ارشيف من :أخبار لبنانية
جنبلاط: رفض منح الفلسطينيين حقوقهم امتداد لـ"لبنان أولاً"
عماد مرمل، السفير
بدلا من ان يتحسن وضع الفلسطينيين، ساء وضع اللبنانيين!
هذه هي المفارقة التي أفرزتها جلسة مجلس النواب الاخيرة، بفعل ما شهدته من انقسام طائفي حاد حول الموقف من اقتراحات القوانين الاربعة التي قدمها النائب وليد جنبلاط ونائبان في كتلته النيابية من أجل منح الفلسطينيين اللاجئين في لبنان بعض الحقوق المدنية والانسانية والاجتماعية.
وقد شكل الاصطفاف الاسلامي - المسيحي تحت قبة البرلمان وخارجه، صدمة حقيقية كونه أعاد الحياة السياسية اللبنانية الى مرحلتها «البدائية»، بحيث لاذ كل طرف من جديد بعباءته الطائفية التي تتسع لكل أنواع الهواجس والمخاوف، وتضيق بكل تغيير مهما كانت طبيعته ووتيرته.
صحيح ان السنوات الخمس الماضية شهدت بدورها صراعا داخليا محموما ترك الكثير من التداعيات، ولكن حسنته الوحيدة انه اتخذ في أحد جوانبه طابعا سياسيا عابرا للطوائف، فكانت المعارضة والموالاة مختلطتين، بعدما ضم كل من فريقي 8 و14 آذار قوى متعددة الانتماءات الطائفية والمناطقية. لكن الاوراق اختلطت فجأة، ووجد اللبنانيون أنفسهم يترحمون على هذا النوع من الفرز وباتوا يرون في نموذج 8 و14 آذار نعمة قياسا الى مشهد نواب الامة وهم ينقسمون على أساس طائفي.
لقد فضح اختبار «الحقوق الفلسطينية» حقيقة ان الوضع اللبناني ما زال هشا ومتصدعا وان قشرة الاستقرار التي تغطيه هي رقيقة جدا وان الحفاظ عليها مرهون بعدم الإقدام على أي خطوة الى الأمام حتى لو كانت انسانية، من قبيل تخفيف بعض الاعباء عن اللاجئين الذين قذفهم موج النكبة الى مخيمات لبنان.
أكثر من ذلك، لقد أعاد النقاش حول «الحقوق الفلسطينية» التنبيه الى ان اللبنانيين أنفسهم ما زالوا يفتقرون الى أبسط الحقوق في حياة سياسية نظيفة وديموقراطية، بعيدا عن أشكال الانقسام القبلي والعشائري الذي ما زال يتحكم بقواعد «الضم والفرز» في الداخل اللبناني وإن يكن يجري تمويهه أحيانا بأقنعة ظرفية.
ولكن هل كان يمكن تفادي ما جرى في مجلس النواب، وهل صحيح أن وليد جنبلاط حرق المراحل واختار توقيتا سيئا لطرح اقتراحات القوانين الأربعة بصفة معجل مكرر قبل أن يكون قد مهد لها بتفاهمات مسبقة مع القوى الاساسية؟
تفيد المعلومات بأن جنبلاط كان بصدد تقديم هذه الاقتراحات قبل أشهر ولكن التوتر الداخلي الذي أنتجه التجاذب في ذلك الحين حول إلغاء الطائفية السياسية وخفض سن الاقتراع جعله يؤجل مبادرته، حتى لا يحرقها، الى أن قرر الخوض فيها خلال الجلسة التشريعية الاخيرة لمجلس النواب، مفترضا ان المناخ أصبح ملائما، إلا انه أخطأ التقدير.
ويستهجن المقربون من جنبلاط اتهامه بأنه استعجل في خطوته، من دون أن يكون قد مهد الارض أمام تقبل طروحاته، لافتين الانتباه الى ان «الزعيم الاشتراكي» كان يعمل منذ فترة طويلة على إنضاج المناخ الملائم لإقرار بعض الحقوق المدنية والانسانية للفلسطينيين، وكان يلقى خلال مشاوراته تجاوبا من الجميع، الامر الذي شجعه على المضي في مبادرته قبل أن يتبين له خلال الجلسة النيابية ان الكثيرين هم «مع فلسطين ضد الشعب الفلسطيني»!
ويستذكر هؤلاء ان جنبلاط أثار مسألة منح الفلسطينيين بعض الحقوق الانسانية خلال لقائه في المختارة العماد ميشال عون الذي بدا إيجابيا، ثم طلب كذلك من «حزب الله» الكلام مع عون بهذا الشأن، لمزيد من الضمانات.
وفي الجانب الآخر، يشير المقربون من جنبلاط الى انه سبق له ان ناقش الموضوع مع الرئيس سعد الحريري وتمنى عليه ان يوظف علاقته بمسيحيي 14 آذار من أجل الدفع نحو المباشرة في تحسين أوضاع اللاجئين. وقبل ذلك كله كان جنبلاط يخوض في نقاشات مستفيضة حول ملف «الحقوق» مع مسيحيي 14 آذار أيام «الحلف المشترك»، وحينها كان يسمع الكثير من الكلام المعسول، ناهيك عن ان عددا من رموز مسيحيي 14 آذار وقعوا قبل سنة ونصف السنة تقريبا على «إعلان فلسطين» الى جانب ممثل السلطة الفلسطينية في لبنان، ولكن لحظة الحقيقة أظهرت ان كل ذلك لم يتعد حدود الحبر على الورق.
والى جانب المشاورات السياسية الجانبية، يلفت المحيطون بجنبلاط الى ان الحزب التقدمي نظم ورشة عمل حول مسألة الحقوق المدنية والانسانية للفلسطينيين في فندق «بريستول» قبل فترة قصيرة، بمشاركة ممثلين عن مختلف الاتجاهات السياسية والطائفية، وقد أبدى الجميع آنذاك كل إيجابية حيال ضرورة تحسين أوضاع اللاجئين، وما حصل لاحقا ان اللقاء الديموقراطي استند في وضع اقتراحات القوانين التي قدمها الى خلاصات هذه الورشة، فما الذي تغير اليوم حتى أصبح الامر مفاجئا للبعض.
ويؤكد المقربون من جنبلاط أنه لم يكن يرغب بتاتا في ان تؤدي الاقتراحات الاربعة الى أي انقسام، سواء كان سياسيا أو طائفيا، بل هو فوجئ بالمنحى الذي اتخذته الامور نتيجة تسابق بعض القوى على المزايدة في رفض ما طرحه لحسابات تتصل بالتنافس على استقطاب الشارع المسيحي. ويشدد هؤلاء على أنه لو اتسمت ردود الفعل المعترضة بالعقلانية لكان رئيس اللقاء الديموقراطي قد تفهمها وتجاوب معها، إلا أن الاعتراضات كانت غرائزية وتناولت مبدأ الاقتراحات لا تفاصيلها.
ويحذر المحيطون برئيس «التقدمي» من ان أجواء المخيمات تنذر بمخاطر كبرى ما لم يتم احتواؤها عبر اجراءات سريعة تُنصف الفلسطينيين. ويروي قيادي بارز في الحزب قام مؤخرا بجولة على عدد من المخيمات انه لمس في أرجائها حقدا متناميا على اللبنانيين وان هناك في داخلها من يصف الجيش اللبناني بأنه «جيش صليبي وقوة احتلال»، ما يتطلب تحركا سريعا لنزع هذا الفتيل القابل للاشتعال في أي وقت.
ويخلص أنصار زعيم المختارة الى الاستنتاج المرير الآتي: بعد أربع سنوات من التحالف بين مسيحيي 14 وجنبلاط آذار اكتشف الاخير بأنه كان يعيش وهم النجاح في تصدير العروبة الى حلفائه، تماما كما يُفترض أن يكون حزب الله قد اكتشف الآن بأن تفاهمه مع العماد عون لم ينجح في تغيير أصل نظرته الى الوجود الفلسطيني في لبنان. ويضيفون: ان المنتصر الوحيد مما جرى هو سامي الجميل صاحب النظرية القائلة بأن «14 آذار للسنة و8 آذار للشيعة، فلماذا لا يبحث المسيحيون عن إطارهم المستقل؟».
أما جنبلاط نفسه، فلا يبدو متفائلا بنهاية سعيدة للمغامرة التي يخوضها، وهو قال لـ«السفير» إن الاعتراض على منح الفلسطينيين حقوقهم البديهية «ليس سوى امتداد لنظرية الحياد ومقولة «لبنان أولا» التي هي أساسا من إنتاج اليمين قبل أن تنتقل ملكيتها الفكرية الى فريق آخر».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018