ارشيف من :أخبار لبنانية

حسين الحسيني: للمجلس الأعلى أمٌّ وأب

حسين الحسيني: للمجلس الأعلى أمٌّ وأب

ثائر غندور، الأخبار

اقترح الرئيس الحسيني فكرة المجلس الأعلى اللبناني السوري سنة 1987 (أرشيف ــ بلال جاويش)في ظلّ عودة الزيارات الرئاسيّة اللبنانيّة إلى سوريا، يجري الحديث السياسي عن المجلس الأعلى اللبناني ــ السوري، ودوره. ويطرح البعض إلغاءه «لأنه أصبح بين البلدين سفارات». الرئيس حسين الحسيني يؤكّد ضرورة بقاء المجلس الأعلى، ويتحدّث عن مهماته وأهميته ونشأته ومكامن الخلل في العلاقة


أن يتحدّث الرئيس حسين الحسيني عن العلاقات اللبنانيّة ـــــ السوريّة، فهذا يعني أن خبيراً في بلورة هذه العلاقات يتحدّث. من الضروري الاستماع إلى من رأَسَ مجلس النواب الذي أقرّ الإصلاحات الدستوريّة التي أنتجت دستور الجمهوريّة الثانيّة في 5 كانون الأول من عام 1989 (واحتفظ بمحاضر جلسات الطائف)، ثم أقرّ معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق مع سوريا (التي وقَّع عليها البلدان في دمشق في 22 أيّار من عام 1991). بعد ذلك بأشهر، انقلب عليه الثلاثي السوري (عبد الحليم خدام، حكمت الشهابي، غازي كنعان) الذي حكم لبنان مع حلفائه اللبنانيين وأبعدوا «دولة الرئيس» عن رئاسة مجلس النواب. مع ذلك، يخلو كلام الحسيني من أي حقدٍ، بل قراءة هادئة لحال بلد زار الهاوية ولم يدرِ.

أن تسأل حسين الحسيني عن المجلس الأعلى اللبناني السوري، وتقويمه له، فهذا يعني أنك ستجد الرجل قد جهّز ملفّاته، وأمامه نسختان من كلّ ورقةٍ يعتقد أنها ستكون مفيدة لهذا البحث.

يتحدّث من قدم استقالته من البرلمان الماضي، بوضوح: «اتفقنا في الطائف على علاقات مميّزة مع سوريا، وذلك ضمن ثلاثة مرتكزات أساسيّة بُني عليها تطوّر النظام اللبناني: تطبيق القرارات الدوليّة لتحرير الأرض، ترسيخ العلاقة مع سوريا، وإقامة الدولة اللبنانيّة».

الأمور الثلاثة لم تتحقّق، برأي الحسيني. الولايات المتحدة الأميركيّة تراجعت عن تعهّداتها بتنفيذ القرارات الدوليّة، وأهمها حينها القرار 425، وانتقلت إلى خيار مؤتمر مدريد. الدولة اللبنانيّة لم تقمْ بعد، لذلك، فإن العلاقات اللبنانيّة ـــــ السوريّة لم تكن في أفضل حالاتها.

اليوم، يقول الحسيني، إن بقاء المجلس الأعلى اللبناني ـــــ السوري أكثر من ضروري، وإن تبادل السفارات بين البلدين لا يلغي ضرورة وجود هذا المجلس. هو يرى فيه نموذجاً شبيهاً بالمجلس الذي أنشئ بين ألمانيا وفرنسا، وتوسّع ليُثمر الاتحاد الأوروبي. كان المفروض بالمجلس الأعلى أن يكون نموذجاً.
لكن، ما هي قصّة هذا المجلس؟

في الثامن من كانون الأول 1987، وقف الحسيني على منبر جمعيّة المقاصد ليُلقي كلمة في ندوة تحت عنوان «السلام في لبنان». يومها طرح الرجل للمرّة الأولى فكرة المجلس الأعلى من خلال اقتراحه صيغة العلاقة بين البلدين:

«أولاً: لبنان وسوريا دولتان عربيّتان.

ثانياً: بينهما علاقة مميّزة تستلزم أوثق أشكال التنسيق والعمل المشترك.

ثالثاً: في إطار (مجلس تعاون) لا يتعارض مع كونهما دولتين مستقلتين تنتميان إلى جامعة الدول العربيّة ومنظمة الأمم المتحدة.
رابعاً: في صورة تتسع لانتساب دول عربيّة أخرى».

انتفضت الميليشيات اللبنانيّة على هذا الطرح، يقول الحسيني. يُضيف إن نائب الرئيس السوري السابق، عبد الحليم خدّام، حارب هذه الفكرة بالكامل انطلاقاً من عدم اعترافه بالكيان اللبناني، وقال للحسيني: «كميل شمعون طلب الفدراليّة، وبيار الجميّل الوحدة، وأنت تتحدّث اليوم عن مجلس تعاون». لكن، في رأي الحسيني، تلقف الرئيس الراحل حافظ الأسد المبادرة، «لأنه رأى أن هذه أوّل مرّة يحصل فيها كلام جدي في ما يخصّ العلاقة بين البلدين، فتبنّاها بالكامل».
إذاً، احتضن الرئيس حافظ الأسد الفكرة فعاشت.

هنا، يُبرز الحسيني أوراقاً لم تُكشف من قبل، عن النقاش مع البطريرك نصر الله صفير عن اتفاق الطائف. يسحب الرجل من أوراقه المسوّدة النهائيّة التي اتفق مع صفير عليها بعد لقائه في الفاتيكان وفي الديمان في حزيران 1989. تنصّ الورقة التي يملك كل من صفير والرئيس السوري نسخة عنها، إضافة إلى النسخة التي يملكها الحسيني، على ثلاثة بنود: إقامة علاقات مميّزة، إنشاء المجلس، واتفاقيّات ثنائيّة. ويُشير الحسيني إلى أن اسم المعاهدة (معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق) قد أُخذ من مقرّرات مؤتمر المطارنة الموارنة الشهير في عام 1936 برئاسة البطريرك أنطوان عريضة الذين طالبوا فيه باستقلال لبنان، «وفي السطر نفسه اشترطوا على أن توطّد صلات الأخوّة بين لبنان وسوريا، ولا سيما في القضايا الاقتصاديّة والاجتماعيّة».

أُقرّ المجلس الأعلى، ولم يكن الفريق اللبناني ـــــ السوري، الذي رفضه بدايةً بعيداً عن التأثير عليه. ويُعطي الحسيني مثالاً على عمليّة تعطيل هذا المجلس عن العمل. طُرح في أول اجتماع استيراد النفط مباشرةً من سوريا، من دولة إلى دولة، «لكن كارتيل النفط لم يُعجبه الأمر، وهو كارتيل ضمّ حينها ممثلي الميليشيات اللبنانيّة برعاية من الراحل الرئيس رفيق الحريري وخدام». وفي الاجتماع الثاني، سأل الحسيني المجتمعين عن سبب عدم السير بهذا الاتفاق، فسأل الأسد رئيس وزرائه حينها الراحل محمود الزعبي. ارتبك الزعبي كثيراً، ولم يعرف ما ينبغي قوله. يضيف الحسيني إن الأسد عاد وأكّد ضرورة إنجاز اتفاق شراء النفط. وخلال تناول الغداء، توجّه الزعبي إلى الحسيني قائلاً: «لماذا أحرجتني هكذا؟ المشكلة عندكم، حكومتكم لا تُريد استيراد النفط من دولة إلى دولة». في تلك اللحظة أدرك الحسيني أن الميليشيات اللبنانيّة المتضامنة والمتكافلة مع الفريق السوري الذي حكم لبنان حينها، أصدرت قرارها بالقضاء على المجلس الأعلى وتفريغه من مضمونه.

وما الدور المفروض أن يقوم به المجلس الأعلى؟

يُحدّد الحسيني هدفين واضحين للمجلس: التنسيق، وحلّ المشاكل المتراكمة. ويرى الرجل أنه لا إمكان لحلّ جميع المشاكل المتراكمة منذ نشوء دولة لبنان، وما رافق هذه المرحلة من مشكلات تطوّرت رغم التنسيق بين البلدين في معركتي الاستقلال والجلاء. وهو يُشير إلى أن واحدة من أهم المشكلات هي الطريقة التي يتصرّف بها الطاقم اللبناني، وأبرز سمات تصرّفات هذا الطاقم هي: «الكبت والإنكار أو المزايدة والمناقصة». ويقصد الحسيني بالكبت، الامتناع عن تناول العلاقة، ويعطي مثالاً: «نرى هذا الأمر في الدعوات إلى الحياد أو في شكل قول بحسن الجوار. وهو يقوم على إنكار واقع الترابط بين البلدين ووجوب تضامنهما».

أمّا المزايدة والمناقصة فتظهران، في «قول البعض إن سوريا عدوّه الوحيد، إلى قائل بأنه حليف سوريا الوحيد، ومن قائل إنه في حالة عداء مع سوريا، إلى قائل بأنه في حالة وحدة معها».

وبرأي الحسيني، من اللازم تجاوز هذه الحالات للارتقاء بالعلاقة نحو التنسيق والتعاون الحقيقيين، وهذا ما يُمكن المجلس أن يقوم به. فهو مساحة للحوار الدوري (كان من المفترض أن تكون اجتماعاته دوريةً، سنوية أو نصف سنويّة)، حيث تؤكّد سوريا اعترافها الكامل بلبنان، «وهو ما قام به الرئيس حافظ الأسد في معاهدة التعاون والتنسيق بوضوح».

هذه الاجتماعات الدوريّة تؤدي مهمة أساسية تتمثل بتفادي نشوء مشكلات إضافيّة بين البلدين، وحلحلة ما تراكم عبر السنين شيئاً فشيئاً، «وعندما لم يحصل هذا الأمر وصلنا إلى الانفجار في العلاقة بين البلدين في عام 2005، وهو أمر قد يتكرّر لاحقاً، إذا لم تكن العلاقة بين البلدين موضوعة تحت مجهر المجلس الأعلى الذي يضم أعلى سلطات البلدين».

يبتسم الحسيني عندما يسمع كلاماً على لسان هذا أو ذاك من السياسيين عن ضرورة إلغاء المعاهدة بين لبنان وسوريا، «وخصوصاً أن أغلبهم لم يقرأوا المعاهدة والاتفاقيّات». يقول الحسيني إن سوريا لن تكون يوماً حزينةً لإلغاء المعاهدة، لأنها «ببساطة الطرف القوي الذي لا يريد نصاً مكتوباً يُكبّله، بينما الطرف الضعيف عليه أن يتمسّك بالنصوص لأنها حمايته الأساسيّة». ويُعيد التأكيد في هذا الإطار، أن تبادل السفارتين والدبلوماسيين بين البلدين لا يُمثّل أي عائقٍ في وجه استمرار عمل المجلس الأعلى اللبناني ـــــ السوري.

يعود الحسيني إلى الطائف، فهناك اتفقنا على «أن ما نسميه علاقات لبنانيّة ـــــ سوريّة يمثّل ركناً من أركان الدولة، وهو بالتالي شرط من شروط السلام الذي لا يحلّ إلّا بقيام الدولة».

إذاً، هي حلقة مترابطة كما يقول الرئيس السابق لمجلس النواب. لا يُمكن تحقيق أيٍّ منها بدون الشرطين الآخرين. ويرى أن العبء الأساسي يقع على جانب السلطة السياسيّة اللبنانيّة، التي يملك الحسيني الكثير من النقد لها.

2010-06-15