ارشيف من :أخبار لبنانية

عروبة سمير جعجع: وعي متأخر أم عروبة منفعة؟

عروبة سمير جعجع: وعي متأخر أم عروبة منفعة؟

سركيس ابو زيد، السفير

قام قائد القوات اللبــنانية سمــير جعجع بسلــسلة زيارات واتصالات ولقاءات عربية امتدت من الكويت إلى مصر، فضلا عن جهات عربيــة أخرى، أردنيــة وفلسطــينية وقطرية، الهــدف منـها إعطاء بعد عـربي للقــوات اللبنانــية التي عرفت بمواقفها التــاريخية المعادية للعروبة والإسلام، مما أثار تساؤلات حول أبعاد هذه التحركات العربية.

فهل هي تعبير عن وعي عروبي متأخر، أم نابعة من منفعة واستقواء بأطراف عربية تخدم الموقف الثابت لمدرسة القوات المعادية لحزب الله وسوريا وإيران؟
هذه القنوات ليست جديدة. سياسة عدو عــدوي هو صــديقي، اعتمدتها القوات سابقا وما زالت تنــتهجها. ومبدأ الــسيادة والاســتقلال المعلن يتم تطبيقه بطريقة استنسابية وعلى قاعدة المنفعة. وعلى هذا الأساس شبكت القوات اللبنانية تحالفات مع صدام حسين والسعودية وبعض الأطراف الفلسطينية والأردن وليبيا وغيرها من الدول والقوى، في لحظات تقاطع المصالح والعداء لسوريا. وعلى هذا الأساس الاستقلالية ليست مبدأً، بقدر ما هي وجهة نظر نفعية في التحالفات العربية.

لقاءات «القوات» مع مصر ـ مبارك جاءت في ظروف تراجع مصر عن دورها الناصري والقومي بعد توقيع معاهدة منفردة مع إسرائيل، واستمرار التباين بين الحكم القائم في مصر ونهج الجمهورية العربية السورية، رغم الوساطات العربية والسعودية خاصة والتي لم تصل إلى نتيجة عملية بعد.

كما أن النظام المصري الذي يواجه أزمة طائفية مع الأقباط، أراد من خلال استقباله سمير جعجع توجيه رسالة إلى أوساط أوروبية وأميركية، بأنه غير معاد للمسيحيين الشرقيين، رغم معاناة الأقباط، وسياسة التمييز الطائفي التي تتحسس منها الأوساط القبطية والجهات المتعاطفة معها في الغرب.

كما أن «القوات اللبنانية» أرادت من شبكة العلاقات العربية التي تقيمها إعطاء بعد عربي لتحركها، تستقوي به في مواجهتها مع حزب الله وسوريا وإيران خاصة، بعد أن تعثرت محاولات التقارب والتوسط بينها وبين سوريا. فهذا الحراك العربي يساعدها في تطبيع تحالفها مع جمهور القوى السنية في 14 آذار، خاصة أنها تقدم نفسها المواجه الأساسي لسلاح المقاومة وداعميه، وتطالب بمساعدات للقيام بهذا الدور، خاصة في الوسط المسيحي الذي بات أكثر تعاطفا مع المقاومة وحماتها. وتحاول «القوات» استغلال هذه اللحظة التاريخية التي شهدت انقلاب جنبلاط على «ثورة الأرز»، وإعادة تموضعه سياسيا من خلال تقربه من دمشق ودفاعه عن سلاح المقاومة. هذا بالإضافة إلى إعادة ترتيب بيت «المستقبل» حيث ينهج رئيس الحكومة سعد الحريري سياسة أكثر اعتدالا وواقعية وتقارباً مع حزب الله وسوريا، وإن كانت هذه السياسة تواجه ممانعة من بعض أطراف تكتل «لبنان أولا».

أمام حرج الرئيس الحريري تقدم «القوات» نفسها عربيا ودوليا الطرف الأكثر تطرفا، القادر على مواجهة تحالف حزب الله وسوريا وإيران والدفاع عن مصالح أنظمة الاعتدال العربي، في لحظة عربية ولبنانية غير مؤاتية للقوى المتبقية من 14 آذار أن تلعب هذا الدور.

هل تستطيع «القوات» أن تكون طليعة هذه المواجهة مستفيدة من دعم بعض «أنظمة الاعتدال العربي» بالإضافة إلى الدعم الضمني من قوى في 14 آذار غير قادرة على المجاهرة بمواقف شبيهة بالقوات، أم أن تموضع القوات في الخندق الأكثر تطرفا سيؤدي إلى استفرادها وعزلها بينما هي تتوهم بأنها في الموقع الأكثر استقطابا في الوسط المسيحي خاصة وفي الأوساط المعادية لحزب الله عامة.

لعبة حافة الهاوية التي تغامر بها القوات تضعها في موقعين أحلاهما مر: إما شر لا بد منه لكل من حزب الله وسوريا كي يتصالحا معه لاتقائه، وإما رأس حربة إذا أزفت ساعة المواجهة ضد حزب الله وسوريا، في لحظة مواجهة إقليمية تراهن القوات أنها مقبلة لا محالة، تفتح له الطريق إلى بعبدا في ظروف شبيهة بالظروف التي أوصلت بشير الجميل إلى رئاسة الجمهورية .

يحاول جعجع صقل صورته وتلميعها من خلال إعطاء خطابه السياسي منحى عربيا وعروبيا، عبر إطلالاته المتكررة حول القضية الفلسطينية، وعبر إقامة علاقات مباشرة مع عدد من العواصم العربية انطلاقا من القاهرة، وهو ما تجلى في استقباله في الرئاسة المصرية، ومن ثم حديثه عن المصالحة الفلسطينية كمدخل الى حل سلمي شامل، وهو تصريح جديد من نوعه في خطاب «القوات اللبنانية».

سمير جعجع يتقن لعبة «السولد» إما كل شيء أو لا شيء. إما الحكم والسلطة وإما السجن أو المنفى.

ولأن وليد جنبلاط يدرك هذه اللعبة الخطيرة أطلق مؤخرا تصريحه الشهير «اليمين اللبناني غبي» وكان سبق وصرح عن «الجنس العاطل» أي الفريق الانعزالي المغامر الذي يقود نفسه وجماعته والبلد إلى الانتحار. وخوفا من الوصول إلى هذا المأزق تطرح بعض الأوساط ضرورة فتح أقنية حوار بين «حزب الله» وسوريا من جهة و«القوات» من جهة أخرى منعا لوصول جعجع إلى حالة العزلة أو العزل التي تدفعه مع الفريق الأكثر تطرفا إلى التحالف مع الشيطان الأكبر وتكرار تجربة بشير الجميل.

قيل: التاريخ لا يتكرر وإذا تكرر يصبــح مهزلة. فهل نشــهد مهـزلة أم أن سمير جعجع يراهن على معطيات حبلى في المنطقة وهو يستعد لملاقاتها بعروبته الزائفة التي تجد له صدى وامتداد في العالم العربي الضائع؟

يلتقي سمير جعجع مع حلف ثلاثي جديد وهو الأكثر تطرفا اليوم قوامه البطريرك صفير ونديم الجميل.

وليس صدفة التقاء هذا الحلــف في فرنسا مؤخرا حيث أجرى سلسلة من اللقاءات السرية والعــلنية مع أطراف فرنســية ودولــية أبرزها تيري رود لارسن مهندس المخططات الداعية لتدويل المسألة اللبنانية.

فتيري رود لارسن إسرائيلي الهوى، صاحبه مخطط «الشرق الأوسط الجديد» شمعون بيريز، وهي العينة النواة لمفهوم «الشرق الأوسط الكبير». كما أنه الصديق الودود لقادة حزب الليــكود. وهو الأمين على القرار 1559 ومهندسه في الرواق الخلفي، وواضع المطالب اللبنانية ـ الدولية، حيث كتب في تقريره إلى الأمم المتحدة في 26/10/2005 عن استحالة التوفيق بين «حزب الله المسلّح» ومشــاركته في السلطة اللبنانية، داعيا إلى دمجه بالجيش اللبـناني. وأشار إلى استــمرار تدخل سوريا في لبنان، وما زعــمه من إرسالها الأسلــحة لحزب الله، فدعا إلى ترسيم الحدود وتبادل البعثات الدبلوماسية. وهذه المطالب أصبحت برنامج عمل 14 آذار وما زالت القوات اللبنانية وأخواتها متمسكة بها .

ولارسن معاد لسوريا، انتقد بشدة مفاوضات إسرائيل غير المباشرة مع سوريا، مما دفع جريدة «هآرتس» للتعقيب في حينها قائلة: «إن لارسن يعتبر أحد خبراء الأمم المتحدة البارزين في شؤون الشرق الأوسط، خصوصاً حول المسائل السورية واللبنانية. ومع ذلك، فإن لديه وجهة نظر سلبية للغاية تجاه الرئيس السوري بشار الأسد».

عجقة اللقاءات الدولية، خاصة مع الشخصيات المثيرة للجدل كلارسن، تشير الى ان ثمة توجها دوليا لإعادة تعويم عدد من القيادات اللبنانية، من بينهم جعجع، بعدما شهد المشروع الذين انخرط فيه هؤلاء تراجعا مستمرا في الآونة الأخيرة نتيجة خلط الأوراق محليا وإعادة الزخم الى العلاقة اللبنانية ـ السورية، لا سيما بعد زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري دمشق.

من ضمن هذه الظروف الدولـية المتوترة التي تشــيع أن الـــحرب آتية لا محالة، يسعى حلف التطرف الثــلاثي (البطــريرك صفير ـ سمير جعجع ـ نديم الجميل) الى حشد التحالفات العربــية والدولية للاستقواء على خصومهم على الساحة اللبنانية. كما يتعاطف مع هذا الحلف بقايا «ثورة الأرز» في المحافل الدولية والأوساط العربية والقوى الهامشية اللبنانية التي تعتاش على مائدة التطرف والعداء لحزب الله وسوريا.

لكن هذه الأجواء تواجهها حالة ممانعة على الساحة اللبنانية والمسيحية خاصة قوامها رئيس الجمهورية وقائد الجيش وأركان الشرعية، لا سيما رئاسة المجلس ورئاسة الحكومة فضلا عن قوى سياسية وشعبية تعبر عن مواقف و توجه مغاير لهذه المغامرة. لذلك شهدنا نقدا علنيا وضمنيا من قبل القوات لرئاسة الجمهورية وقيادة الجيش بسبب التزامهما بمعادلة الجيش والشعب والمقاومة وهي المعادلة التي حققت التحرير والنصر، لذلك يشن سمير جعجع حملة لتغيير هذا النهج ـ سر قوة لبنان المقاوم .

أن إعادة تموضع وليد جنبلاط ومساعي إعادة بناء تيار المستقبل تسير باتجاه معاكس لهذا الرهان. أما الكتائب وبقايا قرنة شهوان فتعيش حالة تردد بين الالتحاق بحلف التطرف الثلاثي أو التمايز عنه بالصمت أحيانا، أو طرح الحياد الإيجابي، للخروج من مأزق إرضاء الجمهور المتطرف من جهة أو الانخراط بالمغامرة من جهة اخرى. وفي هذه الأجواء أثار الرئيس أمين الجميل مؤخرا مسألة خطر التوطين التي سبق وركز عليها الرئيس إميل لحود وتعرض لحملة انتقاد من أركان 14 آذار .

التحولات المقبلة هي الكفيلة بحسم توجه لبنان نحو عروبة الهوية والانتماء أو عروبة المنفعة. عندها يدخل لبنان في المرحلة الثالثة من طريقه إلى العروبة الحضارية الواقعية، بعد أن عبر الميثاق في المرحلة الأولى عن «الوجه العربي». وعبر الطائف في المرحلة الثانية عن عروبة الانتماء والهوية. أما المرحلة الثالثة وهي العروبة الحضارية المقاومة فتثبت حضورها بنتيجة صراعها مع عروبة المنفعة التي يعبر عنها سمير جعجع.

2010-07-03