ارشيف من :أخبار لبنانية
دلالات تركية
عبد الهادي محفوظ / رئيس المجلس الوطني للاعلام - صحيفة النهار
في اتصال هاتفي أبلغ رئيس الحكومة التركية رجب طيّب أردوغان الرئيس الأميركي باراك أوباما: "إن اسرائيل في طريقها لخسارة صديقتها الوحيدة تركيا في المنطقة...". كان ذلك بعد تعرّض اسرائيل لـ"اسطول الحرية". واستخدم أردوغان عبارة "إرهاب الدولة" في توصيف الإعتداء على الذين حاولوا فك الحصار عن غزة.
أين تمضي العلاقة التركية - الإسرائيلية؟
في البداية المصالح العسكرية هي التي كانت في أساس العلاقة التركية - الاسرائيلية. ولفترة طويلة كانت تركيا الدولة العلمانية الحليفة والشريكة التجارية لاسرائيل. وكانت السبّاقة للإعتراف بالدولة اليهودية بعد قيامها في العام 1948. وواقع الأمر ارتفعت وتيرة التحالف بين الجيشين التركي والاسرائيلي في التسعينات حين وقـّعت الدولتان اتفاقات عسكرية ومخابراتية. وكان المبرّر "احتواء سوريا" عدو اسرائيل الأساسي وكون دمشق استضافت انفصاليين من حزب العمال الكردستاني الذي يرئسه عبدالله أوج ألان والذي يقاتل تركيا. وبسبب القلق التركي من الجوار العربي سمحت أنقرة لتل أبيب باستخدام مجالها الجوي وهضبة الأناضول في التدريب العسكري. كما أن "الحالة الايرانية" التي تزامنت مع صعود الإسلام السياسي عزّزت العلاقة الإسرائيلية - التركية.
الإنعطافة التركية شرقا بدأت في العام 2002 بعد تولي حكومة أردوغان الحكم وترافق ذلك مع تراجع حزب العمال الكردستاني والتحسن الملحوظ في علاقات تركيا مع دمشق وطهران في آن واحد. وبدا من الواضح في توجهات أردوغان أن أنقرة لم تعد تعتبر صلتها باسرائيل ضرورية لوجودها. فقد تراجع في الوقت نفسه نفوذ الجنرالات الأتراك العلمانيين الذين كانوا يعتبرون العلاقات الوثيقة مع اسرائيل "دواء" لمكافحة الإسلام السياسي في الداخل التركي. والملاحظ أن الحرب الإسرائيلية على غزة وقصفها وتدمير المنشآت الرسمية وغير الرسمية فيها من جانب الحكومة الإسرائيلية التي كان يرئسها إيهود أولمرت ساهم إلى حد بعيد بتعميق الفجوة بين تركيا واسرائيل خصوصا أن رئيس الحكومة التركية رجب طيّب أردوغان كان قد تبلـغ من أولمرت بعدم التعرّض العسكري لغزة. وهذا أمر اعتبره أردوغان بمثابة خداع اسرائيلي لتركيا ودورها واستتبع توترا ضمنيا في العلاقة ومزيدا من الإحتضان التركي لحركة "حماس".
وعنصر القوة الرئيس لحكومة أردوغان أن المجتمع المدني التركي يحتضن التوجهات السياسية الجديدة ويمنحها بعدا أيديولوجيا متمثلا بإسلام سياسي معتدل لا يتناقض مع المنحى العلماني للدولة التركية الذي أرساه أتاتورك. وفي هذا السياق فإن المجتمع المدني يشكّـل شبكة أمان حقيقية للحكومة التركية ويحدّ من هامش اعتراض الجنرالات العلمانيين الذين كانوا الركيزة الرئيسة للعلاقة التركية - الاسرائيلية. إنما ينبغي عدم المبالغة حول كون العلاقات التركية - الاسرائيلية وصلت إلى طريق مسدود بسبب ما تعرّض له "أسطول الحرية". فالمصالح التركية هي التي تتحكّـم في نهاية المطاف بالموقف التركي على ما ذهب إليه أردوغان. والدور التركي الذي تتطلع إليه أنقرة في المنطقة يفترض في ما يفترض الإبقاء على العلاقات التركية - الاسرائيلية في مستوى يسمح لتركيا بلعب دور الوسيط في أزمة الصراع العربي - الاسرائيلي ومع "حماس" ودمشق. وهذا ما ترغب به الإدارة الأميركية التي تعتبر تركيا "شريكها الضروري" للمصالحة بين العالمين العربي والإسلامي واسرائيل.
بالتأكيد سلط الموقف التركي الداعم لفك الحصار عن غزة الأضواء على فكرة "إرهاب الدولة الاسرائيلية". وهو تعبير لم يتردد رجب طيب أردوغان في استعماله خصوصا بعد سقوط شهداء قتلى أتراك على "أسطول الحرية". فتركيا شريك في الحلف الأطلسي وتمتلك ثاني قوة عسكرية فيه وبالتالي لا يمكن أوروبيا وغربيا تجاهل اعتراضها على السلوك الاسرائيلي. وهذا الإعتراض أخذه في الإعتبار مجلس الأمن كما عزّز من فكرة تكوين لجنة تحقيق دولية. ولعله وبسبب الموقف التركي كان هذا الإرباك الإسرائيلي في التعاطي مع تداعيات "أسطول الحرية" وكانت "عزلة" اسرائيل "الأخلاقية".
في كل الأحوال واشنطن لا تستبعد تحميل الإتحاد الأوروبي مسؤولية التحوّل في الموقف التركي باعتبار أن الجهود التركية في اتجاه أوروبا منيت بانتكاسات. قد يكون في هذا التفسير جانب من الحقيقة. لكن التوجه الإسلامي التركي يحتـّم تحوّلا لا يقتصر على القراءة الأميركية. ففي "الإسلام التركي السياسي" ملامح الحركة الأخوانية الإسلامية بشكل عام ما يمكن أن يفسّر التعاطف التركي مع "حماس". كما أن الفلسفة السياسية للنظام السياسي التركي التي أرساها وزير الخارجية داود أوغلو تملي أولوية العلاقة مع "الجوار" العربي والإسلامي. بكلام آخر تتم "المزاوجة" في تركيا بين المصالح والأيديولوجيا وبين الإسلام والعلمانية وبين الإنفتاح على الغرب وعلى الشرق العربي والإسلامي. وهكذا لا يمكن الركون إلى التفسير الذي يعطيه رئيس المخابرات الإسرائيلية بـ"كون الصدع في العلاقات الإسرائيلية التركية نجم عن ابتعاد أنقرة عن الأسس العلمانية التي وضعها مؤسس الدولة مصطفى كمال أتاتورك واتجاهها نحو اسلام أكثر تشددا...". فهذا التفسير الإسرائيلي تعوزه الرصانة والحقيقة. فتركيا الإسلامية تقيم أفضل العلاقات مع سوريا العلمانية. وأردوغان يعلن بصريح العبارة : "لا فارق بين تركيا وسوريا. فتركيا هي سوريا وسوريا هي تركيا". والحقيقة أن ما يبعد تركيا عن اسرائيل هو الممارسات الاسرائيلية والإعتراض على المقاربة التركية الموضوعية لدور الوسيط بينها وبين العالم العربي لايجاد أسس عادلة لتسوية سلمية ولدولة فلسطينية عاصمتها القدس. هنا عنصر الإفتراق الأساسي بين تركيا واسرائيل.
أيا يكن الأمر، التوجّه التركي عربيا هو إلى تنامٍ ملحوظ. فتنشيط اتفاقية التجارة الحرة مع سوريا والأردن هو مؤشر وكذلك السياسة التركية في دعم التعاون الإقتصادي مع الدول العربية. وهذه المسألة أشار إليها بوضوح وزير الخارجية أحمد داود أوغلو بقوله "تركيا عازمة على دعم التعاون الإقتصادي مع الدول العربية إلى أعلى مستوى ممكن. نريد أن تخرج العربة من تركيا لتصل إلى المغرب دون أن تتوقف عند أي بوابات حدودية".
لا شك في أن تركيا التي دخلت "متأخرة" على مسرح المنطقة تستفيد من كون واشنطن تحتاجها بعد تراجع المشروع الأميركي كما تحتاجها طهران كوسيط في الملف النووي الايراني. كما أن الغرب الأميركي والأوروبي يختبر تجربة الإسلام السياسي المعتدل في تركيا ويعتبره الحل الأمثل في مواجهة "التطرف" الذي تمثله "القاعدة" و"طالبان" والتنظيمات المتطرفة.
والواضح أن تركيا تطمح إلى أن تكون شريكة أساسية في النظام الاقليمي في المنطقة عبر إقامة علاقات متوازنة ومدروسة تكون بوابتها القسرية إلى عضوية الإتحاد الأوروبي وبدعم أميركي رغم التعارضات الطارئة بين واشنطن وأنقرة بسبب التحولات التركية إزاء اسرائيل. أخيرا في عملية فك الحصار عن غزة أصبحت تركيا عنصرا فاعلا في الحسابات العربية والإسلامية. وليس من باب المصادفات أن هناك من يقارن بين أردوغان والزعيم الراحل جمال عبد الناصر.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018