ارشيف من :أخبار لبنانية
"لجنة تعمية" إسرائيلية للالتفاف على التحقيق الدولي في مجزرة "أسطول الحرية"
حلمي موسى ، السفير
أقرت الحكومة الإسرائيلية تشكيل لجنة «فحص» إسرائيلية لـ«مدى قانونية» القرارات بشأن الحصار والسيطرة على سفينة «مرمرة»، برئاسة قاض سابق في المحكمة العليا الإسرائيلية، ومشاركة مراقبين دوليين أحدهما أيرلندي شمالي والثاني كندي. وبدت اللجنة الإسرائيلية في تشكيلتها محاولة صارخة للالتفاف على المطلب العالمي بتشكيل لجنة تحقيق دولية، وهو ما أثار اعتراض العديد من الدول رغم المباركة الرسمية الأميركية.
وبدا واضحاً من اللحظة الأولى، حتى للحكومة الإسرائيلية، أن تشكيل اللجنة لن يغير وجهة تطوّر الأمور. ولذلك أعلن نتنياهو أن الحملة على إسرائيل سوف تتواصل وأن «بانتظارنا أياماً غير سهلة. فقوى الظلام من القرون الوسطى تهب في وجهنا. وقد تلقيت مكالمات من جهات جدية في البلقان وشرق أوروبا قلقة جداً من التطورات». وذهب نتنياهو أبعد من ذلك عندما قال أمام جلسة الحكومة إنه ليس في تشكيل اللجنة ما يضمن «ألا نواجه مفاجآت من هنا وهناك حتى من جانب أصدقاء لنا».
وكان نتنياهو صريحاً في تأكيده بأن «الذهاب سريعا إلى لجنة تحقيق دولية أمر ينطوي على الكثير من المشاكل. ولكن هذه اللجنة تعزز قدرتنا على الكفاح في الحلبة السياسية الدولية. وأفترض أننا لو لم نفعل ذلك لبتنا في مشكلة أكبر في العالم. ثمة ثمن معين ندفعه، ولكن في الظروف الحالية، هذه هي الخطوة المثلى».
وقال نتنياهو للوزراء في تبرير اللجنة إن «مبدأين وجّهانا، أولهما الحفاظ على حرية عمل جنود الجيش الإسرائيلي ومصداقية التحقيق العسكري. وثانيهما، توفير رد موثوق ومقنع للدول المسؤولة في الأسرة الدولية».
وفي الاجتماع، شرح وزير الدفاع إيهود باراك موقف المؤسسة العسكرية من خضوع أفرادها للتحقيق، بما في ذلك التحقيق القضائي الإسرائيلي. وقال باراك إن «المؤسسة الأمنية عارضت دائما وأبدا أي مساس بسرية التحقيق العسكري، الذي يشكل الطريق الصائب لاستيضاح الأمور. فالجندي خلال جزء من الثانية يضطر لأن يقرر إن كان عليه أن يتصرف أم لا، أن يطلق النار أو لا يطلق. وينبغي له أن يستخدم منطقه وقواعد الأخلاق. ولا ينبغي له في ذلك الجزء من الثانية أن يخطر بباله الحوار الذي ينبغي عليه أن يجريه لاحقاً مع محاميه».
أما وزير «انتصاب القامة» أفيغدور ليبرمان فحاول في الاجتماع تبرير اضطرار إسرائيل لقبول «رقابة» دولية. وأشار إلى أن «قسماً من الأسرة الدولية يعتقد بأنه ليس بوسع إسرائيل أن تحقق مع نفسها، ويستحيل الركون إلى الجهاز القضائي وتحقيقات المؤسسة العسكرية. وفي الظروف الناشئة لم يكن ثمة مفر سوى إقامة هذه اللجنة. إذ لدينا مصلحة في فحص كل الوقائع التي وقعت. لدينا مصلحة في أن تفحص الأمور هنا أيضاً بمنظار الأسرة الدولية».
وقد حاول نتنياهو ضمن ترتيب معين نيل مباركة أميركية أولاً، ثم مباركة أوروبية، خصوصاً من الدول ذات الأهمية الكبيرة لإسرائيل مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا وأسبانيا. ولهذا الغرض تحادث هاتفياً مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ورئيس الحكومة البريطانية ديفيد كاميرون، ورئيس الحكومة الأسبانية خوسيه لويس ثاباتيرو، ومبعوث الرباعية الدولية للشرق الأوسط طوني بلير. وتبرع نتنياهو بإبلاغ الوزراء بأن الأسرة الدولية تؤيد القرار الإسرائيلي بتشكيل لجنة الفحص هذه.
لجنة تعمية
وحدد نتنياهو صلاحيات اللجنة بأن عليها أن تقدم استنتاجاتها بشأن ما إذا كانت النشاطات التي نفذتها إسرائيل لمنع وصول القافلة البحرية إلى شواطئ غزة وأهدافها تتناسب مع القانون الدولي أم لا. كما أنها ستفحص الظروف الأمنية لفرض الحصار البحري على غزة، ما إذا كانت النشاطات التي قامت بها إسرائيل لفرضه تتناسب مع قواعد القانون الدولي.
وإلى جانب ذلك ستفحص اللجنة النشاطات التي قام بها أفراد قافلة الحرية. وستفحص اللجنة ما إذا كانت هناك إمكانية لوقوع انتهاكات لقوانين الحرب. وجرت الإشارة إلى أن بوسع اللجنة الطلب من أي شخص أو جهة الامتثال للشهادة أمامها أو تقديم معلومات لها، خصوصاً رئيس الحكومة، ووزير الدفاع، ورئيس الأركان في أي شأن تعتقد أن له صلة بالموضوع. وستحصل اللجنة في كل ما يتعلق بالعملية العسكرية على الوثائق المطلوبة ويمكنها أن تطلب إجمالي تحقيقات عملياتية من رئيس طاقم الخبراء الذي شكله رئيس الأركان والذي يرأسه الجنرال غيورا آيلاند.
تجدر الإشارة إلى أن اللجنة المعينة هذه فاقدة أي صلاحية قانونية بشأن توصياتها التي ليست أكثر من توصيات استشارية لا تختلف عن أي عمل أكاديمي. ورغم أنه من حق اللجنة استدعاء شهود إلا أنه ليست للجنة صلاحية جلب الشهود أو إرغامهم على المثول كما ليس من صلاحياتها إلزام الجيش أو الحكومة مثلاً بتوفير وثيقة محددة أو تقديم شهادة محددة. وباختصار هي لجنة «لمخاطبة العالم» أو لتعميته.
تشكيلة اللجنة
تضم لجنة الفحص التي قررت الحكومة الإسرائيلية تشكيلها ثلاثة أعضاء إسرائيليين ومراقبَين دوليين. ويرأس اللجنة قاضي المحكمة العليا السابق يعقوب تيركل، وضمن عضويتها الرئيس السابق لمعهد الهندسة التطبيقية (التخنيون) الجنرال عاموس حوريف، وبروفيسور القانون الدولي شبتاي روزين. أما المراقبان الدوليان فهما ويليام ديفيد تريمبل الذي شارك في عملية السلام في إيرلندا الشمالية ونال جائزة نوبل بفضل ذلك، والمدعي العام العسكري السابق لكندا اللواء كين ويتكن.
ولا يخفى على أحد أن اللورد اليميني البريطاني العاشق لإسرائيل هو الأكثر شباباً بين الأعضاء والمراقبين الخمسة في اللجنة. فرئيس اللجنة، تيركل يبلغ الخامسة والسبعين من عمره فيما أن كبيرهم، روزين، فقط في الثالثة والتسعين من العمر فيما أن حوريف في السادسة والثمانين من العمر. وفي نظر الكثيرين، وحتى لو توفر العزم فإن أحداً لا يبالغ في قدرات «جيل البروستات» على العمل الشاق. وبالمناسبة فإن إحدى الصحف الإسرائيلية قالت إن تيركل نفسه كان ينام أثناء جلسات الحكم في المحكمة العليا. طبعاً هذا قبل أن يتقاعد من العمل.
ورد الوزير بني بيغن في حديث للإذاعة الإسرائيلية على اتهام بأن القصد من اختيار هؤلاء هو المماطلة في التحقيق. وقال بيغن: «لا أجد سبباً للخوف من هذه المسألة. فهذه ليست حرباً فيها مشاركون كثر، وإنما حدث صغير. وأنا أعرف لجاناً أخرى لأشخاص أصغر عمراً استغرق منهم العمل وقتاً طويلاً».
الرئيس يعقوب تيركل
يشير أغلب من كتبوا عن القاضي تيركل أنه رغم توليه القضاء أكثر من ثلاثين عاماً بينها ثمانية أعوام في المحكمة العليا إلا أنه كان مغموراً وغير متميز. وإذا كان له من تميز في المحكمة العليا فقد كان في الغالب في تصنيف رأيه ضمن رأي الأقلية، ما يعني أنه لم يكن له في الغالب دور في القرارات الهامة إلا بوصفه معارضاً لها. وهذا ما حدا به لاحقاً إلى إلقاء محاضرات حول أهمية رأي الأقلية في الأحكام القضائية.
ولكن من المؤكد أن نتنياهو وحكومته لم يختاروا القاضي تيركل لرئاسة اللجنة بسبب كونه في الأقلية وإنما لأنه يعتبر من القضاة «الأمنيين». بل ذهب بعض المعلقين إلى اعتباره «السيد نعم» لكل ما تقول به المؤسسة الأمنية وتعرضه على القضاة. وقال نائب رئيس المعهد الإسرائيلي للديموقراطية، البروفيسور مردخاي كريمنتسر أن تيركل غير معروف كخبير في القانون الدولي وهو ليس بين القضاة السابقين في المحكمة العليا ذوي الشهرة والاحترام في العالم.
وللقاضي تيركل تاريخ مع اللبنانيين ومواقف. ففي نيسان العام 2000، وضمن طاقم قضاة موسع من تسعة أعضاء نوقشت مسألة احتجاز شخص في الاعتقال الإداري من دون أن يشكل أي خطر أمني وفقط لأن بالوسع استخدامه «ورقة مساومة» في المفاوضات لتبادل الأسرى. وكان الأمر يتعلق بمناضلين لبنانيين اعتقلوا في نهاية الثمانينيات وأنهوا فترات حكمهم وتمّ توقيفهم إدارياً لمساومة «حزب الله» عليهم. فماذا كان قرار تيركل، وكان ضمن الأقلية مع قاضيين آخرين؟ لقد أشار في رأيه إلى أن «المعطيات المتوفرة لا تسمح بوزن الأمر قضائياً وإنما «عبر بوتقة انصهار القيم الوطنية ومشاعر الرحمة الإنسانية على حد سواء... وعندما وازنت هذه وتلك ليس بوسعي سوى أن أقرر، فعلاً بألم وحزن، أن كرامة وحرية مقاتلينا أعزّ عندي من كرامة وحرية مقاتلي العدو».
وأيّد تيركل في حرب العراق، في حكم أصدره، حق الحكومة في السيطرة على البث التلفزيوني الأجنبي ومنعها في حال تعرّض إسرائيل لسقوط صواريخ. وقال إنه لا خلاف على أن الأمر يتعلق بأمن الدولة ويمكن لرئيس الحكومة التصرّف بهذا الحق بوصفه وزيراً للإعلام.
وكان وحيداً في موقفه من التماس طالب بمنع الحكومة من الاتفاق أو التفاهم مع السلطة الفلسطينية حيث عارض ستة قضاة هذا الالتماس فيما أيّده منفرداً. كما أنه ترأس لجنة الانتخابات ورفض قرار المستشار القضائي للحكومة ميني مازوز بشأن منع العنصري موشيه فايغلين من خوض الانتخابات، وسمح له بالمشاركة.
يبلغ تيركل من العمر 75 عاماً وهو متزوج من مريم التي كانت حتى تسريحها تخدم في الجيش النظامي وتحمل رتبة مقدم. تجدر الإشارة إلى أن تيركل وقبل تعيينه رئيساً للجنة الفحص طالب في حديث مع إذاعة الجيش بتشكيل لجنة تحقيق رسمية. وأضاف في ما يشبه عرض نفسه للعمل: «أنا لست من أنصار تقديم توصيات شخصية. ما يقف أمام ناظري هو الموضوع. وأنا أريد ألا يقع مزيد من الإخفاقات. أما إذا كان سيُطاح بفلان أو علان أو تجميد عمل فلان أو علان فإن هذه مسألة هامشية في نظري».
شبتاي روزين
يبلغ الثالثة والتسعين من العمر. وهو بروفيسور في القانون الدولي، نال في العام 1960 جائزة إسرائيل في العلوم القضائية. وخدم في الماضي في العديد من المناصب الدبلوماسية بينها سفير إسرائيل في الأمم المتحدة. ويشاع أن اختيار روزين لعضوية اللجنة جاء بسبب سمعته الدولية، إذ فاز في العام 2004 بجائزة لاهاي للقانون الدولي. وكان روزين عضواً في الوفد الإسرائيلي لاتفاقيات الهدنة، كما خدم في الماضي مستشاراً للعديد من الحكومات في العالم.
الجنرال عاموس حوريف
يبلغ من العمر 86 عاماً. خدم في الـ«هاغناه» وكان بين أول من التحقوا بقوات الـ«بلماخ» تحت إمرة اسحق رابين وغدا نائباً له. وفي الجيش تولى العديد من المسؤوليات في هيئة الأركان، بينها كبير ضباط التسليح ورئيس شعبة الإمداد. وبعد تسريحه من الخدمة عاد بعد حرب تشرين عام 1973 للعمل كمستشار خاص لنائب رئيس الأركان.
وبعد ذلك تم تعيينه رئيساً لمعهد العلوم التطبيقية في حيفا المعروف باسم «التخنيون» واستمر في هذا المنصب لتسع سنوات. وفي تلك الأثناء ظل يخدم في الجيش في منصب كبير العلماء في المؤسسة الأمنية.
دافيد تريمبل
اللورد ويليام دافيد تريمبل في الخامسة والستين من عمره. سياسي من شمالي أيرلندا. نال جائزة نوبل للسلام بفضل دوره في التوصل لاتفاق بلفاست الذي قاد إلى التهدئة هناك. وتريمبل محافظ تزعم حزب «أولستر التوحيدي». ورفض في البداية قبول مبادرة السيناتور الأميركي جورج ميتشل، لكنه في النهاية غير موقفه ووقع على اتفاق مع الـ«شين فين»، الذراع العسكري للجيش الجمهوري الإيرلندي. وإلى جانب زعامته للحزب الوحدوي خدم كوزير وكعضو في البرلمان البريطاني.
ويعتبر إشراك تريمبل في اللجنة أمراً شبه عادي بسبب عداء الرجل للجيش الجمهوري الإيرلندي وأنصاره من الفلسطينيين. وثمة في إسرائيل من يقولون إن أرضية مشتركة قائمة هي مكافحة الإرهاب والتلاقي. وربما لهذا السبب وفي ظل العزلة المتزايدة التي تفرض عالمياً على إسرائيل خالف تريمبل الجمع وانضم إلى عشاق إسرائيل قبل أسبوعين بانضمامه إلى نادي أنصار إسرائيل.
ولكن هناك من يقول إن لنتنياهو تاريخاً أبعد من ذلك مع تريمبل. فقد حاول نتنياهو قبل ثلاث سنوات بلورة حملة دولية لاتهام الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بالسعي لإبادة الجنس البشري، وبالتالي وجوب محاكمته كمجرم حرب. هناك قلة انضموا لحملة نتنياهو هذه. بين هذه القلة كان دافيد تريمبل.
كين ويتكن ويتكن حقوقي دولي. خدم في الماضي مدعياً عسكرياً عاماً لكندا. وخلال «الحملة الأميركية على الإرهاب» بعد أحداث الحادي عشر من أيلول عمل ويتكن كنائب للمدعي العسكري العام الكندي وقام بدور مهم في «الحملة ضد الإرهاب». وبعد ذلك شارك كمستشار قضائي في العديد من لجان التحقيق في مجازر رواندا وحول أداء القوات الكندية في الصومال. كما سبق وخدم قبل ثمانية أعوام كبروفيسور ضيف في جامعة هارفارد، ونشر دراسات حول القضاء في النزاعات العسكرية وحقوق الإنسان.
وقد تمّ اختيار اللواء كين ويتكن بسبب الانطباع لدى الإسرائيليين عن كونه صاحب فهم خاص في قضايا محاربة «قوى ليست دولاً»، وهي الصفة التي تطلق اليوم على منظمات المقاومة مثل حزب الله وحماس. ويتوقع الإسرائيليون منه تفهماً كبيراً للموقف الإسرائيلي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018