ارشيف من :أخبار لبنانية

مـع المقاطعـة الشـاملة... بـلا خجـل

مـع المقاطعـة الشـاملة... بـلا خجـل
نصري الصايغ

من مع المقاطعة ومن ضدها؟ لماذا هذه المقاطعة وما جدواها؟ هل هذا أسلوب حضاري أم بدائي؟ ماذا يقول عنا الغرب إذا اعتدنا المقاطعة وعممناها على كل من يمت بصلة ما الى اسرائيل؟ ثم، هل تأذت اسرائيل من المقاطعة أم تأذينا نحن؟ وأخيراً، ما المعيار المرجعي الذي نحتكم إليه، هل هو آني، أخلاقي أم هو ديمومي وسياسي؟.
وأسئلة أخرى كثيرة يمكن ان يثيرها، الجدل الواسع المثار، حول المقاطعة، بعدما تراخت قيودها من أهل الأنظمة العربية، وتساهلت مع مبدئيتها وجدواها، نخب فكرية وثقافية، رأت في استمرار المقاطعة «عيبا» يحاكَم عليه العرب عالميا.
أحيانا، يلزم أن نناقش موقع القائل، الكاتب، الناقل، المفكر، الإعلامي، السياسي، لا قوله... من هنا فمن المفيد، ونحن نفكر بجدية المقاطعة، ان نتعرف إلى هوية الكاتب أو القائل، السياسية، قبل التعرف إلى كتابته وأقواله... لأن الناطق ليس العقل العلمي المجرد، بل الموقع الذي ينتمي إليه.
والمواقع باتت معروفة: إما مع المقاومة وإما ضدها، أو: إما مع الاعتدال أو ضده، أو: إما مع الولايات المتحدة أو ضدها وضد حليفتها؟
هل هناك مواقع أخرى، إزاء قضية فلسطين؟ إذاً، تأسيسا على مواقع هؤلاء، يصار إلى نقاش ما يثار، لأن الإفراط في التعامي عن الموقع، يؤدي إلى جدل بيزنطي. وهذا نموذج من انماط الجدل: هناك من يعتبر أن المقاومة المسلحة، في لبنان وفلسطين، تشكل ضررا او خطراً على القضية الفلسطينية. وانطلاقا من هذا الاعتبار، يرى أن «قافلة الحرية» أكثر فعالية من الصواريخ... انما، لما انتدب لبنانيون ولبنانيات انفسهم لكسر الحصار، وباتت السفن على وشك «الاقلاع عكس الزمن العربي» الرث، اختار هؤلاء أنفسهم، لغة التبخيس والتجني، على من تجرأ من اللبنانيين، أكانوا يساريين أم قوميين أم مستقلين أم متمردين أم مؤمنين أم... على اقتحام البحر، بهدف الوصول إلى غزة.
بالأمس كان هؤلاء إلى جانب اسطول الحرية، تسفيها للمقاومة، والآن، هم ضد «السفن اللبنانية» (ناجي العلي ومريم)، تسفيها لماذا هذه المرة؟.
منطق هذه الفئة بات غير مقنع... هم ضد أي اعمل يصب في خانة المواجهة. هم ضد أي قول أو رأي، لا يحترم قواعد «المجتمع الدولي» الرسمي المتمادية في خرق القوانين الدولية وشرعة حقوق الإنسان وشرعة حقوق الشعوب.
منطق هذه الفئة، بليبراليتها اللفظية، اتباعي، حذو النعل بالنعل، حذو القول بالقول، حذو الموقف بالموقف المتطابق مع خطوات «دولة الرئيس» جيفري فيلتمان، ونائبه السيئ الذكر جون بولتون.
ليس غريباً ذلك. غريب ان لا يكون البعض قد اكتشفه من زمان: موقعك يحدد كلامك. والموقع الاميركي، مليئة جعبته بما هو فائض سياسي، يستهلكه البعض، لتسخيف أي عمل من أجل فلسطين، لا يمر عبر أروقة النظام الرسمي العربي، أو سراديب النظام الدولي الرسمي.
ثم... لا مجانية في الثقافة والفن... السياسة الذكية هي السياسات التي توظف ما ليس قابلاً للتوظيف بطبيعته، في خدمة الاغراض القومية العليا... لقد قامت جين فوندا بالتوقيع على مقاطعة مهرجان الافلام الاسرائيلية في كندا، لأنه تبين لها ان اسرائيل قد وضعت ثقلها خلف هذا المهرجان، لتحسين صورتها السيئة في العالم.
جين فوندا قاطعت... وهي ليست عربية ولا مسلمة ولا مع المقاومة. بل ان حساسيتها ازاء اسرائيل، وتأييداً لها، ليست موضع شك، وتبرر ذلك، بأنها صديقة «التيار السلامي» فيها.
عمال المرفأ في كاليفورنيا، قرروا مقاطعة السفن الاسرائيلية، وهؤلاء اميركيون، ينتمون إلى «الصنف الانساني» جداً، لهم موقف من القضية. لهم رأي في الجريمة. لا يصفقون للقتلة أبداً، ولا يغفرون للمرتكب، ويحرضون ضده.
الكليات الجامعية في أوروبا على وشك توسيع مبدأ مقاطعتها مع الكليات الجامعية في اسرائيل...
ولو!... حتى الكتاب الاسرائيليون، وقفوا إزاء انحياز بعض الفلاسفة الفرنسيين المتصهينين جداً، و«الليبرمانيين» بتفوق، أمثال برنار هنري ليفي، وفنكلكروت، موقف الإدانة... كتاب اسرائيل «المعتدلون»، (ليس وفق نظام الاعتدال العربي)، قالوا لهؤلاء المتصهينين: «أنتم على خطأ»، وتمارسون التحريض على الفلسطينيين وعلى قافلة الحرية.
وهؤلاء ليسوا عرباً ولا مسلمين ولا يمتون بصلة، إلا إلى اسرائيل.
وعليه، يقرأ ما يكتبه هؤلاء، من خلال الموقع الذي يقيمون فيه، وليس من خلال المكانة الأكاديمية والإعلامية والفكرية التي يتمتعون بها.
وبموضوعية باردة، نقيس الفائدة أو تحدد الجدوى من ممارسة المقاطعة. لا أحد ادعى، من تاريخ بدء المقاطعة، ان المقاطعة ستزيل اسرائيل او ستهزمها أو... انما جاءت لانها الحق الطبيعي المعبر عنه في درجة دنيا: ان تقاطع من اغتصب الأرض وشرد الشعب.
وإذا كانت المقاطعة العربية قد أفادت، فإن الجواب الأكيد، انها كبدت اسرائيل الكثير. غير ان التعويض الأميركي والغربي والسخاء المجزي بالمساعدات، عطلا مفعول المقاطعة... ومفاعيل الحصار.
ومن يتابع مسار المقاطعة، لا يُدهش بتراخيها، لأسباب غير جديرة بالاحترام، بل تستحوذ على الاحتقار... انظمة الاعتدال العربي، في معظمها، استبدلت المقاطعة بالانفتاح والتطبيع. لقد كان الشرط الاسرائيلي الأول، هو انهاء المقاطعة. ولقد حصل ذلك، إما بالتراخي أو بالتراضي، أو بطلب شديد اللهجة، من قائدة العالم الحر.
لقد اسقطت اسرائيل منطق المقاطعة، عندما انتقلت الانظمة العربية، لتكون جزءاً من الترسانة العسكرية والسياسية والدبلوماسية الاميركية، المتطابقة مع السياسات الاسرائيلية المستحوذة على تأييد الغرب المتحضر، الذي يصدّر لنا فنانيه وراقصيه ومغنيه، ليقيموا طربهم (غير المحايد) عندنا، بعد المرور باسرائيل.
اسقاط المقاطعة، مكافأة لاسرائيل، وإهانــة لمن بقــي له الفتــات من الكرامة والوطنية.
لا أتهم أحداً، بل أشرح ما أفهمه من حركة المطالبين، بأن نتمدّّن ونتحضر ونتخلى عن تخلفنا وتعصبنا. لا أتهم أحداً، بل أحاول الدفاع عن قلة أو كثرة، لا أعرف!، لا تزال تقرأ اسرائيل كما يلي: هي عدو ومجرم ووالغة في دمنا اللبناني والعربي والفلسطيني، وهي مستمرة في دوس كرامتنا وحضارتنا وانسانيتنا، مستعينة بما تلقاه من دعم مجنون، غير عقلاني، ولاإنساني، من غرب فاحش، عليه ان يتعلم حقوق الإنسان، ومبادئها السامية، من انقاض غزة، وبقايا القدس وباندوستانات فلسطين، وقانا والصويري وبحر البقر وأبو زعبل والقنيطرة. حتما، سيتأذى البعض من هذا الكلام. كما سيتأذى صاحب كتاب «العرب والمحرقة النازية»، جيليبر الأشقر، الذي جهد جهداً أكاديميا، لإبراز مواقف العرب وقياداتهم من الهولوكوست.
غريب... كأننا نحن علينا ان نبرئ أنفسنا، أو ندين بعضاً منا، ولا علاقة لنا بالهولوكوست... المحرقة نتاج غربي. «النجمة الصفراء» على صدر اليهودي في أوروبا، نتاج غربي. اليهود عاشوا بيننا فترة ازدهار وتقدم. جاك اتالي شرح ذلك في كتابه: «اليهود والمال والعالم». قال عن حقبة وجود اليهود في البلاد العربية، انها الحقبة الذهبية، فيما عاش اليهود جحيمهم في غرب القرون الوسطى حتى درايفوس، والنازية ومحارقها.
لا علاقة للعرب بما حدث لليهود في العالم... من المهم العودة إلى ما كتبته فيفيان فورستر في كتابها: «الجريمة الغربية» (Le crime oceidental). انها تتهم الغرب بأنه صانع الجريمتين: جريمة الهولوكوست، وتدفيع فلسطين ثمن الجريمة.
ثم، من أكد لجيلبير اشقر، ان انطون سعادة، مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي، كان نازياً. هل حازم صاغية المرجع العالم في ذلك؟ هذا غير جائز، لأن لا وثيقة تثبت نازيته، وموقفه من اليهود، علمياً، يقرأ في كتاب «الإسلام في رسالتيه»، وليس في خطبه الحماسية، حيث صار الدمج بين اليهودية والصهيونية، وليس في ما انتجه خليفته جورج عبد المسيح، من فكر عنصري مقيت، ترك أثراً شديداً على أتباعه ولا يزال.
لم نرتكب المحرقة، ولم نغطِّ عليها. ومن تدنس بها، كان بسبب ما انزلته الصهيونية، او اليهودية المتصهينة، من كوارث وإبادات وجرائم ولا تزال... الضحية لا تلام اذا شتمت ولعنت وتشفت، بل تلام اسرائيل، لأنها رفضت الانضمام إلى الجهود التي تقودها الجاليات الأرمنية وأحزابها، في الوطن وفي أماكن الانتشار، لادانة تركيا ومجازرها... لأنها حليفة تركيا آنذاك... وهي على استعداد، غدا، إذا ساءت العلاقات بينهما، ان تجعل من مذابح الاتراك قميص «الشواه» الجديد.
أخيرا، قول للطاهر لبيب في تكريم الكاتب كريم مروة، حيث اشار إلى عدم جواز النظر إلى الماضي ومحاكمته، بأفكار الحاضر وآلياته... «هكذا كانوا يفكرون».
لا خجل من المقاطعة، وتعميمها، واتهام من يتجرأ عليها، بأنه يرتكب «جريمة النوايا» بحق انسانية الفلسطيني واللبناني...
هذا كلام في المقاطعة، من موقع سياسي، مختلف عن مواقع الآخرين. هذا كلام في المقاطعة، كشقيق ضعيف البنية، للمقاومة المسلّحة... وعذراً.
2010-06-24