ارشيف من :أخبار لبنانية

متى نفهم موقعنا ودورنا؟

متى نفهم موقعنا ودورنا؟

سليمان تقي الدين - صحيفة السفير

يطمح اللبنانيون، كسائر شعوب الأرض، إلى أن يجمعهم وطن ودولة، وأن ينصرفوا إلى مواجهة متطلبات الحياة ويعيشوا في أمن واستقرار ورفاهية. لكن هذا البلد موجود على خط الزلازل الموروث عن تداعيات «المسألة الشرقية» التي أنشأت في الحربين العالميتين نظاماً إقليمياً مليئاً بالتناقضات التفجيرية، وفي مقدمتها زراعة الكيان الصهيوني وما يعنيه من تحديات وأزمات.

كانت مسألة فلسطين وما تزال المحرك الأساس، الظاهر أو الخفي، لتطور المنطقة. من حرب 1948 انطلقت التحولات الوطنية العربية، ومن حروب إسرائيل المتتالية أعيدت صياغة الأنظمة وتوجهاتها، وفي خدمة إسرائيل جرى احتلال العراق وتدميره، ولأجلها وضع لبنان في دوامة الحروب والأزمات. مسألة فلسطين ليست شأناً قومياً عربياً فقط، بل من حولها يريد الغرب أن يصوغ نظام الشرق الأوسط في الماضي والحاضر والمستقبل.

إسرائيل حاضرة اليوم في ملفات العراق وإيران وتركيا ووسط آسيا وأفريقيا. حين تدخل تركيا على القضية الفلسطينية بهذا الزخم لا تدخل من باب نصرة حقوق الإنسان والمشاركة مع شعب ينتمي إلى ثقافتها فقط. تركيا تدافع عن أمنها القومي ومصالحها العليا وتدرك وجوب حضورها في رسم صورة المنطقة التي انفرد الأميركي والإسرائيلي لفترة في محاولة صياغتها.

تاريخ لبنان المعاصر كله صدى لترددات المسألة الفلسطينية وقيام دولة إسرائيل. لكن ما يميزه عن دول جوار فلسطين أنه منقسم في وعيه وخياراته، ولم تنشأ فيه دولة مركزية تحسم في هذه الخيارات. ما زال لبنان يعيد إنتاج هذا الانقسام وتظهيره بصورة متطرفة في اتجاهيه، الانخراط في المواجهة أكثر من أي بلد عربي آخر، والانكفاء بل الارتباط من فريق لبناني بمنظومة التوجهات الغربية التي تنتهي عند التسليم بإملاءات الغرب وإسرائيل.

دفع لبنان بانقسامه الداخلي أكثر مما دفع أي بلد عربي في الحروب الإسرائيلية. دفع لبنان أقل كلفة ممكنة حين قاوم ودافع ونجح في تعطيل المشروع الإسرائيلي. فلولا فشل إسرائيل في حرب تموز 2006 لكان لبنان والمشرق العربي قد دخل في فوضى كيانية عارمة. واهم ذاك الفريق اللبناني ومعه الفريق العربي الذي يتخيّل، أو يزعم عن حسن نية أو عن سوئها، انه يمكن أخذ لبنان موحداً بانكشافه أمام الهيمنة الأميركية الإسرائيلية. كل الحجج والذرائع التي تستخدم اليوم في مواجهة «سلاح المقاومة» أو الوجود الفلسطيني، أو الانضواء مجدداً تحت مظلة سوريا، هي حجج وذرائع أثبتت بالتجربة فشلها في إخراج لبنان سليماً معافى من نزاعات المنطقة.

فريق من اللبنانيين على اختلاف انتماءاته الطائفية جرّب ويجرب خيارات يعرف أنه لا يملك قواها في الداخل فيراهن على الميزان الإقليمي والدولي. يكرر هذا الفريق، ولو تبدلت بعض وجوهه، أنه يخشى على «لبنانه» من العدوان أو من الهيمنة أو الديمغرافيا أو الإلحاق أو النظام أو الحريات. لكنه في ما فعل ويفعل يستخدم جمهوره مادة مساومة في لعبة أكبر منه ومن لبنان كله. هناك عقل سياسي متحجّر لا يفهم ما يدور حوله من انعطافات إقليمية ومن تحولات كبرى هي التي تأتي بدول من حجم تركيا إلى مسرح المنطقة للاشتباك السياسي مع المشروع الإسرائيلي. هذا الجو الإقليمي الذي يجعل مصر تحاصر نفسها سياسياً لوقوفها في المكان الخطأ، وفرنسا تتهافت سياستها الدولية بعد ان فقدت استقلالها الأوروبي ونكهتها الخاصة في التعامل مع الحقوق العربية... هذا الجو لن ينقذ فريقاً طائفياً في لبنان كما لم ينقذ مثله في فلسطين والعراق حين تصبح الخيارات جذرية والصراعات وجودية. ومن المفارقات ان تسعى المراجع الدينية في الغرب إلى نصح رعاياها في المنطقة بينما نجد هنا من يشتط في مواجهة النيران والرياح الدينية والأصولية والسياسية ويعيد طرح مسألة «الأقليات» وكأنها شغل العالم الشاغل.

لا شك أن أزمة العروبة فاضحة وأن الروابط القومية صارت أوهى من أن تجمع شتات الأمة، وأن الإسلام السياسي منقسم على نفسه، لكن المخرج الواقعي الآن هو في التكيّف مع مكونات المنطقة ونسيجها لا البحث عن فرقٍ جديدة وانشقاقات. المحصّلة النهائية لوجهة المنطقة ليست أبداً في صالح المشروع الصهيوني ولا في صالح الهويات الفئوية مهما تعالى صراخها وضجيجها. هذه الفئويات كلما ظهّرت وجودها اليوم كلما كانت عرضة للمزيد من الاستهداف والمزيد من الخسائر. ينطبق الأمر على الأيدان والطوائف والقوميات والمذاهب كلها.

إذا كان ثمة من يعتقد ان الهجوم الغربي على المنطقة يؤدي إلى تفكيكها حتماً، فعليه أن يدرك كيف أن سايكس بيكو ما زالت تستولد الصراعات وعدم الاستقرار، وأن ضحايا «المسألة الشرقية» في الماضي سيكونون ضحايا أمثالها اليوم، هذا إذا نجحت في ظل المتغيّرات الدولية. توهم فريق لبناني أن الكيان الذي أعيد تكوينه في القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين هو منتهى الحرية ومنتهى الاستقرار وضمانة وجود هذا الفريق. لكن الحقيقة أنه لم يعرف هذه المعاني العميقة لأنه لم يكن هدفاً بذاته بل هو جزء من نظام إقليمي يهتزّ باهتزازه ويتصدع أكثر لعدم قيام الدولة المركزية الفعلية فيه. من يوحي لنا اليوم من باريس وكأن هذا اللبنان أو هذه الفئة من اللبنانيين هي وديعة هذا الغرب ويحرص على ضمانة وجودها وحريتها فهو مشتبه تماماً في نيات الغرب ومصالحه وثقافته اليوم وفي أهدافه، والأهم في قدرته على الوصاية المطلقة كما كان في القرن الماضي.

مرَّة أخرى نقول إن الأوضاع العربية كلها ولبنان على وجه الخصوص مشتبكة في تاريخها مع الحدث الاستعماري الأخطر وهو الوجود الإسرائيلي. وهي لن تخرج من أزماتها إلا بإيجاد حل ديمقراطي للمسألتين اليهودية والعربية. فلا استقرار في المنطقة يمكن أن يتعايش مع مشروع عنصري لديه رؤية مناقضة لمصالح شعوبها ولديه وسائل التعدي والتخريب وطموحات السيطرة. فلسطين ليست قضية للتضامن معها. إنها قضية النظام الإقليمي الذي نطمح أن نعيش في ظله في سلام. السلام يبدأ من فلسطين.

2010-06-19