ارشيف من :أخبار لبنانية
هل ينجح جنبلاط في كسر التحالف بين الحريري ومسيحيي 14 آذار؟
دنيز عطا الله حداد، السفير
في انتقاله من ضفة الى اخرى يعبر وليد جنبلاط الجسر ويحطمه من خلفه، كأنه العبور الاخير. وفي كل مرة يريد العودة يجد من يمد له «الاضلع جسرا وطيدا».
«حالة» وليد جنبلاط، كزعيم سياسي لطائفة هي من نواة التركيبة اللبنانية، تسمح له بالمبالغة في «دلاله» على خلفية العارف لموقعه. يفقد احيانا «سحره» عند فئة ويمارسه عند اخرى، لكنه في كل الاحيان ُيبقي في جعبته الكثير من مهارات «السحرة» الذين يُخرجون من قبعاتهم ما يُدهش ويثير ويصدم.
اخرج جنبلاط بالامس ورقة الحقوق المدنية للفلسطينيين. من دون مقدمات، وبصفة «معجل مكرر»، رماها في وجه كل الحساسيات و«الخوف التاريخي». اثارت كل ما بات معروفا من انقسام طائفي، وأجهض، مرة جديدة، حقوق الفلسطينيين الانسانية البديهية.
يتوقف مراقبون مسيحيون عند سلوك جنبلاط ووتيرته التصاعدية «التي تبدو انها تعيد اعادة احياء نعرات طائفية تسترجع الانقسام الذي يحاول اللبنانييون تجاوزه. انقسام اسلامي - مسيحي». ويذهب المراقبون ابعد من ذلك للقول «كان جنبلاط يعرف سلفا كيف سينتهي الموضوع في مجلس النواب. ويكاد يكون كاتب السيناريو لخصومه قبل حلفائه. وهو اراد بذلك لفت انتباه كل من سعد الحريري و«تيار المستقبل»، كما «حزب الله» والسيد حسن نصر الله، الى ان حلفاءهم المسيحيين لم يتخلوا عن خطابهم الماضي وانهم في مواضيع مفصلية يستسهلون معارضتهم ولا تعود تكفي لا مظلة «14 آذار» ولا «وثيقة التفاهم»».
يعتبر هؤلاء «ان سلوك جنبلاط منذ انعطافته الاخيرة يثير القلق لجهة محاولته اكثر من مرة اعادة تصوير المسيحيين عموما بانهم «الخصم». وهو يلعب في هذا المجال لعبة اعلامية ذكية. يمرر ما يريده ثم ينفيه في معرض التوضيح. لكن الفكرة تكون قد مرت ورسخت. بدأ ذلك مع وصفه الموارنة بـ «الجنس العاطل». وضّح بيان للحزب لاحقا مراد «الرئيس». ثم راح اكثر من مرة ينتقد «الانعزال « و«اليمين» ويستعيد مفردات خرجت منذ زمن من التداول. وانتهى بإسباغ صفة الغباء «على اليمين اللبناني» في جلسة مجلس النواب الاخيرة. و«يمينيو مجلس النواب هم مسيحيوه في الكتائب والقوات والتغيير والاصلاح كما في المستقبل». بعد الجلسة يوضح من جديد ان «ليس كل المسيحيين يمينيين».
حين شهر جنبلاط انعطافته منذ 2 آب 2009 التي اخرجته من «قوى 14 آذار»، بقي حلفاؤه المسيحيون السابقون يتلقون السهام الطائشة التي يرميها عليهم محاولين فقط الحد من اضرارها. تجنبوا الرد، بل تعاملوا معه على اساس ان «ضرب الحبيب زبيب» على ما قال رئيس الهيئة التنفيذية في «القوات اللبنانية» سمير جعجع. لكن «مسيحيي 14 آذار» بدأوا يتخففون تدريجا من ارباكهم ويجهرون بانتقاد مواقف جنبلاط. يتساوون في ذلك مع نواب «تكتل الاصلاح والتغيير». فجنبلاط الذي يبتعد عن مسيحيي 14 آذار، لا يقترب من ابرز مكون مسيحي في «قوى المعارضة»، اي «التيار الوطني الحر». وفي الغداء الاخير الذي اقامه على شرف السفير السوري في لبنان علي عبد الكريم علي اعاد جمع كل «اصدقاء» سوريا المسيحيين، وهم في معظمهم زعماء محليون لهم حيثيتهم الشعبية في مناطقهم، انما لا يملك اي منهم حضورا ابعد من جغرافيته المناطقية. دعا النائب العماد ميشال عون، باعتباره واحدا من بين عدد من الاصدقاء، فأرسل عون من يمثله.
يتفق نواب مسيحيون على «ان وليد جنبلاط يحاول عزل القوى المسيحية الفاعلة لاعتبارات متداخلة منها الداخلي والخارجي وحتى التاريخي والشخصي». ويشير قيادي كتائبي الى «ان جنبلاط يصوّب على المسيحيين بطريقة عشوائية ومتوترة كأنه يسدد فواتير خارجية مستحقة عليه. وهو يعيد تأجيج الخلافات المذهبية والطائفية لحسابات صغيرة تجر الويلات على البلد».
تتفق «الكتائب» مع «القوات» على «ان اكثر ما يزعج جنبلاط اليوم العلاقة الممتازة القائمة بين سعد الحريري ومسيحيي 14 آذار. وهو يراهن على انه قادر على كسر تحالفهما بتراكم النقاط. وما جرى في مجلس النواب حول الحقوق الفلسطينية محاولة لفرط هذا التحالف باظهار المسيحيين خصوما للقضية الفلسطينية الراسخة في وجدان الجمهور السني. واعتبر جنبلاط انه بذلك يضعنا، كمسيحيين، بين فكي الكماشة. فإذا رفضنا نكون ضد الحقوق الانسانية، وبطريقة ما ضد حلفائنا السنة، وإذا وافقنا نكون نتنازل عن قناعاتنا». ويقول مسؤول «قواتي» «اخترنا العقلانية في الموضوع. وبغض النظر عن الاخراج الذي اظهر المسيحيين كأنهم ضد حقوق الفلسطينيين الا اننا لم نعارض الموضوع بالمطلق. طلبنا مناقشته واعطاءه حيّزا للدرس. وان تحالفنا مع «المستقبل» مبني على صخر. نتفق على الخطوط العريضة وقد نختلف على بعض العناوين، لكن ذلك يعزز التحالف القائم بين كيانات حزبية وسياسية مستقلة ولا يلغيه».
كلام مشابه عن متانة التحالف مع «المستقبل» يؤكده مسؤول كتائبي، معلقا على مواقف جنبلاط الاخيرة من المسيحيين قائلا «نحن لا نعتمد اسلوبه في نبش القبور، لكننا نستعير عبارة قالها يوم كان في صفوف «ثورة الارز» منتقدا خصومه. قال «يا لها من مفارقة، انه في القرن الحادي والعشرين يُجر لبنان الى القرن الحادي عشر». ونحن اليوم نسأله لمصلحة من تعيد جر لبنان الى حقبات سابقة؟ ألم نكتشف جميعا انه لا يمكن لطائفة او فريق سياسي او حزب ان يلغي احدا في لبنان؟ يقال ان جنبلاط قارئ للتاريخ. المهم ان يتعظ منه».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018