ارشيف من :أخبار لبنانية
يكتبون تاريخنا ويشوّهون وعينا!
سليمان تقي الدين
في تقريره الدوري عن تنفيذ القرار 1701 أغفل الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إضراب المعلمين وأسعار المحروقات! ما خلا ذلك يكتب لنا تاريخنا السياسي والاجتماعي ويضع لنا علامات تقدير على حوارنا الوطني وعلاقاتنا بالفلسطينيين وسوريا، ويرصد كم لدينا من السلاح والمزاج الشعبي تجاه قوات «اليونيفيل». تحوّل الأمين العام إلى وزير للمستعمرات أو ما يشبه المفوض السامي للإشراف على صك الانتداب الذي تمثل بالقرار الدولي 1559. تنضمّ تقارير بان كي مون إلى سجل الوثائق المتعلقة بغورو ودي جوفينيل ومارتيل وبالمرستون وسايكس وبيكو وهنري غيز واللنبي ومكماهون وسبيرز وكنج ـ كراين وغيرهم من السفراء والقناصل والمبعوثين الذين صنعوا تاريخنا في الماضي.
هذه النكسة الخطيرة لمنظمة الأمم المتحدة، هذا الانقلاب على ميثاقها الحارس للأمن من منظار حق الشعوب في تقرير مصيرها، هذه القبضة الأميركية التي أنهت نتائج الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة لتعيد العالم إلى النهج الاستعماري في غلاف القانون الدولي. هذه المسارات في ربع القرن الأخير تناقض كل المكتسبات والإنجازات الإنسانية. صارت الأمم المتحدة تجسيداً لانتصار القطب الواحد ومشروع الهيمنة الأميركية على العالم. مصطلح ازدواجية المعايير ليس ملائماً لوصف الحال التي يتدخل فيها المجتمع الدولي ضد أمننا واستقلالنا واستقرارنا وحقوقنا ويحمي فيها منطق القوة الإسرائيلي بلا قيد ولا شرط. قواعد السياسة الدولية الراهنة محاباة إسرائيل وحمايتها في حروبها وحصارها ومجازرها وعنصريتها. إسرائيل في الثقافة السياسية السائدة لدى الغرب الاستعماري هي معيار الحرية وحقوق الإنسان، وتفوقها وقدرتها على التسلّط والعدوان والإيذاء هو المعيار الذي يقيس به هذا الغرب مستقبل منطقتنا. أدوات «المجتمع الدولي» من ميليس إلى بلمار، ومن تيري رود لارسن إلى بان كي مون، ومن ميتشل إلى وليامز، ومن ماكريستال إلى بترايوس، أدوات مسخّرة لصنع التراجيديا في منطقتنا. ممنوع الاستقلال، ممنوع الحرية، ممنوع التصرف بالثروة، ممنوع امتلاك القوة. من أين يجيء الغرب بهذه السلطة؟ من أين يجيء بهذه الشرعية ليراقب انتخاب الرئيس اللبناني، وتأليف الحكومة، والانتخابات الإيرانية وحقوق المعارضة ويحبط «حماس» لمصلحة «عباس»، ويجعل بريمر والياً على العراق وعلى تصفية إرثه التاريخي ونهب ثروته، ويأخذ منا العدالة حيث شاء وينظم مضبطة اتهام للمقاومة كما كان يفعل في زمن الانتداب حين وصفها بالعصابات؟ هذا الغرب يصدر موقفه عن رغبة في إخضاعنا وعن ثقافة في إلغاء إنسانيتنا لتبرير معاملتنا كخارجين على القانون وعلى قواعد سيطرته. لسنا نملك نحن اليوم «حذاء خروتشوف» لنطرق به على طاولة الأمم المتحدة، ولا حصانة كاسترو في الماضي وهوغو شافيز اليوم لنقول لبوش ولخلف بوش إن ما يجري هو نفاق وتزوير للحقائق والتاريخ، وإن العراق ذُبح بتقارير كولن باول المخادعة، وإن إيران تُعاقَب على طموحها ولبنان يلغّم بالقرارات الدولية. وبشبكات العملاء والجواسيس وبالتحريض الفتنوي وبدعم الارتزاق السياسي وأن الهدف الأسمى لهذا الغرب، ولهذه المنظمة العالمية هو مجد إسرائيل.
كانت للاستعمار في الماضي ذريعة أنه يريد تطوير اقتصادنا وبناء دولتنا وتطوير ثقافتنا، أراد الانتداب تدريبنا على بناء الدول والنظم السياسية التي اختارها لنا بعد أن أخرجنا من الهيمنة الإمبراطورية السابقة. هو اليوم زعم أنه يدرّبنا على الديموقراطية، يحرّرنا من الاستبداد، ويمنحنا القدرة على الاختيار، لكنه لم يفعل ولم يقصد هذا ولا يريده. الاستبداد الذي ساد في العراق أفظع، والدم الذي سال أغزر، والخراب الذي عمّ أشمل. وفي لبنان أزال سلطة ليعيد إنتاج سلطة أكثر تبعية وأكثر فساداً وأكثر هشاشة.
جعل الاستعمار الحديث من المسألة اليهودية ذريعة، ومن تجربة إسرائيل مثالاً مزعوماً للديموقراطية، ومن تقدمها الاقتصادي والعسكري نموذجاً على الفشل العربي. هذا النموذج «للحداثة» الغربية كان يمكن أن يكون جذاباً لولا أنه مفتعل أصلاً وخادع وينطوي على مخزون هائل من الهمجية ومن العنصرية ومن احتقار القيم الإنسانية، ومن الجريمة المنظمة والإرهاب المنظم ضد شعب فلسطين وشعوب المنطقة. لم يهذّب الغرب «نموذجه» هذا، لم يعقلن الغرب صنيعته، ولم يجعلنا ننسى «الخطيئة الأصلية» أو الجريمة التاريخية التي أنشأ بموجبها هذا «النموذج». إنه يذكّرنا بها كل يوم بالمزيد من الجرائم والارتكابات. تقرير بان كي مون مطالعة شاملة بهذه الثقافة السياسية. يُلام لبنان على اكتساب القوة ليدافع عن نفسه، ويُلام لبنان لأنه لم يطرد الفلسطينيين أو لا يضطهدهم كفاية ولا يحجز حريتهم أكثر. ويُلام لبنان لأنه لا يظل مشتبكاً مع سوريا على الحدود. ويُلام لبنان في تقرير بان كي مون لأنه لا ينقلب على مقاومته ولا يجرّد سيف الدولة والسلطة لتكبيل شعبه وتتحوّل الدولة حارساً لأمن إسرائيل وحدودها ومطامعها في الأرض والماء والنفط. ويُلام لبنان حين يخرج منه قائد يقول: إذا ضُربنا ضَرَبْنا وإذا اعتُدي علينا في الأرض والجو والبحر فسنردّ على الدولة العسكرية التي تحتكر أكثر وسائل القوة والتدمير، وتهدّد كل يوم الشعوب والدول وتعلن أنها بعون من هذا الغرب قادرة على كل شيء.
يحاول الغرب أن يكتب تاريخنا، يكتبه عنا، يصوغ الوقائع كما يشتهي، يملك سلطة الشرعية الدولية النابعة من قوة. يقدم بان كي مون روايته ولا نقدّم روايتنا كما يجب. نرضخ لقاعدة التزوير لأننا نعترف أصلاً بالمجتمع الدولي وبشرعية قرارات الدول المتحدة ضدنا وضد حقوقنا. شغل المجتمع الدولي الشاغل قوتنا لا حقوق الشعب الفلسطيني الأكثر ظلامة ومظلومية في التاريخ. ويقف بان كي مون دورياً ليعلن تقاريره القائلة: لمجدك يا إسرائيل هذا القليل!
في تقريره الدوري عن تنفيذ القرار 1701 أغفل الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إضراب المعلمين وأسعار المحروقات! ما خلا ذلك يكتب لنا تاريخنا السياسي والاجتماعي ويضع لنا علامات تقدير على حوارنا الوطني وعلاقاتنا بالفلسطينيين وسوريا، ويرصد كم لدينا من السلاح والمزاج الشعبي تجاه قوات «اليونيفيل». تحوّل الأمين العام إلى وزير للمستعمرات أو ما يشبه المفوض السامي للإشراف على صك الانتداب الذي تمثل بالقرار الدولي 1559. تنضمّ تقارير بان كي مون إلى سجل الوثائق المتعلقة بغورو ودي جوفينيل ومارتيل وبالمرستون وسايكس وبيكو وهنري غيز واللنبي ومكماهون وسبيرز وكنج ـ كراين وغيرهم من السفراء والقناصل والمبعوثين الذين صنعوا تاريخنا في الماضي.
هذه النكسة الخطيرة لمنظمة الأمم المتحدة، هذا الانقلاب على ميثاقها الحارس للأمن من منظار حق الشعوب في تقرير مصيرها، هذه القبضة الأميركية التي أنهت نتائج الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة لتعيد العالم إلى النهج الاستعماري في غلاف القانون الدولي. هذه المسارات في ربع القرن الأخير تناقض كل المكتسبات والإنجازات الإنسانية. صارت الأمم المتحدة تجسيداً لانتصار القطب الواحد ومشروع الهيمنة الأميركية على العالم. مصطلح ازدواجية المعايير ليس ملائماً لوصف الحال التي يتدخل فيها المجتمع الدولي ضد أمننا واستقلالنا واستقرارنا وحقوقنا ويحمي فيها منطق القوة الإسرائيلي بلا قيد ولا شرط. قواعد السياسة الدولية الراهنة محاباة إسرائيل وحمايتها في حروبها وحصارها ومجازرها وعنصريتها. إسرائيل في الثقافة السياسية السائدة لدى الغرب الاستعماري هي معيار الحرية وحقوق الإنسان، وتفوقها وقدرتها على التسلّط والعدوان والإيذاء هو المعيار الذي يقيس به هذا الغرب مستقبل منطقتنا. أدوات «المجتمع الدولي» من ميليس إلى بلمار، ومن تيري رود لارسن إلى بان كي مون، ومن ميتشل إلى وليامز، ومن ماكريستال إلى بترايوس، أدوات مسخّرة لصنع التراجيديا في منطقتنا. ممنوع الاستقلال، ممنوع الحرية، ممنوع التصرف بالثروة، ممنوع امتلاك القوة. من أين يجيء الغرب بهذه السلطة؟ من أين يجيء بهذه الشرعية ليراقب انتخاب الرئيس اللبناني، وتأليف الحكومة، والانتخابات الإيرانية وحقوق المعارضة ويحبط «حماس» لمصلحة «عباس»، ويجعل بريمر والياً على العراق وعلى تصفية إرثه التاريخي ونهب ثروته، ويأخذ منا العدالة حيث شاء وينظم مضبطة اتهام للمقاومة كما كان يفعل في زمن الانتداب حين وصفها بالعصابات؟ هذا الغرب يصدر موقفه عن رغبة في إخضاعنا وعن ثقافة في إلغاء إنسانيتنا لتبرير معاملتنا كخارجين على القانون وعلى قواعد سيطرته. لسنا نملك نحن اليوم «حذاء خروتشوف» لنطرق به على طاولة الأمم المتحدة، ولا حصانة كاسترو في الماضي وهوغو شافيز اليوم لنقول لبوش ولخلف بوش إن ما يجري هو نفاق وتزوير للحقائق والتاريخ، وإن العراق ذُبح بتقارير كولن باول المخادعة، وإن إيران تُعاقَب على طموحها ولبنان يلغّم بالقرارات الدولية. وبشبكات العملاء والجواسيس وبالتحريض الفتنوي وبدعم الارتزاق السياسي وأن الهدف الأسمى لهذا الغرب، ولهذه المنظمة العالمية هو مجد إسرائيل.
كانت للاستعمار في الماضي ذريعة أنه يريد تطوير اقتصادنا وبناء دولتنا وتطوير ثقافتنا، أراد الانتداب تدريبنا على بناء الدول والنظم السياسية التي اختارها لنا بعد أن أخرجنا من الهيمنة الإمبراطورية السابقة. هو اليوم زعم أنه يدرّبنا على الديموقراطية، يحرّرنا من الاستبداد، ويمنحنا القدرة على الاختيار، لكنه لم يفعل ولم يقصد هذا ولا يريده. الاستبداد الذي ساد في العراق أفظع، والدم الذي سال أغزر، والخراب الذي عمّ أشمل. وفي لبنان أزال سلطة ليعيد إنتاج سلطة أكثر تبعية وأكثر فساداً وأكثر هشاشة.
جعل الاستعمار الحديث من المسألة اليهودية ذريعة، ومن تجربة إسرائيل مثالاً مزعوماً للديموقراطية، ومن تقدمها الاقتصادي والعسكري نموذجاً على الفشل العربي. هذا النموذج «للحداثة» الغربية كان يمكن أن يكون جذاباً لولا أنه مفتعل أصلاً وخادع وينطوي على مخزون هائل من الهمجية ومن العنصرية ومن احتقار القيم الإنسانية، ومن الجريمة المنظمة والإرهاب المنظم ضد شعب فلسطين وشعوب المنطقة. لم يهذّب الغرب «نموذجه» هذا، لم يعقلن الغرب صنيعته، ولم يجعلنا ننسى «الخطيئة الأصلية» أو الجريمة التاريخية التي أنشأ بموجبها هذا «النموذج». إنه يذكّرنا بها كل يوم بالمزيد من الجرائم والارتكابات. تقرير بان كي مون مطالعة شاملة بهذه الثقافة السياسية. يُلام لبنان على اكتساب القوة ليدافع عن نفسه، ويُلام لبنان لأنه لم يطرد الفلسطينيين أو لا يضطهدهم كفاية ولا يحجز حريتهم أكثر. ويُلام لبنان لأنه لا يظل مشتبكاً مع سوريا على الحدود. ويُلام لبنان في تقرير بان كي مون لأنه لا ينقلب على مقاومته ولا يجرّد سيف الدولة والسلطة لتكبيل شعبه وتتحوّل الدولة حارساً لأمن إسرائيل وحدودها ومطامعها في الأرض والماء والنفط. ويُلام لبنان حين يخرج منه قائد يقول: إذا ضُربنا ضَرَبْنا وإذا اعتُدي علينا في الأرض والجو والبحر فسنردّ على الدولة العسكرية التي تحتكر أكثر وسائل القوة والتدمير، وتهدّد كل يوم الشعوب والدول وتعلن أنها بعون من هذا الغرب قادرة على كل شيء.
يحاول الغرب أن يكتب تاريخنا، يكتبه عنا، يصوغ الوقائع كما يشتهي، يملك سلطة الشرعية الدولية النابعة من قوة. يقدم بان كي مون روايته ولا نقدّم روايتنا كما يجب. نرضخ لقاعدة التزوير لأننا نعترف أصلاً بالمجتمع الدولي وبشرعية قرارات الدول المتحدة ضدنا وضد حقوقنا. شغل المجتمع الدولي الشاغل قوتنا لا حقوق الشعب الفلسطيني الأكثر ظلامة ومظلومية في التاريخ. ويقف بان كي مون دورياً ليعلن تقاريره القائلة: لمجدك يا إسرائيل هذا القليل!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018