ارشيف من :أخبار لبنانية
المصالحـة التـي لا تلغـي المقاومـة
سمير كرم، السفير
كلما ارتكبت الدولة الصهيونية واحدة من جرائمها الكبرى ضد الشعب الفلسطيني ـ ولا نقصد هنا الجرائم اليومية المعتادة التي تشمل الاغتيال والاعتقال وتشمل الضفة الغربية وغزة ـ تصاعدت الاصوات، عربية وغير عربية، تلقي اللوم على الانقسام الفلسطيني.
وكأن الانقسام الفلسطيني مسؤول بالفعل عن جرائم "اسرائيل" الكبرى ضد الشعب الفلسطيني. وبتعبير اكثر صراحة هناك نوع من الوهم بين مؤيدي قضية الشعب الفلسطيني بأن انقسامه الى سلطة فلسطينية رفعت رايات الاستسلام حيثما كان لها صوت، معلنة رفض طريق المقاومة تحت اي ظرف وفي ظل اية شروط، لاعنة اليوم الذي سار فيه الشعب الفلسطيني في طريق رفع السلاح بوجه "اسرائيل"، وسلطة من نوع آخر لا تزال في الممارسة العملية وفي البيان السياسي تؤكد ان اسباب المقاومة لا تزال قائمة وانه من قبيل خداع النفس الاعتقاد بأن "اسرائيل" سترضى بحل يرضاه الشعب الفلسطيني نهاية لنضاله الطويل.
اعرف ان امتداح الانقسام في اي حركة وطنية هو من المحرمات ومن الانحرافات النظرية، وإن الخوض فيه اشبه ما يكون بالسير في حقل ألغام كثيف. مع ذلك فإن الحالة الفلسطينية للانقسام ـ كما هي في كل الملابسات الاخرى ـ حالة فريدة وتستوجب بالتالي تناولاً استثنائياً لموضوع الانقسام، وكذلك لوجهه الآخر، أي موضوع المصالحة. ان امتداح الانقسام لذاته وفي حد ذاته لا يمكن ان يخطر ببال من يؤيد نضال الشعب الفلسطيني ويعرف تاريخه وملابساته من بداياته. اما ان هذا يعني تجنب الحديث كلية عن مزايا الانقسام في ظل الاوضاع الراهنة فإنه يشكل انحيازاً كلياً الى الجانب الذي يطالب الشعب الفلسطيني في الظروف الراهنة بأن يلقي السلاح ويلعن المقاومة ويندد بالسير في طريقها.
عندما وقعت جريمة "اسرائيل" الكبرى ـ الغبية ـ ضد سفن اسطول الحرية المتجهة الى غزة المحاصرة حاملة مساعدات للمحاصرين، انبرى أنصار الفلسطينيين الذين يريدون إظهار حماسهم للقضية، ينعون مشكلة الانقسام، ويتحدثون بمنطق إلقاء اللوم على الانقسام الفلسطيني بصورة تدفع ـ لولا الحرص والتروي ـ الى الاعتقاد بأن نقطة الضعف الوحيدة التي تتسرب منها "اسرائيل" الى ضرب الشعب الفلسطيني وإيذائه والنيل من اهدافه الوطنية، هي هذا الاختلاف بين السلطة من ناحية والمقاومة الفلسطينية من ناحية اخرى. وربما كان يمكن ان يكتسب هذا الرأي قدراً من المشروعية لو ان اعتداءات "اسرائيل" وتجاوزاتها العسكرية والامنية كفت تماما في مناطق السلطة الفلسطينية. والوضع على ارض الواقع ابعد ما يكون عن هذا. بل الحقيقة إن التناقض الحاد بين "اسرائيل" والفلسطينيين في مناطق السلطة يتعلق الى اقصى حد بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني في الارض وثرواتها ومياهها وحدودها وطبيعة السلطة الفلسطينية عليها. وهذا شأن يهم الشعب الفلسطيني بأكمله. وبالتالي فإن من حق الشعب الفلسطيني بأكمله ان يكون له موقف من الاستيطان وعمليات هدم بيوت الفلسطينيين وإزالتها.
يتساوى في ذلك من يعتقد ـ حتى بعد كل الممارسات الصهيونية في الضفة الغربية والقدس ـ بأن المفاوضات مباشرة وغير مباشرة يمكن ان توصل الشعب الفلسطيني الى أمانيه الوطنية، ومن يعتقد ان تجارب ستين عاماً في المواجهة مع "اسرائيل" الصهيونية اثبتت ان المقاومة المسلحة هي الطريق العملي والوحيد لحمل "إسرائيل" على قبول الواقع الفلسطيني في فلسطين.
والحديث عن مأساة الانقسام الفلسطيني ـ من مصادر عربية او من مصادر اجنبية تماماً ـ لا يرقى ابداً في أي ظرف الى مناقشة حقيقة ما للمصالحة من معان، انما هناك دائما معنى واحد للمصالحة هو فهمها على انها لا تكون الا لصالح السلطة الفلسطينية التي أهدت لاسرائيل هدف التخلي عن المقاومة. لكن المرء لا يكاد يسمع ابدا عن مقاومة تبقي امام العدو الصهيوني على خيار المقاومة وضروراته وشروطه. وهذا هو نموذج المصالحة المصرية التي يكثر البكاء على عدم إتمامها. إنها مصالحة لإتمام أداء الدين لإسرائيل الصهيونية عن طريق الدخول تحت مظلة نبذ العنف واستنكار المقاومة.
لا احد يتحدث عن المصالحة بمعنى الوقوف بوجه الجرائم الاسرائيلية وبوجه الدعم الاميركي لهذه الجرائم. الحديث عن المصالحة هو دائماً بمعنى نيل القبول الصهيوني بوجهيه الاسرائيلي والاميركي عن طريق اعلان نبذ العنف والارتداد عن طريق المقاومة المسلحة. وهذا ينطوي على تجاهل تام لحقيقة، بل ضرورة، التمسك بخيار المقاومة كوسيلة فعالة ـ وقبل ذلك رادعة للعدو الصهيوني ـ عن مواصلة جرائم القتل والاعتقال وهدم بيوت الفلسطينيين واستباحة اراضيهم وممتلكاتهم.
التفكير في المصالحة هو دائما باتجاه المصالحة السلبية التي يخرج فيها الفلسطيني مجردا من كل قدرة على الرد، ومن كل قدرة على مقاومة خطط التوسع الافقي والرأسي الصهيونية على ارضه. ان المصالحة السلبية هي تلك التي تلغي حق المقاومة وتحول السلوك الفلسطيني الى حالة الاستسلام. وهذه المصالحة السلبية هي التي تبدو للطرف الوسيط ـ وهو في هذه الحالة مصر ومن ارتضى الدخول تحت مظلتها كدولة ترتبط بعلاقة سلام مع اسرائيل تلزمها بتنفيذ الشروط الاسرائيلية الاميركية فيما يخصها وفيما يخص الاطراف العربية التي تنتظر في اركان جانبية الدخول في سلام مع الدولة الصهيونية.
اما التفكير في المصالحة الايجابية التي تعلن قبول طرفيها والاطراف الراعية لهما لحق المقاومة كما تنص عليه القوانين الدولية والاعراف السائدة بشأن كيفية مواجهة الاحتلال وأساليب استخدامه للقوة او الاساليب الاخرى غير المشروعة لتثبيت احتلاله او الانتقاص من حقوق الشعب الواقع تحت الاحتلال، فانه لا يحظى بأي اهتمام. ويبدو الطرف الراعي للمصالحة الفلسطينية حريصاً حرصاً غير مبرر ليس فقط نضالياً، انما حتى قانونياً، على إلغاء حق الشعب الفلسطيني في ان يكون له خط دفاع يرتد اليه، عندما يتعرض لهجمات العناصر الصهيونية رسمية (القوات الاسرائيلية بكافة تشكيلاتها وأسلحتها) او العناصر الصهيونية غير الرسمية (ميليشيات المستوطنين الصهاينة التي تمثل اليمين المتطرف في تركيبة الدولة الصهيونية، والتي تعرف هذه الدولة انه اذا لم تترك لها حرية مهاجمة الفلسطينيين حيثما كانوا فإن نوازعها الهجومية لا تجد امامها الا مكونات الدولة الصهيونية ذاتها لمهاجمتها وإجبارها على السير في خطها السياسي، وهو الواقع القائم في الفترة الراهنة).
ولقد نجحت سياسة التركيز على ما اسميناه المصالحة السلبية في تحقيق هدف خبيث لا بد من التنبه اليه من جانب الشعب الفلسطيني ككل، ومن جانب فصائل المقاومة الفلسطينية. نعني بهذا الهدف الخبيث الوصول بالطرفين الفلسطينيين ـ السلطة وقد تخلت تماما عن المقاومة الى حد لعنها، والمقاومة وقد وصلت في اقصاها الى نقطة التصدي في حرب غزة الاخيرة لآلة الحرب الصهيونية في اقصى قدراتها الهجومية ـ الى نقطة اصبح فيها اي انتصار لأحد هذين الطرفين هزيمة للطرف الاخر. وطبعاً فإنه في غياب ما يمكن ان يعد انتصارا من اي نوع للسلطة الفلسطينية فإن الواقع يشهد بان كل الانتصارات التي كسبتها المقاومة على الساحة الدولية خاصة منذ تصديها للحرب الاسرائيلية، ومنذ ان وجدت الحكومة الصهيونية نفسها مجبرة على ارتكاب جرائم من النوع الذي ارتكبته ضد سفن اسطول الحرية في آخر أيام أيار الماضي، اعتبرت هزائم للسلطة الفلسطينية وأضعفت مركزها أمام الشعب الفلسطيني وأمام شعوب العالم المعنية. ووصل الامر الى حد ان بعض القوى الغربية التي تراقب عن كثب ما يجري، اصبحت تتوقع ان تتخذ السلطة الفلسطينية في رام الله إجراءات للحد من «التأثيرات السيئة» التي ألحقتها بها العوامل التي اكسبت المقاومة في غزة قوة وشعبية، من وراء تصرفات اسرائيل الإجرامية التي اثارت ردود فعل عالمية غير مسبوقة ضد اسرائيل.
ماذا تستطيع السلطة الفلسطينية ان تفعل لتقلل من تفتت مركزها؟ سؤال من الصعب للغاية الرد عليه، ولكن اخشى ما نخشاه ان السلطة قد سلمت للإسرائيليين والاميركيين بأنها لن توجه أياً من إجراءاتها اليهما. فهذا جزء من سياسة نبذ المقاومة.. وبالتالي لا بد ان يكون المتوقع من اجراءات السلطة الفلسطينية مزيداً من الضغط ضد اتجاه المقاومة لعل شعبيته تتناقص. ومن المؤكد ان السلطة ستجد دائماً من يساعدها من الصهاينة ومن حلفائهم الاميركيين في اي إجراء للنيل من المقاومة. وأول جبهات النيل من المقاومة هو تصوير المنتمين اليها بأنهم ضد المصالحة. ولن توضح السلطة ـ عندما يلزم التوضيح ـ انها تعني المصالحة السلبية.
لكن هل يمكن الحديث عن وجود مزايا للانقسام الراهن طالما ان البديل الوحيد المطروح الآن هو مصالحة لصالح نبذ المقاومة؟ لا بد من القول بداية أن لا مزايا مطلقة للانقسام وان العدو الصهيوني يحاول وينجح أحياناً في استغلال الوضع الانقسامي الراهن لما فيه مصلحته المباشرة او غير المباشرة. لكن مصالحة سلبية تلغي المقاومة هي المكسب النهائي الذي تسعى إسرائيل الى تحقيقه تساندها وتدعمها في ذلك الولايات المتحدة. وتبقى الميزة الاساسية لاستمرار نهج المقاومة والتأييد الذي يحظى به من الجماهير العربية والاسلامية، ومن كل القوى ذات النزعة الانسانية في اوروبا، وأيضا في الولايات المتحدة ذاتها، هي شعور هذه الجماهير، بوجود بديل شرعي وقوي ومستعد لطريق التسليم والقبول بالتفاوض بشروط العدو وحليفه الرئيس. وهذه الميزة الاساسية هي ايضا الاتساع المستمر في قاعدة التأييد للمقاومة على نطاق عالمي غير مسبوق، وهي ايضاً الوجود الحقيقي لحل غير حل الدولتين الذي يثبت حتى الآن عدم جدواه بل عدم استعداد العدو الصهيوني قبوله.
ان مجرد وجود المقاومة ووجود إمكانية تحركها في اي لحظة يعطي لحل الدولة الفلسطينية الواحدة الديموقراطية للعرب واليهود معا مصداقية اعمق وأقوى في مواجهة الطروحات الصهيونية التي تعتمد اساليب التوسع وتستند الى استخدام القوة وحدها.
ان مجرد وجود المقاومة ووجود إمكانية تحركها في الوقت المناسب لقضية الشعب الفلسطيني يشكل انتصارا لروح الشعب الفلسطيني في نضاله الطويل المتعدد المراحل لاستعادة وطنه وأرضه وحقوقه الوطنية والقومية. وبدونها تكون القضية الفلسطينية قد تلقت هزيمة نهائية في المواجهة مع الحركة الصهيونية والامبريالية المساندة لها.
ان مجرد وجود المقاومة ووجود امكانية تحركها في الوقت المناسب لقضية الشعب الفلسطيني هو المعنى الوحيد والشرعي لاستمرار نضال الشعب الفلسطيني الذي امتد حتى الآن لنحو قرن كامل على مصير ارضه ووطنه وتاريخه ومستقبله.
ولقد تجمع للشعب الفلسطيني في مقاومته قدر من التأييد العالمي لم يسبق له مثيل منذ بدايته الاولى. هل نتوقع ان تخرج الجماهير في هذه التجمعات العالمية تعلن تأييدها للسلطة الفلسطينية؟ اكثر من هذا هل يمكن بأي معنى ان نتوقع تأييداً جماهيرياً عالمياً ـ بأي درجة من الاتساع كان ـ من اجل دعم خط السلطة الفلسطينية الرافض للمقاومة؟
هذه اسئلة لن تطرحها على نفسها عناصر السلطة الفلسطينية حين تخرج من اجتماعاتها السرية والعلنية مع ممثلي العدو الصهيوني... مع انها جديرة بالتأمل وجديرة اكثر بإجابات شجاعة عن شرعية المقاومة وضرورتها وحتمية وجودها عند التفكير في مصالحة لا تلغي المقاومة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018