ارشيف من :أخبار لبنانية
متلازمة المستنقع الأفغاني.. الرؤوس تتدحرج
كتب علي الصيوان- الثورة
أيهما أسبق: البيضة أم الدجاجة؟ السياسي أم الجنرال؟ غيتس أم ماكرستال؟
هذه الأسئلة كانت في 23 حزيران مطروحة بصخب في واشنطن.
فالرئيس أوباما لم يستدع الجنرال ستانلي ماكرستال من أفغانستان للتوبيخ بل للإقالة.
وقد أقيل الجنرال المثقل الصدر بالنياشين وبالمرارة في استكشاف الخطوة اللاحقة!.
هو لم يبلغ في تقويم الموقف مرحلة النطق الصريح: فالج لا تعالج. لكنه كان قاب قوسين: غمغم بها. ساق الأدلة على الحماقات المستبدة برؤوس السياسيين في العاصمة البعيدين عن رحى الميدان حيث تطحن الرؤى الميكانيكية التبسيطية المنسوجة من المكابرة في أن الحروب يمكن أن تنتهي مثلما تبتدئ.
سيقت تفاصيل كثيرة عن «الشجار العائلي» بين السياسيين وعلى رأسهم أوباما والجنرالات. إنما الجوهر بقي كما هو: الجميع في حال مغادرة، وفق تعبير الرئيس محمود أحمدي نجاد لدى زيارته دمشق.
ذلك أن حالة المغادرة كما في قاعات الانتظار في المطارات مشحونة بقلق الترقب من لحظة آتية لا ريب فيها.
هي في المطار: مشدودة إلى الاقلاع بأمل الوصول بالسلامة.
أما في أفغانستان والعراق و.. كل مهبط لسياسة غطرسة القوة، فإن حال المغادرة تستدعي شبح طائرة السفير هنري كابوت لودج في الأول من أيار 1975 التي غادرت سايغون (مدينة هوشي منه) يوم أسدل الستار على الفصل الختامي من استراتيجية غطرسة القوة الأمريكية في فيتنام.
شبح طائرة لودج (الجامبو 747) التي يتناثر عن جناحيها جنود يلتمسون النجاة، جوال في خيال أوباما والجنرالات معاً، إنهم جميعاً ضحية كابوس. إنه حالة المغادرة.
الولايات المتحدة لم تهزم بعد. جبروتها العسكري يمارس السفاهة في تبديد الطلقات لقتل أي أفغاني أو عراقي أو فلسطيني وهذا الجبروت في جهوزية عالية «حتى اكمال المهمة».
لكن هذه المهمة لا تكتمل إنها تتناءى مع ازدياد الزحام اليومي على جسر النعوش الطائرة إلى واشنطن الموضوعة في الخدمة. ولقياس سويات الزوابع في «الشجار العائلي» الذي تتدحرج فيه رؤوس في وزن وحجم دونالد رامسفيلد لمصلحة روبرت غيتس وستانلي ماكرستال لمصلحة دافيد بترايوس.
التتابع هنا سبب كاف لدحض الشخصية من تفسير ما يجري في واشنطن. إنها سياسة غطرسة القوة الأمريكية وهي سياسة مستمرة من عهد بوش وعابرة لعهد أوباما وليست إرثاً.
«الحرب أكبر من أي شخص: سياسياً كان أم جنرالاً» قال الرئيس أوباما. وكأنه أراد القول إن المستنقع الأفغاني ضاغط بما يكفي للتتابعية في المراجعة الدؤوبة للخطط العسكرية والرؤى السياسية الحاملة لهذه الخطط.
وقد دخل الأمين العام لحلف الناتو راسموس على خط الشجار مع ماكرستال. إنما بانحيازه إلى الجنرال المقال أطلق غيمة الشكوك المتنامية في بريطانيا و.. استراليا من جدوى مواصلة الانخراط في انجاز المهمة فهذه تنجز بالانسحاب فقط. وها هي استراليا بعد بريطانيا واسبانيا تلوح به، أي ترك الولايات المتحدة لقدرها السايغوني 1975 وهذا ما لا تريد واشنطن التفكير فيه.
ولذلك فإن دوامة البدائل بما فيها المجرب تواصل الدوران. انحياز راسموس في قيادة «الناتو» لماكرستال، يضع خميرة لشجار لاحق مع خلفه دافيد بترايوس. فهذا كان صاحب السبق في اطلاق المستوى الأشد صخباً من «الشجار العائلي» بين الولايات المتحدة و«اسرائيلها»، بالقول: «جنودنا يقتلون في العراق وأفغانستان بسبب الاستفزازية الإسرائيلية».
والأصل في تفهم راسموس وحميد كرازي لسياسة ماكرستال العسكرية هو سعيه للحد من القتل العشوائي للمدنيين فهذا يوسع قاعدة طالبان ويفاقم أزمة القتلة ذوي العقيدة القائلة: إن ما يعجزون عنه بالقوة يمكن تحقيقه بالقوة المفرطة.
بترايوس يحمل اللواء في اتجاهين: المزيد من القوة في حملة قندهار العسكرية حتى قصم ظهر طالبان عسكرياً على خط مواز للتلويح بمفاوضات مع «المعتدلين» فيها بوساطة متعهدي إنشائها ضد السوفييت في الاقليم.
والأذية هنا محققة لصلب الخطاب السياسي الأمريكي: رفع اسم طالبان من اللائحة السوداء لائحة المنظمات الإرهابية وشراسة هجوم في قندهار توكل قيادته لبترايوس بعد ماكرستال.
ولن يطول الوقت ببترايوس جراء هذه السياسة الخرقاء حتى يغمى عليه في كابول بعد الاغماءة في جلسة الاستماع في الكونغرس.
وربما لا يكون في وسع بترايوس الاحتفاظ بالتوازن داخل هذا المستنقع من الرؤى المتضاربة على نحو ما يفعله الجنرال ايهود بارك في فلسطين.
فهذا يتباهى أن الصناعة العسكرية الإسرائيلية هي من أنجز إطلاق قمر التجسس على إيران.
فالعالم بأسره يدرك المستند اليقيني في مقولة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وهي: «أمريكا تزود إسرائيل بكل شيء: من الإبرة حتى الصاروخ».
فهل يصمت بترايوس على هذا التبجح من باب: «ما أقلنا، شفنا من أقيل».
يقيناً أن الزحام على جسر النعوش الطائرة إلى واشنطن معادل موضوعي لانتعاش نهج المقاومة في أربع رياح هذا اللوبي الذي يسمونه «الشرق الأوسط» وفاقاً للبساطة في المعادلة الرياضية: كل شارة سلب في أحد طرفي معادلة تنقلب علامة ايجاب في الطرف الآخر.
وفي مسننات المستنقع الذي تؤول إليه سياسة غطرسة القوة الامبريالية ستتدحرج رؤوس متلاحقة قبل أن تأزف «لحظة المغادرة» لحظة سايغون 1975.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018