ارشيف من :أخبار لبنانية
هل أفلت «حزب الله» من فخ... في ملعبه؟
عماد مرمل - السفير
أيام قليلة، ويتلاشى الغبار الكثيف الذي أثير حول العلاقة بين «اليونيفيل» وأهالي الجنوب، فلا يبقى من نظرية المؤامرة إلا بعض الفتات، ولا يبقى من الكلام الكبير حول صلة ما جرى بصناديق البريد والعقوبات على إيران والمحكمة الدولية سوى ما استقر في الارشيف...
يضحك أحد قياديي الحزب، كمن استمع للتو الى نكتة، وهو يعلق على التحليلات والاستنتاجات التي ربطت التوتر بين «اليونيفيل» وبعض الجنوبيين برد فعل إيراني على العقوبات المتخذة بحق طهران، أو بـ«إنذار مسبق» يوجهه الحزب الى المجتمع الدولي تحسباً لما سيصدر عن المحكمة الدولية. المسألة بالنسبة اليه هي أكثر تبسيطاً مما افترضه أصحاب المخيلة الواسعة: «كل ما في الامر ان الناس احتجوا بطريقة تلقائية وعفوية على ممارسات استفزازية قام بها جنود في اليونيفيل، وكانت تحتاج الى تصويب».
وعندما يقال للقيادي المذكور إن البعض يصعب عليه التصديق انه يمكن لشعرة ان تسقط من رأس أي جنوبي من دون معرفة حزب الله، تتقلص مساحة الابتسامة في وجهه، وتعلو نبرة صوته، في معرض إشارته الى أن هؤلاء لا يعرفون طبيعة التركيبة الثقافية والاجتماعية لشخصية ابن الجنوب، «وبالتأكيد فإن تلك المرأة التي كان جنود «اليونيفيل» يحاولون التقاط صورة لها خلال وجودها على سطح منزلها، لا هي ولا زوجها ولا ابنها ولا ابنتها ولا جيرانها يقبلون بذلك، وبالتالي فإن رد فعلهم في مثل هذه الحال يكون عفوياً، من دون تحريض او إيعاز من أحد.. المسألة هنا تتعلق بعزة النفس والكرامة الشخصية».
ولكن، هل أخطأ حزب الله في إدارة الأزمة مع «اليونيفيل»؟
هناك من يقول إن الحزب كاد يقع في فخ نُصب له، لوضعه في مواجهة المجتمع الدولي وإرباك ساحته الحيوية في الجنوب، لو لم يسارع الى احتواء الموقف والحد من عوارضه الجانبية في اللحظة المناسبة، علماً أن أحد الاستنتاجات من خارج الملعب الحزبي يفترض أن الفرنسيين تحديداً سعوا الى توظيف الانفعالات الميدانية، في اتجاه تضخيم دلالاتها ومن ثم الاستثمار عليها، وصولاً إلى إنتاج ضوابط ضمنية تقيد حزب الله منذ الآن، تحسباً لتداعيات القرار الظني للمحكمة الدولية.
ويعتقد أصحاب وجهة النظر هذه، وبعضهم مؤيد للمقاومة، أنه كان من الأفضل منذ البداية محاصرة المشكلة مع «اليونيفيل» في إطار ضيق وتكليف الجيش اللبناني بمعالجتها على طريقته، بمؤازرة دبلوماسية من وزارة الخارجية، إذا اقتضت الحاجة، بدلاً من تركها تتفاعل في الشارع حيث يصعب عادة السيطرة على ردود الفعل او ضبط إيقاعها بما يتناسب والمصلحة السياسية.
ويرى هؤلاء أن تطور الوضع نحو صدام بين «اليونيفيل» والناس أدى الى تكبير الأزمة وتضخيم أبعادها، الأمر الذي استفاد منه خصوم المقاومة في سياق الاستثمار السياسي، كما فعلت قوى 14 آذار داخلياً من خلال المزايدة على حزب الله في الحرص على أمن الجنوب ومحاولة جره الى موقع دفاعي في مواجهة اتهامات معلبة، وكما فعلت فرنسا خارجياً حيث سارعت الى شن هجوم دبلوماسي عبر مجلس الأمن لم ينته فصولاً بعد تحت شعار حماية حرية حركة «اليونيفيل» وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، عدا عن أن هذا المناخ يفيد إسرائيل في حملاتها الدعائية التي تروج لعدم احترام لبنان القرار 1701.
ويعتبر أصحاب هذا الرأي أنه كان يمكن تفادي منح خدمات مجانية لمصطادي الفرص السياسية لو أنيطت بالجيش اللبناني، بشكل اساسي، مهمة إعادة ترسيم دور القوات الدولية وفق القراءة اللبنانية للقرار 1701، خصوصاً أن منطق الجيش استناداً الى محتوى هذا القرار هو قوي ومتماسك، وهذا ما ظهر عملياً من خلال إقرار «اليونيفيل» في نهاية المطاف بمبدأ مؤازرة الجيش لها في كل مهامها، خلافاً لسعي البعض في القوات الدولية الى الاستئثار بالقرار الميداني وتوسيع حرية الحركة والانتشار بشكل استنسابي.
ولكن القيادي في حزب الله يرى أن أصل هذه المقاربة يستند الى فرضية خاطئة، وهي أن هناك قراراً سياسياً متخذاً من قبل الحزب، عن سابق تصور وتصميم، بإثارة أزمة في وجه قوات «اليونيفيل»، في حين ان ما حصل يندرج بالدرجة الاولى ضمن سياق حركة عفوية للناس، لم تكن مبرمجة ولم تهبط بالمظلة.
ويلفت هذا القيادي الانتباه الى ان كل ما بني على تلك الفرضية ليس سوى قصور من رمل، لا تلبث ان تتهاوى، مشدداً على أن دور حزب الله تمحور حول منع تفاقم التوتر وتفعيل موقع الجيش في المعالجة، لأنه لا مصلحة للحزب أصلاً في تصدع الأرضية التي تتحرك فوقها المقاومة و«اليونيفيل» والجيش والناس، بل هو اكثر المستفيدين من انتظام العلاقة بين هذه العناصر الأربعة، مع الإشارة الى ان القوات الدولية جاءت أصلاً الى الجنوب برضى حزب الله، وهي تواصل عملها برضاه.
أما الربط بين حوادث الجنوب والمحكمة الدولية، فيكشف - برأي القيادي ـ عن المدى البعيد الذي وصل اليه فريق 14 آذار في الرهان على المحكمة، بحيث أصبح يضعها عنواناً لكل حدث يشهده لبنان، ولا يتردد في استحضارها كلما دق الكوز بالجرة، ما يؤشر الى أنها أصبحت هاجساً له وليس للمعارضة .
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018