ارشيف من :أخبار لبنانية

لبنان في سباق بين زيارتَي الأسد ونجاد... لكن المحكمة الأكثر إقلاقاً له

لبنان في سباق بين زيارتَي الأسد ونجاد... لكن المحكمة الأكثر إقلاقاً له

نقولا ناصيف - صحيفة الاخبار

يُنتظر أن يتلقى لبنان في الساعات القليلة المقبلة جواب سوريا عن موعد زيارة الرئيس بشّار الأسد بيروت تلبية لدعوة الرئيس ميشال سليمان، بعد عودة الأسد من جولته الأخيرة. الأسبوع الفائت كان قد أجري آخر اتصال بين العاصمتين حيال الزيارة المقرّرة مبدئياً، والمعلقة الموعد. وبحسب مطلعين على فحوى اتصالات المعنيين، يستعجل لبنان زيارة الرئيس السوري له، إلا أنه يجد نفسه في الوقت نفسه مزدحماً بروزنامة مواعيد رسمية رفيعة المستوى، فضلاً عن بدء شهر رمضان في 11 آب.

تنتظر بيروت أمير قطر الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني في زيارة مميّزة في الأسبوعين المقبلين، بالتزامن مع ذكرى حرب تموز 2006 لافتتاح مشاريع إنمائية كانت قد موّلتها الإمارة، فضلاً عن اطلاعه على مشاريع أخرى نفذت مذ ذاك في إطار خطة إعادة بناء الجنوب بعد تلك الحرب. كذلك سيزور بيروت ملك البحرين حمد بن عيسى في 28 تموز و29 منه، وتجرى اتصالات لتحديد موعد زيارة رئيس الإمارات العربية المتحدة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان. إلا أن الاستحقاقين الأكثر أهمية هما زيارة الأسد، والزيارة التي يعتزم الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد القيام بها للبنان.

وبمقدار ما بدت الأولى مرجحة ومنتظرة منذ أول قمّة بين سليمان والأسد في دمشق في 13 آب 2008، عندما وجه الرئيس اللبناني إلى نظيره السوري دعوة لزيارة لبنان، ثم كرّرها في القمّة الأخيرة في 15 حزيران الماضي، باغت اعتزام نجاد زيارة لبنان المسؤولين جميعاً. زار السفير الإيراني غضنفر ركن أبادي قبل أكثر من أسبوع رئيس الجمهورية، وأبلغه أن نجاد يرغب في زيارة لبنان قبل بدء شهر رمضان. ثم قصد بعد أيام رئيس الحكومة سعد الحريري، في 30 حزيران للغاية نفسها. رحب الحريري بالزيارة، ولم يرَ مانعاً في استعجال حصولها. وتحمل الزيارة المرتقبة لنجاد أهمية مضاعفة، رغم أنه ليس أول رئيس إيراني في ظلّ الجمهورية الإسلامية يزور هذا البلد، وقد سبقه إليه سلفه الرئيس محمد خاتمي في 12 أيار 2003:

فهو أولاً أرفع مسؤول إيراني يزور لبنان بعد حرب تموز 2006 التي تجد الجمهورية الإسلامية نفسها معنية وشريكة في ما تعدّه انتصار المقاومة وحزب الله على إسرائيل في هذه الحرب، وفي ظلّ الجدل الدائر حول القرار 1701 كإحدى ثمارها. ورغم أن الزيارة متأخرة على استثمار ذلك الانتصار، إلا أنها تبدو في توقيت ملائم وحار لإيران كي تخاطب من خلاله الغرب.

ولأن لبنان ثانياً ساحة مفتوحة للنزاعات الإقليمية، فهو أيضاً ساحة مفتوحة لاستقبال زعماء تلك النزاعات الناشبة على أرضه.

ولأن زيارة كهذه ثالثاً تشير إلى الموقع غير المتنافر للبنان مع المحور الإيراني ـــــ السوري ـــــ التركي في المواجهة الدائرة مع إسرائيل التي ستجد نفسها تسمع نجاد يدلي بمواقف متشدّدة منها، ومن واشنطن، على مسافة قريبة من حدودها الشمالية. بذلك تبدو زيارة نجاد للبنان أقرب مسافة إلى الدولة العبرية.
وتبعاً لمعطيات مسؤولين لبنانيين، يرغب لبنان في تأجيل استقبال الرئيس الإيراني إلى ما بعد شهر رمضان، في منتصف أيلول، بينما يودّ نجاد حصولها قبل 11 آب. بالتزامن مع هذا الجهد، لم يتضح حتى الآن تماماً موعد زيارة الرئيس السوري لبيروت، مع أن معلومات غير رسمية تحدّثت البارحة عن إمكان حصولها في أول آب.
إلا أن زيارة الأسد تقترن كذلك بالمعطيات الآتية:

1ـــــ لا يريد لبنان استقبال الرئيسين السوري والإيراني في مدّة متقاربة، كي لا تترك الزيارتان أثراً على الدور الذي يحاول هذا البلد أن ينأى بنفسه به عن وطأة النزاعات الإقليمية، من غير أن يغضب دمشق وطهران على السواء. أضف أن تزامن الزيارتين يعيد إلى الأذهان الصورة الثلاثية التي جمعت في دمشق في 26 شباط 2010 الأسد ونجاد والأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله، وتركت أصداءً بالغة الأهمية ومثيرة للجدل حيال هذا الحلف، ومدى استعداد لبنان لتحمّل وزر مغامراته.

2ـــــ رمزية زيارة الرئيس السوري تفوق أهمية جدول أعمالها، لكونها ثالث زيارة للأسد للبنان بعد اثنتين له في 3 آذار 2002، ثم بعد أيام في 27 آذار للمشاركة في القمّة العربية في بيروت. وكان سليمان قد أصرّ على نظيره السوري، في قمتهما الأخيرة، تمديد زيارته يومين واصطحاب زوجته أسماء الأسد، في إشارة إلى مزج الطابع الشخصي والعائلي بالسياسي، مع استعادة البلدين في السنتين الأخيرتين تطبيع علاقاتهما بعد تدهورها بين عامي 2005 و2008، وانتقال نصف خصوم سوريا من موقع العداء إلى موقع التحالف كالحريري ورئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط.

3ـــــ لن يُعقد المجلس الأعلى السوري ـــــ اللبناني إبان هذه الزيارة نظراً إلى عدم الانتهاء من مراجعة الاتفاقات الثنائية بين البلدين، التي تنتظر بدورها ـــــ بعد هذه المراجعة ـــــ اجتماع هيئة التنسيق العليا التي تضم رئيسي حكومتي البلدين، الحريري ومحمد ناجي العطري، لتوقيع الصيغ الجديدة للاتفاقات قبل إحالتها على المجلس الأعلى. عندئذ يلتئم في دمشق في وقت لاحق، الأمر الذي يستبعد زيارة رئيس الحكومة اللبنانية دمشق ما دام الرئيس السوري سيحضر إلى لبنان، وخصوصاً أن الحريري، تبعاً لما أخطر به وزراء، سيغادر في إجازة خاصة إلى الخارج في 5 آب المقبل، ما يُقلل احتمال زيارته العاصمة السورية قبل بدء شهر رمضان.

المحكمة أولاً ودائماً

ورغم أن الزيارة المتوقعة للرئيس السوري ترمي، في رأي مسؤولين لبنانيين، إلى تعزيز عناصر الاستقرار، فإن الحوار غير المعلن بين دمشق وبيروت ينظر بقلق بالغ إلى القرار الاتهامي الذي ستصدره المحكمة الدولية بعد ثلاثة أشهر، وسط تكهّنات مبكّرة عمّا سيتضمّنه والجهات التي سيوجّه الشبهات إليها. في زيارتيه الأخيرتين لدمشق، صارح جنبلاط معاون نائب رئيس الجمهورية اللواء محمد ناصيف في قلقه من القرار الاتهامي، وحضّ على التنبّه إلى تداعياته. ومع معرفة سوريا بأن الاتهام لن يطاولها، فإن أي تلميح إلى مسؤولية حزب الله عن اغتيال الرئيس رفيق الحريري يعني ارتداد التهمة ضمناً إليها، سواء لأنها حليف قوي للحزب وحاضن له ومصدر رئيسي لتسليحه، أو لأن توجيه الاتهام إلى عناصر حزبيين منفذين يقتضي أن يفضي إلى توجيه اتهام مماثل إلى الجهة المحرّكة لهؤلاء، تالياً يُشار بالإصبع إلى سوريا.

بذلك، بمقدار ارتباط الاستقرار الداخلي بمصير المحكمة الدولية ومسار عملها، فإن هذه أضحت مأزقاً خطيراً للمنادين بها، وقد أفلتت من أيدي الذين اخترعوا آلة جهنمية، فإذا بها تصبح في أيدي سواهم.

كان الحريري قد حادَثَ الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في القرار الاتهامي المتوقع، في اجتماعيه الأخيرين معه في 25 حزيران 2009 و7 حزيران 2010. وأتى خوضه في هذا الموضوع في الاجتماع الثاني، بعد مصالحة الحريري مع الرئيس السوري في 19 كانون الأول 2009 وطيّ صفحة الماضي بين الرجلين. في هذا اللقاء تناول الأسد والحريري مسار المحكمة الدولية، وما كانت قد نشرته صحيفة دير شبيغل الألمانية في 23 أيار 2009 عن ضلوع حزب الله في جريمة الاغتيال.

إلا أن الحوار الذي دار بين الحريري ونصر الله في اجتماعهما في 25 حزيران 2009، بعد شهر على ما نشرته الصحيفة الألمانية، يرسم ملامح أولى لما قد ينتظر لبنان واستقراره من جراء القرار الاتهامي للمحكمة الدولية، ما لم يتدارك المسؤولون اللبنانيون تداعياته.

في ذلك اللقاء قال الحريري لنصر الله إنه يخشى من التداعيات التي أحدثها في الداخل تقرير دير شبيغل، مشيراً إلى أن المحكمة الدولية أصبحت خارج القبضة اللبنانية التي لا يسعها عندئذ السيطرة على ما قد يصدر عن المحكمة. ولفت إلى أن التقرير ربما يراد منه التعبير عن اتجاه يرمي إلى تحميل بعض مسؤولي حزب الله مسؤولية المشاركة في اغتيال الحريري الأب.

سأل نصرالله: مثل مَن؟
قال الحريري موضحاً: قد يقال إنهم نفّذوا الاغتيال من دون علم قيادة حزب الله.
سأل نصر الله مجدّداً: مثل مَن؟
ردّ الحريري: الحاج عماد مغنية. هو الآن استشهد، وقد يقال إنه أخذ سرّه معه لإنهاء الموضوع، وتالياً التعامل معه هو وآخرين على أنهم نفذوا العملية بلا معرفة قيادة الحزب.
ردّ نصر الله: سمّيت الحاج عماد في يوم تشييعه قائد الانتصارين (انتصار التحرير عام 2000 وانتصار حرب تموز عام 2006). الحاج عماد مغنية قائد عسكري عام، بل هو قائد أساسي وتاريخي للمقاومة. ثم تقول لي إن العملية نفّذت بلا علم قيادة الحزب. الحاج عماد واحد من القيادة. أنا لا أقبل هذا المنطق، ولا الخوض في هذا الموضوع ولا بهذه الطريقة. ليس في حزب الله مَن ينفذ أمراً بلا علم القيادة الحزبية، وليس هناك عناصر غير منضبطين. هذا خارج النقاش.
أوضح الحريري أن المطلوب تفادي تداعيات قرار اتهامي وردود فعل عليه تعرّض الاستقرار للخطر.
قال نصر الله: طرح الموضوع على هذا النحو يؤدي إلى سبعين 7 أيار، وليس إلى 7 أيار واحد. لن أسمح بمسّ سمعة حزب الله وأخلاقياته. إنه حزب مقاومة ولم يرتبط تاريخه بالاغتيال السياسي. عندما نصل إلى الأمر نرى. لكن نريد أن نرى موقفكم أنتم أولاً.

2010-07-08