ارشيف من :أخبار لبنانية
عندما يختلف اللبنانيون حتى على... العملاء!
عماد مرمل، السفير
فتحت قضية توقيف موظف شركة «ألفا» المتهم بتجسسه لمصلحة العدو الإسرائيلي الباب على مدى أمني وسياسي مزدحم بالأسئلة التي تتجاوز حدود الشركة، لتطال أكثر من ملف حساس، بعدما بات من الواضح أن الموقع التقني الدقيق للموقوف وتمرسه في التعاون مع الموساد جعلا شبكة الاتصالات مكشوفة أمام إسرائيل منذ سنوات طويلة، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات أمنية.
وتظهر عملية توقيف الموظف شربل ق.، معطوفة على أحداث سابقة، ان قطاع الاتصالات في لبنان بات واحدة من أكثر الساحات احتداما وخطورة، على مستوى الصراع الاستخباراتي والأمني، وانه تحول الى سلاح حاسم في المواجهة المفتوحة بين المقاومة وإسرائيل.
وهناك من يقول الآن إن من أبرز دلالات عملية إلقاء القبض على شربل ق. انها أثبتت صوابية خيار حزب الله باللجوء الى الدفاع عن شبكة الاتصالات الارضية العائدة اليه، في مواجهة المحاولة الشهيرة لنزع هذه الشبكة من يده، وبالتالي تجريده من إحدى أهم عناصر قوته، بما يجعل أسراره مكشوفة أمام الجواسيس المحترفين وتقنيات الاختراق الاسرائيلية.
ويتضح اليوم، أكثر من أي وقت مضى، ان تلك «الشبكة المستترة» شكلت، ولا تزال، صمام أمان حيوياً لحماية المقاومة في لبنان، بل هي كانت عنصرا حاسما في صناعة انتصار حرب تموز، كونها جعلت الجيش الاسرائيلي يتخبط في ظلام استخباراتي، بفعل عجزه عن رصد حركة المقاومة وعدم تمكنه من التسلل الى أسلاك الهاتف الارضي الذي تستخدمه قيادات حزب الله وكوادره في التخابر والتواصل.
وليس صعبا استنتاج حجم المخاطر التي كانت ستترتب على فقدان المقاومة شبكة الاتصالات الخاصة بها، ولجوئها الى استعمال الهاتف الخلوي أو الرسمي في نشاطها الميداني والعسكري، في ظل ما يتكشف عن اختراقات اسرائيلية خطيرة وعميقة للساحة اللبنانية، أفقيا وعموديا، من دون التمييز بين قطاع عام.. وخاص.
وبالتأكيد فإن إسرائيل التي تدرك حجم التأثير الكبير لعامل الاتصالات في المواجهة المخابراتية المستمرة أو في الحرب العسكرية المحتملة، تحاول بكل الوسائل تفعيل حضورها في هذا المجال، سواء عبر العملاء من أصحاب الاختصاص أو عبر أشكال أخرى مثل محطة الباروك الشهيرة التي ضُبطت بجرم «التعاون والتنسيق» مع إسرائيل في مجال خدمة الانترنت، قبل ان تطوى صفحة هذه الفضيحة بطريقة مريبة وغامضة.
وحسب توقعات الخبراء فإن هناك خشية حقيقية من أن يكون جهاز الموساد الإسرائيلي قد أحكم قبضته على قاعدة البيانات العائدة الى الهاتف الخلوي في لبنان، وربما يكون ايضا قد اخترق سنترالات الدولة، حيث المهمة أسهل من الجانب التقني، مستفيدا من الخدمات التي يقدمها له بعض جواسيسه الذين يمسكون بمفاتيح الاتصالات.
ومهما يكن حجم «الاستثمار الإسرائيلي» في قطاع الاتصالات وكيفية توظيفه العملاني على الأرض، إلا أن الأكيد - حسب أوساط سياسية متابعة - هو أن توقيف أحد جواسيس الموساد المزروعين في شركة «ألفا» يشكل اختراقا للأمن القومي اللبناني ويرسم علامات استفهام حول الاستفادة الإسرائيلية المحتملة من «الكنز الخلوي»، أقله خلال 14 سنة من عمر تجسس شربل ق. لمصلحة «الموساد».
وما تكشف من اختراق إسرائيلي لشبكة الخلوي يدفع بعض المراقبين الى الربط بينه وبين أحد جوانب الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة الأميركية حيث أراد الجانب الأميركي التسلل إلى «داتا» الشبكة الخلوية تحت عناوين الإرهاب ومكافحة المخدرات.
وعلى الرغم من خطورة قضية جاسوس «ألفا» وانعكاساتها الوخيمة على الامن القومي، إلا انها سرعان ما تحولت الى مادة للتجاذب الداخلي الكلاسيكي، على اساس الاصطفاف السياسي القائم، من دون مراعاة حساسيتها الوطنية. وكان لافتا للانتباه في هذا السياق السجال الذي دار بين قوى في 8 و14 آذار حول هذه القضية، بالتزامن مع أصوات ارتفعت دفعة واحدة لانتقاد الاجهزة الامنية ووسائل الاعلام، على خلفية تسريب معلومات عن اعترافات الموقوف قبل انتهاء التحقيق، حتى كاد أصل الموضوع يضيع، ليصبح التسريب هو المشكلة وليس مضمون الخبر بحد ذاته.
والغريب أن أصحاب هذه الاصوات ينتقدون طريقة الاداء الامني والاعلامي مع موقوف لا أحد ينادي ببراءته أو ينكر تورطه في جرم التعامل مع العدو، بينما هؤلاء أنفسهم كانوا من رواد الفريق الذي لجأ، بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري وباقي جرائم الاغتيال، الى ممارسة التشهير تحت شعار الاتهام السياسي، وإجراء المحاكمات المرتجلة على الهواء مباشرة بحق القيادة السورية وشخصيات لبنانية، وصولا الى إصدار أحكام مبرمة بحق أبرياء أمضى بعضهم قرابة أربع سنوات في السجن بسبب.. «خطأ مطبعي»!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018