ارشيف من :أخبار لبنانية

خافوا على إسرائيل كما خفنا منها!

خافوا على إسرائيل كما خفنا منها!

سليمان تقي الدين - السفير

دعا رئيس الوزراء الإسباني السابق، خوسيه ماريا أزنار، إلى تشكيل جبهة عالمية لدعم إسرائيل محذراً من أن انهيارها سيقود إلى انهيار الغرب، واعتبر الغضب حول حصار غزة مجرد خطأ!

قد لا يكون أزنار في الموقع الذي يسمح له أن يقرر سياسة الغرب، لكننا نلاحظ أن ما يقوله يشبه كلام رئيس الحكومة الإيطالية منذ سنتين برلوسكوني، والمستشارة الألمانية ميركل عن دور أسطولها البحري في حماية إسرائيل، ومواقف فرنسا ساركوزي. أما الموقف الأميركي فهو ثابت معلن ومتجدد في دعم إسرائيل ودورها.

حين نتحدث عن مشكلتنا مع «الغرب» أو مع الشمال الصناعي بجناحيه الأميركي والأوروبي، لا نفتعل جبهة صراع من نظرة ثقافية تاريخية وقديمة. هذا الغرب يفصح عن نفسه قولاً وعملاً بأنه يريد وضع يده على مواردنا التي ما زالت شريان الحياة لتقدمه الصناعي والتكنولوجي، وإسرائيل هي هذا الحارس الأمين لهذا المشروع. الأمن القومي الأميركي والأمن القومي الأوروبي، كما يردد قادة هذه الدول، مرتبطان بوجود إسرائيل وبقدرتها على تطويع المنطقة للمصالح الغربية.

ليست إسرائيل، إذاً، في نظر الغرب، تعويضاً عن مآسي اليهود في الغرب، وليست حلاً للمسألة اليهودية، بل هي صاحبة وظيفة تؤديها في «الشرق» وإرهابها المنظم وانتهاكها للقانون الدولي وحقوق الإنسان هما وسائل مشروعة ومبررة لوظيفتها الأهم، حماية المصالح الغربية.

هكذا لم يتحرك الغرب يوماً لردع إسرائيل عن ارتكاب المجازر في صبرا وشاتيلا، أو قانا، أو جنين، أو جنوب لبنان والبقاع ولا في غزة، ولا حتى حين وصل الإرهاب إلى مستوى القرصنة في البحار والاعتداء على «أسطول الحرية» المدني الذي يؤدي مهمة إنسانية. يفقد الغرب إنسانيته ويصطف خلف إسرائيل ويتخلى عن كل ما أنتج من ثقافة تقدمية ويدعم العنصرية الفاجرة التي تحاصر الفلسطينيين في الدواء والغذاء وتعاملهم بأقل من مزارع الدواجن.
لكن ليس كل الغرب غرباً وليس كل الشرق شرقاً. حين يأتي النشطاء الأحرار من كل شعوب العالم يجدون النظام الرسمي العربي شريكاً في حصار غزة، ويجدون في لبنان ثقافة سياسية لدى فريق تستوحي أفكارها من مصالح الغرب. حرية فلسطين وشعب فلسطين والحقوق الإنسانية تقلق النظام الرسمي العربي وبعض الجماعات التي تجد في النموذج الإسرائيلي تبريراً للتمايز ولمشاريع الانفراد عن مشكلات المنطقة وتحدياتها. هذا «الانعزال» عن قضايا العرب التحررية هو الوجه الآخر للانفلاش في اتجاه الارتباط بالمشروع الغربي. لم يعد الانعزال سمة طائفة بعينها أو فريق معين بل هو تسلل إلى صلب الجمهور الأوسع الذي انضوى في المشروع الغربي.

حين يتحدث نائب وزير الخارجية الأميركي عن خمسماية مليون دولار أنفقتها إدارته في لبنان لتشويه صورة «المقاومة» نعرف بالضبط أين ذهبت تلك الأموال ومَن أدى تلك المهمة بنجاح، ومَن يستمر في تأديتها بعد غروب الهجمة الأميركية المباشرة في لبنان. لكن الوديعة الأميركية، وديعة فيلتمان في السنوات الخمس الماضية، ما زالت موجودة لإشغال اللبنانيين بأسئلة تبدو أحياناً هواجس مشروعة، لكنها في حقيقتها مفتعلة ومنظمة بالمال الأميركي والمال الذي تدفق من الخزائن العربية وأنفق على الانتخابات وقبلها على الإعلام والجماعات السياسية لتجويف الإنجاز الوطني اللبناني في المقاومة والتحرير لكي لا يصاب النموذج الإسرائيلي بالشروخ، ولكي تبقى هيبة إسرائيل عالية في المنطقة.

حين يقف الغرب اليوم بلا مبالاة تجاه حصار غزة ومذعناً لمجزرة إسرائيل على أسطول الحرية، لحظة يوزع العقوبات هنا وهناك، ندرك أن القلق الغربي على استثماره التاريخي في إسرائيل قد بدأ يهتز. إسرائيل العاجزة عن شن حروب الإخضاع في محيطها بدأت تعاني أزمة تكوينها وشرعية وجودها. ذبلت ديموقراطية إسرائيل وانكشفت عن قبضة عسكرية وحّدت شتات اليهود بالعنصرية، لكنها تسأل اليوم عن هوية هذا الشتات الشرقي والغربي وتنقسم في الحقوق والواجبات وتتوجس من الوجود العربي إلى حد الذعر.

المجتمع الإسرائيلي سائر إلى تفسخ، والقبضة الإسرائيلية سائرة إلى المزيد من الضعف، والغرب سائر إلى المزيد من القلق بعد أن جرّب حروب الاحتلال والحصار والعقوبات.

يحاصرنا الغرب بالقوة لأننا نملك قوة «الطاقة» التي تشكل شريان حياته كما يعترف أزنار. لكننا لا نعرف بعد كيف ندير رصيدنا الطبيعي ولا حتى رصيدنا التاريخي. نحتاج إلى أساطيل حرية تتجه إلى إرادة العرب المسجونة تحت الظلم والقمع والثقافة المشوهة. لكن شيئاً واحداً ثبت في هذه السنوات القليلة وهو أن إسرائيل ليست نموذجاً لأي شيء إيجابي، وليست مستقبلاً تتطلع إليه بعض النظم والأقليات، وليست قوة بلا حدود.

2010-06-22