ارشيف من :أخبار لبنانية

«قواعد الاشتباك» في الجنوب: إطالـة الاحتـلال الإسـرائيلي؟

«قواعد الاشتباك» في الجنوب: إطالـة الاحتـلال الإسـرائيلي؟

ادمون صعب - صحيفة السفير

ودّع لبنان، أول من أمس، واحداً من كبار العلماء المسلمين الأنقياء.
وكان كرّم أواخر شهر حزيران الماضي راهباً مارونياً تقياً بعدما رفعه البابا بنديكتوس السادس عشر إلى مرتبة طوباوي.

ولقد استذكر مريدو العلامة السيد محمد حسين فضل الله في موكب تشييع القيم التي نشرها في محيطه اللبناني والعالم وأخصها دعواته إلى نبذ العنف، والتمسك بالوحدة، وسلوك طريق الحوار والانفتاح على الآخر دون خوف أو تحريض أو تخوين وصولاً إلى الوفاق، والابتعاد عن الشخصانية والعصبيات العائلية والطائفية والمذهبية، وعدم الإصغاء إلى الخارج المثير للفتن، والتزام المواطنية لتحل مكان الطائفية والمذهبية وتكفل للشعب حريته ووحدته.
كما استذكروا إلحاح «السيد» على ضرورة تحكيم العقل في أمور الدين والدنيا، والحض على المصالحة الوطنية بالرحمة
والمحبة، واعتبار تحرير الوطن خطوة لتحرير الإنسان بالصدق والحق.

وقد حذّر سماحته مراراً وتكراراً من الانقسامات التي تفتك بالوحدة الوطنية وتتيح للعدو أن ينفذ من خلالها إلى النسيج الوطني.

كذلك فقد كان يبشّر بأن الوفاق هو القاعدة المؤمنة الموصولة بقواعد الوطن والاجتماع الوطني بكل تلاوينه.
وبالمقابل فإن الذين احتفلوا بتطويب الأخ أسطفان نعمة، قد وجدوا فيه قدوة في الإيمان بالله وخدمة الآخرين ولا سيما الفقراء، إذ هو «بذل نفسه بامحاء ودون حدود لمصلحة الأكثر فقراً، الذين كانوا ضحية الجوع لسنوات»، على ما ورد في البراءة الرسولية لذلك الراهب.

بعيداً عن ذلك كله، طفت على السطح، مؤخراً، انقسامات خطيرة حول ثلاث قضايا هي: توقيف شربل ق. موظف الاتصالات في شركة «ألفا» بتهمة التعامل مع إسرائيل، ومشاريع القوانين الأربعة التي قدمت بصفة معجل من أجل تحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ثم الصدامات بين قوة «اليونيفيل» وأهالي عدد من القرى الحدودية في الجنوب.

وبدل أن يُحصر الخلاف في وجهات النظر بين بعض الأفرقاء داخل المؤسسات، وخصوصاً في مجلس الوزراء الذي تتمثل فيه الكتل الرئيسية، جنح البعض إلى تدعيم موقفه بإثارة العصبيات الطائفية والعنصرية أحياناً، وخصوصاً حيال الفلسطينيين حيث أوحى الطرف المسيحي وكأن هناك مؤامرة لمنح الفلسطينيين الحق في التملك بما يخل بالتوازن الديموغرافي، فضلاً عن تثبيت توطين الفلسطينيين في لبنان.

وفي حين كان يجب الوثوق بمخابرات الجيش في موضوع عميل الاتصالات، فقد فتحت النار على التحقيق من جانب فريق 14 آذار ولا سيما المسيحيين فيه ووجهت إليه اتهامات بتسريب معلومات «مغلوطة» عن نشاط المتهم بالتعامل مع إسرائيل، على نحو بدا وكأنه دفاع عن العمالة، في حين أن ما أزعج المحتجين على ما ورد في بعض الإعلام حول الانكشاف اللبناني في مجال الاتصالات أمام العدو الإسرائيلي هو إمكان تلاعب الإسرائيليين ببيانات المعلومات في الخلوي إلى حد إمكان تسجيل مكالمات لم يجرها أصحابها، في إيحاء أن إسرائيل قد تكون ضالعة في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وأن مكالمات هاتفية تم الاستناد إليها في التحقيق قد تكون مزوّرة.

أما في موضوع «اليونيفيل»، فكان مؤملاً أن يكون هناك موقف وطني من الإشكالات التي حصلت مع بعض الوحدات الدولية، وخصوصاً الوحدة الفرنسية في تولين، بحيث يكون الجيش اللبناني هو المرجع في تفسير القرار 1701 وخصوصاً «قواعد الاشتباك» وضرورة المحافظة على السيادة اللبنانية في الجنوب، بحيث يجري التنسيق مع الجيش لدى دخول أي جنود دوليين إلى القرى الحدودية، نظراً إلى حساسية الأهالي حيال أي تصرفات غير عادية لأفراد القوة، مثل التصوير أو تفتيش المنازل، على أساس أن أهالي الجنوب ليسوا مجرد مواطنين يقيمون هناك، بل هم مقاومون أخفوا سلاحهم أو أخرجوه من المنطقة الواقعة جنوب الليطاني تنفيذاً للقرار 1701 واحتراماً له، وأنهم يقظون باستمرار، ويراقبون العدو ولن يدعوه يغدر بهم. لذلك فإن توترهم طبيعي، وهذا ما أدى إلى اصطدامهم بأفراد الوحدة الفرنسية.

ولأن هؤلاء معنيون بما يجري حولهم، فإنهم يعجبون من إجراء مناورات للكتيبة الفرنسية داخل قراهم، على أساس احتمال قيام «حزب الله» بهجوم صاروخي على إسرائيل، فراحوا يبحثون عن إمكان وجود صواريخ وأسلحة ثقيلة داخل القرى، في الوقت الذي كانت إسرائيل تجري مناورات تحاكي فيها احتلال قرى جنوبية.

وثمة من يعتقد أن القرار 1701 بوضعه الحالي بات قراراً لإدامة الاحتلال الإسرائيلي لمزارع شبعا وتلال كفرشوبا ولاغتصاب المياه اللبنانية وأن القوة الدولية باتت حارسة للاحتلال، وحائلة دون تمكن اللبنانيين من تحرير أرضهم، لا بالمقاومة المسلحة فحسب، بل كذلك بالدبلوماسية التي توقفت في مجلس الأمن عند حدود وقف النار!

ولم يستبعد أن يكون ما يجري في الجنوب مرتبطاً بما يطبخ بين واشنطن وباريس وإسرائيل في موضوع المحكمة الدولية، وخصوصاً الكلام الإسرائيلي حول إمكان حصول تدهور أمني في لبنان، وخصوصاً في الجنوب بعد صدور القرار الظني في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شهر أيلول. وقد أشار إلى ذلك أول من أمس رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال غابي اشكنازي أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست.

وعندما تُفشي المحكمة الدولية سرها لإسرائيل ويعلن رئيس الأركان الإسرائيلي أن القرار الظني سيصدر في أيلول ويتهم «حزب الله» بالضلوع في الجريمة بعد استبعاد سوريا و«القاعدة» فمن حق كل لبناني أن ينظر بحذر إلى خطورة ما يجري في الجنوب، وخصوصاً اتهام أطراف محليين وقوى خارجية «حزب الله» بأنه وراء التعرض للقوة الفرنسية، وبأن الإشكالات التي جرت بين «اليونيفيل» والأهالي ليست عفوية.

وبالعودة إلى العلامة محمد حسين فضل الله والمكرّم الأخ أسطفان نعمة نجد أن الوحدة الوطنية لا تزال سراباً، أو هي خدعة مرحلية، وأن العصبيات الطائفية التي حذر منها فضل الله، لا تزال هي المتحكمة بالقرارات الوطنية الأساسية، وأن الإصغاء إلى الخارج لا يزال هو الموجه والمسيّر للكثير من السياسيين. وأن ثمة حاجة إلى «قواعد وفاق» لا إلى «قواعد اشتباك» بين اللبنانيين.

2010-07-08