ارشيف من :أخبار لبنانية

تسونامي برلماني عربي إلى غزّة

تسونامي برلماني عربي إلى غزّة
يروي رئيس مجلس النواب نبيه بري تفاصيل من لقاء دمشق الاستثنائي لبرلمانات منظمة دول المؤتمر الإسلامي، المخصّص لبحث «فك الحصار الجائر عن قطاع غزة»، والمنعقد في نهاية الشهر الماضي، وخاصةً اقتراحه الذي قدّمه بتسيير بواخر من مختلف دول المؤتمر إلى غزة لكسر الحصار

فداء عيتاني
اقترح رئيس مجلس النواب، نبيه بري، في لقاء دمشق الاستثنائي لبرلمانات منظمة دول المؤتمر الإسلامي، المخصّص لبحث «فك الحصار الجائر عن قطاع غزة»، إعداد بواخر بأسرع ما يمكن، لإرسال مساعدات إنسانيّة إلى غزة، على أن تشارك كل دولة في المؤتمر بباخرة واحدة، وعلى متنها المساعدات الإنسانية وشخصيات برلمانية. وكشف بري لمحدثيه أنّ فكرته هي أن يبحر على متن البواخر رؤساء البرلمانات على رأس الوفود. ومن شأن ذلك، بحسب بري، إطلاق «انتفاضة سفن تخرج فيها سفينة واحدة من كل ميناء من الموانئ العربية والإسلامية، وتجتمع في منطقة دولية واحدة، وتنطلق في موكب واحد إلى غزة. وهذا التسونامي البشري والإنساني من شأنه أن يغيّر المعادلة، وسيسهم في فك الحصار عن غزة».
بري، الذي يعلم جيداً تعقيدات الرحلات البحرية، والذي لا يرغب في العمل منفرداً من لبنان، بل يصرّ على أن تكون عملية كسر الحصار مشتركة من كل الدول العربية والإسلامية (التي تبلغ نحو 58 دولة)، يتحدث عن أنّ مشاركة رؤساء البرلمانات لا تعفي القافلة البحرية من أيّ اعتداء إسرائيلي، وهو يقول: «ننطلق نحو غزة، وبعدها سنرى ما سيكون عليه ردّ فعل العدو».
لكنّ هذا الإصرار لدى بري يبدو نهائياً، وهو يعد بأن تجري الأمور بأسرع ما يمكن، وأن تُعقد اجتماعات تحضيرية، أوّلها بعد نحو عشرة أيام، لمجموعة ضيقة لدراسة التطورات وتحديد مواقف الدول وإجراء ما يترتّب إجراؤه.
يمسك بري ذراع محدّثه وهو يردّد: «فوجئت بردّ فعل رؤساء البرلمانات العربية، حين طرحت ما طرحت وافق الجميع، وكان هناك إجماع، وكانت تلك الجلسة الموسّعة. ووافق الوفد السعودي والمصري والأردني وكل الوفود العربية عموماً»، يقول رئيس مجلس النواب اللبناني قبل أن يضيف، وفي الاجتماع المصغّر الذي درس الاقتراح جرى الاتفاق على تعجيل الأمور، والبدء بمناقشتها عمليّاً في اجتماع خاص لهذه الغاية.
إلّا أن بري الشديد الدقة والحساسية في الشوؤن العربية، قال: «البرلمانات العربية والإسلامية ليست بحريّة برلماننا، ولدى بعضها مرجعيات في بلادها، ولا بد من أن تأخذ بعين الاعتبار مواقف حكوماتها، ونحن بصدد متابعة الأمور معها».
ويعلن بري أن «لا مانع من أن تكون المياه الدولية قبالة لبنان هي نقطة التجمع للانطلاق، وكل طرف من الأطراف البرلمانية المشاركة عليه أن يعدّ سفينته والمساعدات على متنها، على أن تبحر في وقت متزامن للّقاء في عرض البحر، قبل أن تنطلق معاً نحو غزة لكسر الحصار».
يتحدث بري عن الحصار البحري غير القانوني (دولياً) المفروض على غزة، ويشير إلى أنّ معبر رفح الفاصل بين غزة ومصر هو معبر للأفراد، بينما المعبر النظامي للبضائع هو معبر ارتز، وبالتالي، فإن إرسال المساعدات يجب أن يجري بحراً، وإنّ ما يجري من جانب العدو هو محاولات لتنفيس موضوع الحصار، وبالتالي كسره، ولامتصاص الغضب وردود الفعل المتصاعدة على العدو، وخاصةً مع خفض العدو كمية السلع الممنوعة، وغيرها من الخطوات.
ينأى بري بنفسه عن أيّ مبادرة أخرى لكسر الحصار، فهو لا يريد أن يبدو كأنه يستبق اللقاء المنتظر مع ممثلي منظمة دول المؤتمر الإسلامي، ولكنه لا يبدي أيّ اعتراض أيضاً على المبادرات، ويقول لمن يسأله: «افعلوا ما ترونه مناسباً».
وكان البيان الختامي، الصادر عن منظمة المؤتمر الإسلامي، قد أشار إلى أنّ القرار الإسرائيلي بتخفيف الحصار عن قطاع غزة ليس إلّا خديعة وتسويفاً لمدّ أجل الحصار، مطالباً الدول الإسلامية وكل محبي السلام بالاستمرار في توجيه السفن التي تحمل مواد طبيّة وغذائية ومواد بناء لإعادة إعمار غزّة، التي دمّرتها إسرائيل، ورفع الحصار عنها وممارسة الضغوط لفتح جميع المعابر أمام حركة الأفراد والبضائع بصورة دائمة. وقرر المؤتمر ضرورة تسيير قافلة مساعدات إنسانية عاجلة لشعب غزة المحاصر، يشارك فيها برلمانيو الدول الأعضاء في الاتحاد.

براً أم بحراً؟

في جانب آخر كانت أطراف لبنانية متحمسة للذهاب إلى غزة براً، هذه الحماسة اشتعلت ليس نتيجة ما حصل على متن البواخر المشاركة في أسطول الحرية الأول، بل نتيجة ضرورة مدّ الفلسطينيين بمساعدات إغاثية أيضاً، وربما للمزيد من روح التضامن، التي لا بأس أن تحمل في النهاية أسماء المتضامنين إلى وسائل الإعلام بصفتهم شاركوا بطريقة أو بأخرى في مساعدة الفلسطينيين المحاصرين.
لكن وقع المندفعون في خطأ حسابي ـ سياسي، وهم إذ يعترفون بأنّ الحساب السياسي لم يكن دقيقاً، فإنهم رأوا أنّ فتح معبر رفح «حتى إشعار آخر» سيسمح لهم بالتحرك.

 ومكمن الخلل هو أنّ معبر رفح ليس معبراً للإغاثة، وبالتالي، فإن كميّة المواد التي ستُدخل إلى غزة لن تكون أكثر من كمية رمزية. أضف إلى أنّ المواد الممنوعة من الجانب الإسرائيلي لن تدخل إلى غزة، واستغلال المعبر المصري البري، إذا أراد البعض الاستفادة منه، لا يكون إلّا عبر إدخال آلاف الأطنان من المواد الرئيسية الممنوعة، والإسمنت خصوصاً، وهو ما لن يسمح به الجانب المصري بأي حال من الأحوال، وبالتالي، فإن المساعدات التي ستدخل القطاع ستشمل مواد ثانوية الأهمية بالنسبة إلى الفلسطينيين المحاصرين.
وفي النقاش الذي تلى البدء بالتحضير للبعثة اللبنانية نحو معبر رفح أبدى البعض سروراً من سرعة الموافقة المصرية على الوفود التي ترغب في الذهاب إلى غزة، وهم لم ينتبهوا، بفعل حماستهم لمد يد العون إلى المحاصرين، إلى أنّ سرعة الموافقة المصرية هي ببساطة لكون كل دخول من معبر رفح يؤكد أن شروط الحصار الإسرائيلي ـــــ المصري المشترك على مليون ونصف مليون إنسان هي شروط مقبولة حالياً، والدليل أنّ إعلاميين وسياسيين وناشطين يمكنهم الدخول إلى القطاع والخروج منه، والقيام بسياحة سياسية في هذا الجزء المكتظ من أرض فلسطين.
وإذا ما مضت أطراف عربية أخرى في إرسال شخصيات ووفود إلى أرض غزة، فإنّ ذلك يسهم في ضرب مشاريع واضحة في كسر حصار غزة، كمشروع سفينتَي ناجي العلي ومريم، وسفن دول المؤتمر الإسلامي، وسفن أسطول الحرية الثاني، الذي يُفترض أن يكون الأكبر والأهم في هذا السياق، والأسطولان التابعان لدول المرتمر الإسلامي وللمنظمات المشاركة في كسر الحصار يُفترض أن يجري العمل بسرعة لإنجازهما، والتركيز عليهما إعلامياً، بينما يبقى العمل على بواخر مثل ناجي العلي وغيرها بمثابة جرعات تذكير للرأي العام الدولي وللإسرائيليين بأنّ الحصار المفروض على غزة غير قانوني، وهو بمثابة جريمة حرب، وعقوبات جماعية على الفلسطينيين.

إغلاق المرافئ

ربما أهمّ ما سيعترض مشروعَي سفن البرلمانيّين وأسطول الحريّة هو تشديد الإجراءات على السفن في كل مرافئ الكرة الأرضيّة، وخاصةً مرافئ البحر الأبيض المتوسط، وقناة السويس، بصفتها أهمّ معبر بحري في المنطقة، أضف إلى عدائية باردة تمارسها الدول الأوروبية على حوض المتوسط تجاه منظّمي أسطول الحرية الثاني، وهي أعلى بقليل من تلك التي واجهت المنظمين في أسطول الحرية الأول، الذين أمضوا قرابة ثلاثة أعوام لإعداد الأسطول الأول، ولشراء البواخر وتجهيزها، واضطروا إلى العمل مراوغةً ومداورةً كي يتمكنوا من شراء البواخر ونقلها من مرفأ إلى آخر، قبل أن يجهز الأسطول وينطلق في مهمته، التي أنهتها إسرائيل بالدم والحديد والقتل العمد.
وسيواجه اليوم المعدّون للأسطول تدابير أقسى من تلك التي خبروها، وهم يعلمون بالأمر، ويعتمدون مجموعة من الإجراءات التي ربما لا تلزم أسطول البرلمانيين، وخاصةً أنّ لهؤلاء في دولهم من النفوذ ما يمكّنهم من إعداد الأعمال وتسيير رحلاتهم بسرعة وفاعلية وفي الاتجاهات التي يرغبون في سلوكها، ولكنهم سيواجهون أمرين آخرين، الأول هو قوات الناتو في البحر الأبيض المتوسط، التي تفرض رقابة صارمة على البواخر العاملة في مياهنا الدولية، والثاني هو رفض المرافئ العربية والغربية انطلاق السفن باتجاه غزة منها.
وكان أبرز موقف مسجل ورسمي هو الموقف القبرصي، الذي أعلن في 28 من أيار الماضي، قبل يومين من مجزرة مرمرة، منع كل البواخر الإنسانية من التوجه إلى القطاع المحاصر «حفاظاً على المصالح القبرصية».
وفي لبنان، كانت الحكومة اللبنانية تعلن صراحةً أنّ التوجه مباشرةً نحو غزة ممنوع لكون إسرائيل دولة معادية، وسيفسَّر ذهاب البواخر من لبنان نحو أراضيها عملاً عدائيّاً.
وعلى الرغم من التعهد الشفهي الذي قدّمه المنظمون إلى وزير النقل في لبنان، غازي العريضي، والذي يعلنون دائماً التزامهم به، لناحية عدم التوجه مباشرةً إلى غزة، بل الذهاب من لبنان نحو دولة ثالثة قبل الانطلاق إلى غزة، فإنّ النقاش القانوني لا يستقيم بما تقدم.
فأولاً، المنظمون قدّموا ما قدموه من تعهدات ليس من منطلق الموافقة على المنطق الذي حكم مواقف الحكومة اللبنانية، بل انطلاقاً من ضرورة عدم إحراج السلطات اللبنانية أو إزعاجها أو إرباكها، وخاصةً الحكومة المتعثرة على مختلف الصعد.
وثانياً، فإنّ كل ما من شأنه حفظ الدولة اللبنانية، وتخفيف الضجيج الإعلامي عن العمل الجاري على إطلاق البواخر، وفك أيّ اشتباك مع السلطات اللبنانية، مرحّب به من جانب المنظمين، بغضّ النظر عن أحقيته أو قانونيته أو صوابيته.
ثالثاً، يمكن ببساطة أن ينطلق أسطول البرلمانيين من لبنان، ويتجه مباشرةً نحو غزة، فالقطاع المحاصر ليس إسرائيل، بل هو خاضع لسلطة فلسطينية، دون الدخول في نقاش شرعية حكومة حماس، فإنّ غزة تعدّ منطقة محرّرة، وهي خاضعة لحكم ذاتي، وشواطئها، كما مياهها الإقليمية، تخضع لحصار تصفه الأمم المتحدة بأنه عقوبات جماعية غير شرعية، وبالتالي، فإن أي اعتراض إسرائيلي لحركة الملاحة في المياه الإقليمية لغزة يعدّ قرصنة، وعملاً غير شرعي على المستوى الدولي.
رابعاً، إنّ الخضوع لمنطق قوة إسرائيل، والموافقة على تهديداتها، أو اعتبارها نهاية المطاف، يؤسّسان لما هو أخطر، وخاصةً إذا ما أُخذ بعين الاعتبار الموقف الإسرائيلي، الذي يرى أنّ حقول الغاز البحرية «ضمن المياه الدولية الإسرائيلية»، وبالتالي، يريد تجريد لبنان من حقوقه على هذا الصعيد.
2010-07-06