ارشيف من :أخبار لبنانية
حذار شرعنة حصار غزة
قبل نحو شهر، كان العالم بمعظمه يندد بـ"إسرائيل" ويدين فعلتها الإجرامية بحق"اسطول الحرية الى غزة". اليوم يتبارى زعماء أميركا وأوروبا في تقريظ "إسرائيل" والإشادة برفعها "الحصار المدني" عن غزة، وتبرير استمرارها في فرض "الحصار الأمني".
ما سبب التحوّل الملحوظ؟
إنه قرار بنيامين نتنياهو إستجابة لرغبة حلفائه الاطلسيين في تخفيف الحصار لتنفيس الضغوط المتزايدة على "اسرائيل" وشركائها الدوليين والإقليميين.
حلفاء نتنياهو لم يضغطوا عليه لتخفيف الحصار، بل اقنعوه بضرورة التخفيف لأنه في مصلحة "اسرائيل" وشركائها. قالوا له إن الضغوط تتزايد من أجل مباشرة تحقيق دولي في فعلة اسرائيل الإجرامية فجر 31/5/2010 في المياه الدولية. التحقيق الدولي خطير لأنه لا يكشف إجرام "اسرائيل" وخرقها القانون الدولي فحسب، بل يقذف في وجه المجتمع الدولي أيضا سؤالاً اتهامياً صاغه معلّق الشؤون العربية في صحيفة "هآرتس" (20/6/2010) على النحو الآتي: "أين كانت جميع الدول الموقعة على وثائق حقوق الانسان التي صاغتها الأمم المتحدة، لدى فرض الحصار الخانق على غزة؟".
قالوا له: التحقيق الدولي، اذا ما جرى، يكشف فاعل الجريمة والشريك فيها والمتستّر عليها. سارعْ الى اجازة نقل الغذاء والدواء ومواد البناء الى القطاع المحاصر منذ اكثر من ثلاث سنوات كي نتمكّن، في المقابل، من اجازة تمديد حبس المليون ونصف المليون فلسطيني في القطاع، بدعوى منع وصول السلاح الى "حماس".
نتنياهو اجرى حساباته واقتنع، من حيث المبدأ، بجدوى تخفيف الحصار. غير انه خطط وأفلح في استخلاص ثمنٍ باهظ لإستجابة طلب الحلفاء والشركاء. فقد اصدر ديوانه بياناً بأن "اسرائيل" ستنشر قائمة بالمواد المحظر ادخالها، بدلاً من القائمة الحالية بالمواد المسموح بتمريرها. القائمة الجديدة ستسمح بتوسيع ادخال مواد البناء للمشاريع التي تقرها السلطة الفلسطينية وتخضع لمراقبة دولية، وكذلك لمشاريع إقامة مبانٍ سكنية كتلك التي تنفذها الأمم المتحدة في خان يونس.
تصريح نتنياهو، الذي أعقب بيان ديوانه، يكشف حقيقة الصفقة التي عقدها مع حلفائه الاميركيين والاوروبيين، والثمن الباهظ المطلوب أن يدفعه الفلسطينيون والعرب. فقد اعلن رئيس الحكومة العنصرية الصهيونية بالفم الملآن: "لقد جرّدنا حركة حماس من القدرة على اتهام "اسرائيل" بأنها تلحق الضرر بالسكان المدنيين. إن اصدقاءنا في العالم يدعمون قرارنا، ويمنحون شرعية دولية لاستمرار الحصار الأمني المفروض على حماس. لن يكون هناك حصار مدني على غزة، بل حصار أمني يتّم تشديده الآن".
تشديد الحصار الأمني بدأ فوراً. وأعلن وزير الحرب ايهود باراك بعد اجتماعه الى الامين العام للأمم المتحدة، أن "التحقيق الدولي وُضع على الرف"، وان لبنان سيكون مسؤولاً إن سمح لسفن جديدة بالإنطلاق من موانئه باتجاه غزة لفك الحصار عنها. اميركا تجاوبت سريعاً، بالدعوة الى استخدام"القنوات الموجودة"، لا السفن، لنقل المساعدات الى غزة. والجيش "الاسرائيلي" هدد بمعاملة سفن لبنان على غرار معاملته سفن "اسطول الحرية". الخارجية "الاسرائيلية" طلبت الى أميركا وفرنسا والأمم المتحدة تمرير رسائل الى الحكومة اللبنانية، بأن "اسرائيل" ستقوم باعتقال ركاب السفن اللبنانيين ومحاكمتهم بدعوى انتمائهم الى دولة عدوة، وأن "حزب الله" يكمن وراء توجيه السفن الى غزة. الخارجية "الاسرائيلية" طلبت من الفاتيكان عدم السماح لرهبان وراهبات بالمشاركة في السفن المتجهة الى غزة، لكونها تحمل ركاباً معادين "لاسرائيل".
فوق ذلك، وفي اطار شرعنة الحصار على غزة، سربت الخارجية "الاسرائيلية" أنه يجري درس إمكانية وضع رقابة دولية على المعابر المؤدية الى غزة، كشرط لفتحها امام المواد المدنية.
اما الثمن الباهظ المراد تقاضيه لقاء الوعد برفع الحصار المدني، فقد تجلى غداة إعلان نتنياهو عن تخفيفه وترحيب اميركا واوروبا بقراره، اذ جرى الإعلان عن خطة استيطان تقضي بهدم 22 منزلاً فلسطينياً في القدس الشرقية، لإقامة" حديقة الملك" في منطقة حي البستان الواقعة على مشارف القدس والتي تسكنها غالبية من العرب. الى ذلك، امرت المحكمة العليا في "اسرائيل" بإبقاء ثلاثة نواب ووزير سابق من"حماس" خارج حدود القدس، تنفيذا لقرار وزارة الداخلية "الإسرائيلية" إبعادهم عن المدينة. كما رددت بعض الصحف "الاسرائيلية" أن تل ابيب لن تتوانى، قبل البدء بتخفيف الحصار المدني، عن استئخار تنفيذه، الى ان تسمح "حماس" للصليب الاحمر الدولي بتفقد الجندي الأسير جلعاد شاليط. واللافت، أن اللجنة الرباعية كانت شفعت ترحيبها بتخفيف الحصار "الاسرائيلي" عن غزة، بمطالبة"حماس" تمكين الصليب الاحمر بمعاينة شاليط !
أجل، هكذا تتم شرعنة الحصار: الإعتراف، بادىء الامر، بوجوده. ثم التظاهر برفع شطره المدني، والإبقاء على شطره الأمني. وتحت ستار هذا التقسيم المصطنع لمضمون الحصار، يجري تمديد حبس شعب غزة البالغ تعداده مليوناً ونصف المليون في اكبر سجن في التاريخ المعاصر، مع استمرار الحظر على مواد مدنية كثيرة، ابرزها السماد الطبيعي، والصناعي، اللازم للزراعة، بدعوى انه مادة مزدوجة الاستعمال وتدخل في صناعة الصورايخ! الى ذلك كله تجري شرعنة الحصار في حلته الجديدة بإمتداح"اسرائيل" لموافقتها على تخفيفه، كما بالسعي الى توثيقه بوضع رقابة دولية على جميع المعابر المؤدية الى القطاع !
كيف نواجه هذا التطور الخطير والمؤذي؟
بإعتماد سياسةٍ ذات مرتكزات ثلاثة :
الاول، إبقاء قضية رفع الحصار كاملاً حيّة بتسيير المزيد من الأساطيل المؤلفة من عشرات السفن المحمّلة بالمتضامنين الاحرار من شتى الجنسيات، المستعدين للاشتباك مع جنود البحر "الاسرائيليين" بالايدي وسائر "فنون" المقاومة البدنية العزلاء، من اجل صنع حدث بل احداث لافتة تجتذب اضواء وسائل الاعلام الإقليمية والعالمية.
الثاني، إثارة قضية المجزرة التي اقترفتها "إسرائيل" فجر 31/5/2010، في عمق المياه الدولية، خارقةً بذلك قاعدة "المرور البريء"، الامر الذي يستوجب إدانةً من مجلس الأمن، وقراراً بإجراء تحقيق دولي، حتى اذا رفض مجلس الأمن اتخاذ هذا القرار، او رفضت "إسرائيل" الامتثال له في حال اتخاذه، بادرت تركيا وكل دولة تعتبر نفسها متضررة من فعلة "إسرائيل" الاجرامية، الى تسيير قطع من اسطولها لمرافقة سفن اساطيل الحرية المتجهة الى غزة في المياه الدولية، ولغاية المياه الاقليمية لقطاع غزة.
الثالث، إقناع مصر بإبقاء معبر رفح مفتوحاً بصورة دائمة، ومسموحاً استخدامه لشتى الاغراض، بما في ذلك انتقال الاشخاص والبضائع ومواد الغذاء والدواء والبناء، وفصل مسألة المعبر عن مسألة المصالحة الفلسطينية، وعن مسألة الجندي "الإسرائيلي" الأسير جلعاد شاليط.
إن الكفاح من اجل فك الحصار بصورة كاملة، وبلا شروط عن غزة، هو أفعل وأرقى اشكال المقاومة المدنية في عصرنا، ويجب ان يكسب الفلسطينيون هذه المعركة مثلما كسب اللبنانيون، بالمقاومة الميدانية، النزال ضد "إسرائيل" وحربها العدوانية العام 2006.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018