ارشيف من :أخبار لبنانية

مورا كونيللي: سفيرة فيلتمان في بيروت

مورا كونيللي: سفيرة فيلتمان في بيروت
جيفري فيلتمان كان السفير الأميركي فوق العادة في لبنان، وقد توّج مساعداً لنائب وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى. خليفة «جيف» في عوكر لم تعجبه كثيراً. مرت السنوات الثلاث بصعوبة على فيلتمان، لكن ها هي مساعدته مورا كونيللي تستعد للحلول محل ميشيل سيسون في عوكر

غسان سعود

داخل مبنى السفارة الأميركية، قبالة نصب للأميركيين واللبنانيين الذين توفّوا خلال عملهم في لبنان مع الحكومة الأميركية، هناك شجرة زيتون حملها النائب وليد جنبلاط بمساعدة زملائه: مروان حمادة وسمير فرنجية ووائل أبو فاعور، في 3 أيار 2007، ليهديها إلى صديقه (السابق) سفير الولايات المتحدة السابق في لبنان جيفري فيلتمان. يومها صفّق فارس سعيد ونسيب لحود وغطاس خوري لجنبلاط وفيلتمان أثناء «نكشهما» الأرض لزرع الشجرة التي قال أبو تيمور إنها من جبال الشوف. بدوره، ألقى فيلتمان كلمة رأى فيها أن «شجر الزيتون يحقق الارتباط بين الأجيال، فهو يعمّر معنا ويذكّرنا بوعد التجدد مع كل حصاد». وأمل فيلتمان أن تصبح للشجرة الجنبلاطية جذور عميقة في حرم السفارة، فتنتج أوراقاً جديدة.
في غياب فيلتمان نمت الشجرة، لكن ذلك لم يكفِ لتحقيق «الارتباط بين الأجيال»، ومن خلف فيلتمان في السفارة كان كفيلاً بتذكير أبو تيمور بوعد «التجدد (أو التغيّر) مع كل حصاد».
من يعرف السفارة الأميركية في بيروت يجزم بأن فيلتمان كان «الأهم» بين السفراء الذين تناوبوا على العمل في لبنان. فالسفير الذي بدأ عمله في هايتي لم يلتزم المعايير المهنية التي تقيّد السفراء وتحولهم إلى موظفين ينفذون ما تطلبه منهم وزارة الخارجية في بلادهم، وترداد ما تقوله الوزارة. تحول من موجَّه إلى موجِّه، ينصح الإدارة الأميركية، يصدّق بختم وزارة الخارجية على نصائحه ثم يشرف على تطبيق نصائحه، ناشراً لـ«الديموقراطية». وفي موازاة وقوفه وراء «ثورة الأرز» أو «انتفاضة الاستقلال»، تحول جيف إلى بديل للعميد رستم غزالة للسياسيين ورجال الأعمال والإعلام الذين فقدوا فجأة الوصيّ عليهم، فضلاً عن اهتمامه ببعض الصحافيين، يُعرّفهم بما يحصل من وجهة نظره ويَعرف منهم ما يحصل من وجهات نظر أخرى. وهو في هذا السياق كان مع اقتراب انتهاء ولايته غير القابلة للتمديد أو التجديد واحداً من أهم اللاعبين في المنطقة، في ظل حرصه الدائم على ربط علاقات السياسيين بالإدارة الأميركية بشخصه، وتوطيده لعلاقته الشخصية مع الراغبين في ذلك، وخصوصاً مع جنبلاط.
لاحقاً، مع التزامه مبدأ «لو دامت لغيرك لما وصلت إليك» ومغادرته منزله في عوكر، ترك فيلتمان لخليفته القائمة بالأعمال أولاً، ثم السفيرة، ميشيل سيسون تحديات كثيرة. «جيف» كان مبادراً، مطلعاً على كل التفاصيل من دون استثناء تقريباً، يملك قراره بيده، لديه دائماً متسع من الوقت للقاء مختلف السياسيين والإعلاميين، ومستعد دائماً للتدخل في شؤون غيره، مردداً علانية ما يفكر فيه. أما سيسون الآتية من تجربة يتيمة في سفارة الإمارات العربية المتحدة بعد تنقل طويل من بعثة دبلوماسية إلى أخرى، وكانت تلتزم تنفيذ الأوامر المعطاة لها من وزارة الخارجية الأميركية من دون أي إضافات شخصية، فحرمت فارس سعيد ونايلة معوض وسمير فرنجية وغيرهم موائد العشاء الطنّانة وحفلات الزيتون الرنانة، وكادت تتحول إلى مسؤولة عن القضايا الثقافية والاقتصادية في السفارة من كثرة انهماكها، مرة بتفقد الآثار في بعلبك وأخرى بتوزيع المنح التعليمية في الجامعات. حتى إن بعض عشاق فيلتمان من سياسيي 14 آذار يحمّلون سيسون المسؤولية عن تراجع اهتمام الإدارة الأميركية بالملف اللبناني وعن التصدّع الذي أصاب قوى 14 آذار، علماً بأن فيلتمان، الذي يصعب حتماً ملء فراغه في عوكر، لم يسهّل مهمة سيسون: كان أشبه بسفير الظل (أو هي كانت سفيرة الظل)، لا تزور مسؤولاً إلا يعلمها أن فيلتمان على اتصال دوري به، يشغلها بتصريحاته مرة عن ترسيم الحدود ومرة عن توزيع المساعدات «للحد من جاذبية حزب الله لدى الشباب اللبناني». ويذكر هنا أن من يواظبون على التواصل مع فيلتمان يؤكدون ترداده دائماً أن الاستدارة الحاليّة لجنبلاط كانت ستكون مستحيلة لو كان هو في لبنان.
فيلتمان لم يبتعد، طيفه يحوم فوق «أصدقاء السنوات الصعبة»، وهو كسب مع تعيينه مساعداً لنائب وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى صفة تشرع اهتمامه الفائض بلبنان وبعض اللبنانيين. ويذكر أحد سياسيي 14 آذار أن جيف يتابع كل التقارير التي تصدر عن سفارة الولايات المتحدة في لبنان، حتى تلك المعنية بالتحاليل الصحافية، ويصل في ملاحقته الأخبار إلى السؤال عن رياض رحال وكارلوس إده وإيلي محفوض.
في النتيجة، مع اقتراب انتهاء ولاية سيسون، برزت أسماء ثلاثة دبلوماسيين أميركيين كانوا يرغبون في خلافتها في بيروت:
ـــــ نائب مساعد وزيرة الخارجية الأميركية (فيلتمان) ديفيد هيل الذي عمل كثيراً على الملف اللبناني في الخارجية الأميركية، وهو من أكثر المطلعين والمواكبين لخطط فيلتمان، لكنه اقتنع لاحقاً بأن مصلحته تقضي بالابتعاد عن لبنان قليلاً لاكتساب خبرة إضافية في ملفات أخرى تسمح له بالتطور أكثر في عمله في الخارجية.
ـــــ عضو مجلس العلاقات الخارجية جاكوب والاس الذي كان فيلتمان نائبه حين كان قنصلاً للولايات المتحدة في القدس، وبقيت أسباب استبعاده مجهولة، علماً بأن والاس يهودي الديانة.
ـــــ نائب مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأوسط مورا كونيللي التي شغلت قبل منصبها الأخير منصب القائمة بالأعمال في السفارة الأميركية في سوريا. وهي بحكم مساعدتها لفيلتمان مطلعة على معظم تفاصيل ملفات العراق، سوريا، لبنان وفلسطين. وسبق لها أن عملت في السلك الدبلوماسي بالأمم المتحدة، لندن، القدس، الأردن، الجزائر وجنوب أفريقيا.

يشار هنا إلى أن الدبلوماسيين في الإدارة الأميركية يقدمون طلب الالتحاق بمنصب آخر إلى الدائرة التي يعملون فيها، طالبين موافقتها على ترشيحهم، ويحتاجون أيضاً إلى موافقة المسؤول عنهم، وهو في حالتي كونيللي وهيل ليس إلا جيفري فيلتمان. وهكذا يكون «جيف» قد اختار كونيللي لتكون سفيرة واشنطن في بيروت (قال الرئيس الأميركي باراك أوباما إثر صدور قرار تعيينها في لبنان إنه يفتخر بأن شخصاً مثلها يتمتع بالخبرة والالتزام وافق على تولي هذا الدور المهم في إدارته).
كونيللي تختلف عن سيسون. فهي أولاً، مقربة من اللاعب الأميركي الأقوى على صعيد الملف اللبناني، أي جيفري فيلتمان، ولا يرى الأخير فيها استفزازاً له أو تجاوزاً لهالته (التي أسهم اللبنانيون أكثر منه في رسمها). وهي ثانياً، مطلعة على مختلف التفاصيل في الملف اللبناني وتعرف بعد عملها في سفارة بلادها في دمشق كيف يفكر العقل السوري (في مؤتمر دول الجوار حول الأمن في العراق في 23 تشرين الثاني 2008 كانت مداخلة كونيللي حادة جداً، وقالت إن «على دمشق أن تتوقف عن السماح للشبكات الإرهابية باستخدام سوريا قاعدةً ضد العراق». لكن لاحقاً، بدأت مواقفها تلين، وهي رافقت وفد الكونغرس الأميركي برئاسة آدم سميث، دعا الرئيس السوري في 31 كانون الثاني 2009 إلى قيام حوار إيجابى وبنّاء بين سوريا والولايات المتحدة على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل». وكانت شاهدة على تأكيد الوفد الأميركي على «الدور المهم لسوريا في المنطقة وتطلّع الإدارة الأميركية الجديدة إلى تطوير العلاقات السورية الأميركية بما يخدم الاستقرار في الشرق الأوسط». ويروي أحد الذين رافقوا الوفد الأميركي في زيارته للمدينة القديمة في قلب دمشق أن كونيللي كانت تشرح بشغف لزملائها عن المعالم المحيطة بهم. وفي 16 شباط 2010، شاركت كونيللي في الاجتماع الذي عقد بين الرئيس السوري بشار الأسد ومساعد وزيرة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية وليام بيرنز. ورافقت منسق وزارة الخارجية لسياسة مكافحة الإرهاب السفير دان بينجامين الذي التقى بعض المسؤولين السوريين (في إشارة إلى عودة التنسيق الأمني بين البلدين). وهي ثالثاً، تعلم بكل الروابط الدقيقة بين الملف اللبناني والملف العراقي والملف السوري ـــــ الإسرائيلي، بالنسبة إلى إدارتها. وهي رابعاً وأخيراً، مسيّسة جداً (درست «الخدمة الخارجية» في جامعة جورج تاون في واشنطن، وهي الجامعة نفسها التي درس فيها الرئيس سعد الحريري الأعمال الدولية. ثم تخصصت في دراسات الأمن القومي في كلية الحرب البحرية الأميركية).
كونيللي التي تختلف عن سيسون، حتى في الوزن، تشاركها الاهتمام بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية (لا خوف إذاً على المساعدات التي تحدث عنها فيلتمان). فخلال عملها مستشارةً سياسية لسفير الولايات المتحدة في لندن، كانت تخصص جزءاً من وقتها للقاء طلاب جامعيين تروي لهم تجربتها في الدبلوماسية الأميركية، مجيبة عن معظم الأسئلة، سواء المتعلقة بسياسة واشنطن الخارجية، أو طريقة حياة الدبلوماسيين. وستجد على الأرجح أكثر من قاسم مشترك مع جنبلاط، فهي مثله لا تزور مكاناً، إلا تهدي مستقبليها كتاباً (معظمها عن نشوء الولايات في الولايات المتحدة). وعلى نايلة معوض أن تستبشر خيراً أيضاً، فكونيللي معجبة جداً بنضال النساء، وهي تحرص حيثما كانت على الاحتفال بيوم المرأة العالمي، في 8 آذار.
2010-06-24