطيني واليمني، والعربي عموما... وهو دور أدرج في مراحل سابقة في مشروع امبراطوري فارسي يتناقض مع تواضع الدولة الإيرانية وإمكاناتها وتحدياتها الداخلية، ويتنافى أساساً مع تطلعات الجمهور الإيراني ذي الغالبية الإصلاحية الراغب في الانكفاء الى مشكلاته الخاصة، والذي لم تتضح بعد طبيعة تلقيه للقرار الدولي الجديد، ودرجة تأثره به، واستفادته منه في احتجاجاته المرتقبة غداً السبت في الذكرى السنوية الأولى للتمديد للرئيس محمود احمدي نجاد.
لكن هذا الامتناع اللبناني سيحظى على الأرجح بقدر كبير من التفهم، وربما أيضاً من التقدير الإيراني، وهو ما عبر عنه رئيس وفد إيران في الأمم المتحدة عندما شكر لبنان في كلمته، وتوجه بعد جلسة مجلس الأمن الى الوفد اللبناني وصافحهم فرداً فرداً، عدا طبعاً نائبة رئيس البعثة كارولين زيادة (لأسباب غير سياسية معروفة جيداً)... ما يشير إلى أن طهران لم تكن تتوقع موقفاً لبنانياً مغايراً، لا برفض العقوبات ولا طبعاً بتأييدها، وإن كانت الميول اللبنانية التي جرى التعبير عنها في جلسة مجلس الوزراء واضحة وصريحة، وكذلك الانقسام اللبناني الذي كاد يؤدي الى فضيحة، أو إلى سابقة في تاريخ المنظمة الدولية، عندما أرسلت التعليمات الى مندوب لبنان السفير نواف سلام بالامتناع لأن الحكومة اللبنانية لم تتوصل الى موقف!
اسوأ ما يعكسه هذا اللاموقف اللبناني هو ذلك الابتعاد عن الموقف التركي الذي كان يفترض أن يشكل مظلة سياسية وافية للبنان، خصوصاً أن اعتراضه على العقوبات لم يكن مبنياً على غرام تركي مستجد بإيران ونظامها السياسي والديني، ولا طبعاً ببرنامجها النووي، بل كان مستنداً الى قراءة دقيقة للوقائع، ورؤية واقعية لسبل احتواء إيران وأزمتها، ورغبة في الدفاع عن الدور التركي في العالمين العربي والإسلامي في وجه الشغب الإسرائيلي، والأميركي ايضاً، على ذلك الدور.. الذي سبق لبعض العرب ان رأى فيه توازناً مذهبياً مع بلاد فارس الشيعية.
لن تشعر أنقرة بالاستياء للامتناع اللبناني، لكنها على الأرجح ستلتقط تلك الإشارات الصادرة من اكثر من عاصمة عربية والتي توحي بأن السير مع رجب طيب اردوغان حتى النهاية قد لا يكون مستحباً!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018