ارشيف من :أخبار لبنانية

عن فلسطين التي تفقد نسبها!

عن فلسطين التي تفقد نسبها!

سليمان تقي الدين - السفير

صرّح محمود عباس أنه يعترف لليهود بحقهم في أرض الميعاد! أظهر عدم التفاؤل بإمكان قيام دولة فلسطينية. من جهته قال نتنياهو إن دولاً عربية تطلب عدم فك الحصار عن غزة. يبدو أن من بين تلك الدول التي عناها نتنياهو «سلطة أوسلو» التي يعلن بعض المسؤولين فيها أن المؤن والأدوية والحاجات الإنسانية الأساسية تصل بغزارة إلى غزة وتساهم السلطة في ذلك!

قد يكون محمود عباس حسن النية ويتصرف كأنه مستشرق أكاديمي وملتزم حوار الأديان والحضارات، وهو لا ينكر حقيقة وجود اليهود الشرقيين في فلسطين قبل ألفي سنة، ويدعو للاعتراف لهم بالأسطورة التوراتية.

قد يكون محمود عباس داعية سلام من نمط خاص، ويريد أن يتعامل مع الاستعمار الاستيطاني كما تعامل نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا.

قد يكون محمود عباس في حضرة المنظمة الصهيونية العالمية (إيباك) التي ذهب لمحاورتها يريد أن يوصل رسالة قوية للغرب والآخرين، إنه يبحث عن حل للمسألة اليهودية التي ساهم الغرب منذ قرن في تشكيلها سواء باضطهاد اليهود أو بدعم مشروعهم لاحتلال فلسطين. قد يكون كل ذلك لكنه لا يصلح أن يكون رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية التي أسقطت مشروع التحرير، ولا يصلح أن يدافع عن حقوق شعب احتلت أرضه وهُجِّر منها لصالح مستوطنين غربيين جاؤوا من أشتات العالم وتلبّسوا هوية قومية لا رابط فيها سوى الدين: اليهودية من بين الأديان المنتشرة في العالم والتي لا تتطابق مع عنصر أو جغرافيا أو ثقافة لغوية أو تواصل تاريخي.

لنترك المسألة اليهودية التي تشكلت من إيديولوجيا حديثة واستطاعت أن تتقاطع مع المشروع الاستعماري لتقيم دولة على أرض فلسطين، ونسأل الممثل الرسمي للشعب الفلسطيني الآتي من تركيبة سلطوية لا خيار لعموم هذا الشعب فيها.

الشرعية الوطنية التاريخية لمنظمة التحرير انتهت بتعطيل المجالس الوطنية وبتعديل ميثاق المنظمة وباتفاق أوسلو الذي جاء في غياب استفتاء لإرادة هذا الشعب. أما السلطة المنتخبة التي يتسلح الرئيس بشرعيتها فلها نقيضها في أكثرية المجلس التشريعي الذي أفرز الحكومة المقالة الممسكة بغزة اليوم.
 
كيف إذاً لفرد أن يتصرف بالحقوق الثابتة لهذا الشعب وفق معايير التاريخ ومعايير القانون الدولي وكل ثقافة حقوق الإنسان؟ وعلى فرض أن عباس وحماس لا يملك أحدهما الشرعية القانونية الشاملة فنحن نتحدث عن أكثر من عشرة ملايين فلسطيني هم الآن مجموعات مفتتة بين أرض فلسطين التاريخية والدول العربية والعالم. أي هوية وطنية لهذا الشعب الذي اغتاله وعد بلفور ثم سايكس بيكو، وأي أرض يستوطن وأي كيان إنساني يصنع؟ هجرتان وتهجيران متعاكسان ألغى كل منهما حق شعب لصالح «شعب آخر» تكوّن بإرادة ذاتية مفتعلة وبحاضنة استعمارية جعلته قوة وأداة لفكرة عنصرية ما زالت تتطلع لإلغاء الآخر بشطبه مادياً ومعنوياً عن خريطة تاريخه. لكن عباس لا ينطق فقط عن هوى بأن يظل وكيلاً عن الاحتلال في إدارة مربعات أمنية يحشر ويفتت الشعب الفلسطيني فيها وتنتهك حقوقه الوطنية والإنسانية.

هو صدى لنظام رسمي عربي تشده روابط معلنة وغير سرية مع الاحتلال لشراكته في محاصرة نضال الشعب الفلسطيني وكبحه، وغزة شاهد ساطع. نظام يرى إلى الكيان الإسرائيلي جزءاً من منظومة العلاقات الأمنية الإقليمية التي تؤمن التكامل بينه وبين السيطرة الأميركية على المنطقة.
 
لقد صار جزءاً من أمن هذا النظام مرتبطاً بتصفية قضية فلسطين في شكل من أشكال التصفية، في دويلة مسخ، أو في حكم ذاتي يتعاون مع الاحتلال، فضلاً عن تغيير ديموغرافي متصاعد وتوطين في الشتات أو تذويبه دولياً بالقوة أو بالإغراء وبأقل ما يتعامل العالم مع قبائل الغجر الموجودة في العديد من الدول.
لكن هذه الحلول التصفوية بقدر ما تتصاعد في العقل الإسرائيلي وتخترق التفكير والعقل والإرادة نتيجة العجز العربي، بقدر ما تصطدم بوقائع عنيدة تناقض هذه المخيّلة المريضة لصانعي القرار الرسمي هنا وهناك.

غزة هي الآن في واجهة التحديات لأنها خارج هذا السياق، وعرب 1948 هم كتلة مرشحة لجراحة لا يحتملها عالم اليوم ما لم تحصل حروب تخلط الحابل بالنابل، والجوار الفلسطيني بات يشكّل دائرة من الاعتراض النشط لمثل هذه الحلول. ولعل النظرة الدولية في الكثير من الدوائر والأوساط باتت تتطلع بواقعية أكبر للمستقبل الغامض والمحاط بالمخاطر لهذه الأقلية اليهودية التي استنفدت كل طاقاتها في مواجهة حيوية شعب فلسطيني وشعوب عربية وإسلامية ما زالت قادرة على تجريب خيارات عدة وابتكار أشكال من المقاومة. المسائل التاريخية لا يحلها إلا التاريخ أو «مكر التاريخ».

في مثل هذه اللحظات السياسية المفتوحة على كل الاحتمالات، لا يجدي الخطاب العربي التنازلي، ولا تفيد المبادرات التي تنعش الأحلام الخطيرة «لشعب إسرائيل» ولا لمن يسانده من دول. هذه لحظة لإظهار الخطر الفعلي أو التحدي الحقيقي الذي يواجهه المشروع الصهيوني، وضرورة البحث عن حلول أساسها تفكيك المنظومة العنصرية وطموحاتها.

قد يكون من المنطق السياسي الآن أن نجيب على تلك المستجدات التي طرأت بإعادة الاعتبار لشعار الدولة الديموقراطية التعددية في فلسطين كحل يتضمن حق العودة والمشاركة ويسقط فكرة المكتسبات الصهيونية. ليس على العرب أن يقترحوا تسويات أدنى من الحقوق الثابتة بل عليهم أن يفاوضوا انطلاقاً منها.

لا يتوافق هذا الكلام طبعاً مع وصفنا الحال الرسمي العربي كما يقول البعض، لكنه الكلام الوحيد الضروري لتصحيح مسار القضية الفلسطينية بعد إفلاس مؤسستها الرسمية القائدة، وبعد تفاقم أزمة التفاوض العربي وانسداد آفاق الحلول. إنها الحاجة للبحث عن بدائل لإدارة المواجهة السياسية قبل الحديث عن المقاومة العسكرية التحريرية. لا معنى للمقاومة أصلاً من دون استراتيجية للتحرير. لا معنى للسلاح من دون مشروع سياسي.

هذا ليس تفاؤلاً. هذا هو الواقع المأساوي الذي لا يمكن تجاوزه إلا بتفاؤل الإرادة.

2010-06-15